شبكة بيئة ابوظبي، بقلم المهندس عماد سعد، خبير الاستدامة والتغير المناخي والمسؤولية المجتمعية 07 يوليو 2026
لم تعد الزراعة في العالم العربي مجرد قطاع اقتصادي يساهم في إنتاج الغذاء أو توفير فرص العمل، بل أصبحت اليوم في قلب معادلة أكثر تعقيداً تجمع بين الأمن الغذائي والأمن المائي والاستقرار الاجتماعي والقدرة على مواجهة التغير المناخي. وفي ظل ما تشهده منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من ضغوط بيئية واقتصادية وجيوسياسية متزايدة، تبرز الحاجة إلى إعادة النظر في النموذج الزراعي التقليدي الذي حكم المنطقة لعقود طويلة.
يكشف تقرير “مستقبل الزراعة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا: الأمن الغذائي والقدرة على الصمود المناخي” الصادر عن معهد كربون (مركز أبحاث مستقل غير ربحي في هولندا). عن حقيقة مهمة مفادها أن المنطقة تقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي. فمن جهة، يتزايد الطلب على الغذاء نتيجة النمو السكاني المتسارع والتوسع الحضري وارتفاع مستويات المعيشة، ومن جهة أخرى تتراجع قدرة الموارد الطبيعية على تلبية هذا الطلب نتيجة ندرة المياه وتدهور الأراضي والتغيرات المناخية المتسارعة.
لقد شهدت المنطقة خلال العقود الستة الماضية تحولات جوهرية في دور الزراعة. ففي الوقت الذي تضاعف فيه الطلب على الغذاء عدة مرات، لم يواكب الإنتاج الزراعي هذا النمو بالوتيرة نفسها، مما أدى إلى اتساع الفجوة الغذائية وزيادة الاعتماد على الواردات الخارجية. واليوم أصبحت معظم الدول العربية من أكبر مستوردي الغذاء في العالم، الأمر الذي يجعل أمنها الغذائي أكثر ارتباطاً بالتقلبات العالمية في الأسواق وسلاسل الإمداد.
وقد كشفت جائحة كوفيد-19 والحرب في أوكرانيا والأزمات اللوجستية العالمية مدى هشاشة هذا الاعتماد. فالدول التي اعتقدت أن الأسواق العالمية ستظل قادرة دائماً على توفير الغذاء اكتشفت أن الأمن الغذائي لا يمكن أن يُترك بالكامل لقوى السوق، وأن بناء قدر من المرونة المحلية أصبح ضرورة استراتيجية وليس خياراً تنموياً.
غير أن التحدي الأكبر لا يكمن فقط في إنتاج المزيد من الغذاء، بل في كيفية إنتاجه بصورة مستدامة. فالعالم العربي يعد من أكثر مناطق العالم فقراً بالمياه، حيث يستهلك القطاع الزراعي ما يصل إلى 80–90% من الموارد المائية المتاحة في العديد من الدول. وفي الوقت ذاته تتعرض الخزانات الجوفية للاستنزاف، وتزداد ملوحة التربة، وتتراجع خصوبة الأراضي الزراعية، بينما ترتفع درجات الحرارة بمعدلات تفوق المتوسط العالمي.
وهنا تظهر المفارقة الكبرى التي تواجه صناع القرار. فمن جهة تسعى الحكومات إلى تعزيز الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على الاستيراد، ومن جهة أخرى فإن التوسع الزراعي التقليدي قد يؤدي إلى مزيد من استنزاف المياه وتدهور البيئة. ولذلك فإن الحل لا يكمن في زيادة المساحات المزروعة فقط، وإنما في تحسين كفاءة الإنتاج وإعادة هيكلة النظم الزراعية بما يحقق التوازن بين الأمن الغذائي والاستدامة البيئية.
لقد أثبتت التجارب الدولية أن الزراعة الذكية مناخياً تمثل أحد أكثر المسارات الواعدة لمواجهة هذه التحديات. ويقوم هذا النهج على تحقيق ثلاثة أهداف متزامنة: زيادة الإنتاجية الزراعية، وتعزيز قدرة المزارعين على التكيف مع تغير المناخ، وخفض الانبعاثات الكربونية الناتجة عن الأنشطة الزراعية. وهذا يتطلب الاستثمار في أصناف نباتية مقاومة للجفاف والملوحة، وتطوير أنظمة الري الذكية، واستخدام البيانات والذكاء الاصطناعي في إدارة الموارد الزراعية.
وفي هذا السياق، أصبحت التكنولوجيا الزراعية أحد أهم مفاتيح المستقبل. فالذكاء الاصطناعي، والاستشعار عن بعد، والطائرات المسيّرة، وإنترنت الأشياء، والزراعة الدقيقة، لم تعد أدوات رفاهية تقنية، بل أصبحت عناصر أساسية في رفع كفاءة استخدام المياه والطاقة والأسمدة وتحسين إنتاجية المحاصيل. كما أن الابتكار في مجالات تحلية المياه، وإعادة استخدام المياه المعالجة، وإدارة المخلفات الزراعية ضمن مفهوم الاقتصاد الدائري، يفتح آفاقاً جديدة لتحقيق الاستدامة في البيئات الجافة.
لكن التكنولوجيا وحدها لا تكفي. فنجاح التحول الزراعي يتطلب أيضاً تمكين المجتمعات الريفية وصغار المزارعين، الذين ما زالوا يشكلون العمود الفقري للإنتاج الزراعي في العديد من الدول العربية. ويشمل ذلك تحسين الوصول إلى التمويل والخدمات الإرشادية والأسواق والتأمين الزراعي، إضافة إلى تعزيز دور المرأة والشباب في سلاسل القيمة الزراعية والغذائية.
كما ينبغي النظر إلى الزراعة باعتبارها جزءاً من الحل المناخي وليس مجرد ضحية لتغير المناخ. فالقطاع الزراعي يمتلك إمكانات كبيرة للمساهمة في خفض الانبعاثات من خلال الإدارة المستدامة للتربة والمياه، وزراعة الأشجار، واستعادة الأراضي المتدهورة، وتقليل الفاقد والهدر الغذائي. وقد أصبحت هذه القضايا تحظى باهتمام متزايد في مؤتمرات المناخ العالمية، كما شهدنا في مؤتمري COP27 في مصر وCOP28 في دولة الإمارات العربية المتحدة.
ومن المهم أيضاً أن تدرك الدول العربية أن الأمن الغذائي في القرن الحادي والعشرين لا يعني بالضرورة تحقيق الاكتفاء الذاتي الكامل في جميع السلع الزراعية. ففي ظل محدودية الموارد المائية، قد يكون من الأكثر حكمة التركيز على المحاصيل ذات القيمة المضافة العالية والكفاءة المائية المرتفعة، مع تنويع مصادر الاستيراد وبناء مخزونات استراتيجية وتعزيز التكامل الغذائي العربي.
إن المنطقة العربية تمتلك فرصاً كبيرة رغم التحديات. فهي تمتلك ثروة بشرية شابة، ومؤسسات بحثية متنامية، وتجارب ناجحة في مجالات الزراعة الصحراوية والزراعة الذكية وإدارة المياه. كما أن التوسع في التمويل الأخضر والاستثمارات المستدامة يوفر فرصاً جديدة لتطوير البنية التحتية الزراعية وتعزيز الابتكار.
وفي النهاية، فإن السؤال لم يعد: كيف ننتج المزيد من الغذاء؟ بل أصبح: كيف نبني نظاماً غذائياً قادراً على الصمود في عالم تتزايد فيه الأزمات المناخية والاقتصادية والجيوسياسية؟ إن الإجابة عن هذا السؤال ستحدد مستقبل الأمن الغذائي العربي لعقود قادمة.
لقد حان الوقت للانتقال من سياسات رد الفعل إلى التخطيط الاستراتيجي طويل الأجل، ومن إدارة الأزمات إلى بناء المرونة، ومن استنزاف الموارد إلى استثمارها بحكمة. فمستقبل الزراعة العربية لن يُقاس فقط بحجم الإنتاج، بل بقدرتها على تحقيق التوازن بين الإنسان والاقتصاد والبيئة، وبين احتياجات الحاضر وحقوق الأجيال القادمة.
(*) المهندس عماد سعد:
استشاري أول في إدارة المشاريع البيئية والاستدامة والمسؤولية المجتمعية والتغير المناخي. خبير دولي ومحاضر معتمد في التنمية المستدامة، والمسؤولية المجتمعية، والإعلام البيئي. رئيس شبكة بيئة أبوظبي | مدير عام شركة نايا للاستشارات بالإمارات. (00971506979645)abudhabienv@gmail.com

بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز