شبكة بيئة ابوظبي، بقلم مصطفى بنرامل (*)، خبير بيئي، رئيس جمعية المنارات الإيكولوجية من أجل التنمية والمناخ، المملكة المغربية، 18 مايو 2026
شهد المغرب خلال شهر ماي 2026 اضطرابات جوية غير معتادة تمثلت في تساقطات مطرية قوية وثلوج همّت عدداً من المناطق الجبلية، خاصة بالأطلس المتوسط والريف، وهو ما أثار اهتمام الباحثين والمتخصصين في علوم المناخ. وقد أرجعت دراسات وتقارير مناخية حديثة هذه الظاهرة إلى تفاعل مجموعة من العوامل الدينامية والمناخية العالمية والإقليمية.
وتؤكد المعطيات الصادرة عن المديرية العامة للأرصاد الجوية بالمغرب أن شتاء 2025-2026 كان من بين أكثر الفصول رطوبة منذ سنة 1981، حيث سجلت المملكة عودة قوية للاضطرابات الأطلسية بعد سنوات من الجفاف المتواصل.
1- اضطراب التيار النفاث القطبي (Polar Jet Stream)
يُعدّ التيار النفاث القطبي (Polar Jet Stream) من أهم الأنظمة الدينامية المتحكمة في توزيع الكتل الهوائية وحركة المنخفضات الجوية في نصف الكرة الشمالي، حيث يتمثل في أحزمة ضيقة من الرياح القوية جداً التي تتحرك في الطبقات العليا من الغلاف الجوي على ارتفاع يتراوح بين 9 و12 كيلومتراً، وبسرعات قد تتجاوز أحياناً 300 كيلومتر في الساعة. وينشأ هذا التيار نتيجة التباين الحراري الكبير بين الكتل الهوائية الباردة القادمة من القطب الشمالي والكتل الدافئة القادمة من المناطق المدارية (Ahrens & Henson, 2022).
وخلال شهر ماي 2026، عرف التيار النفاث القطبي اضطرابات وتموجات حادة (Rossby Waves) أدت إلى انزياحه بشكل غير معتاد نحو الجنوب، مما سمح بتوغل هواء قطبي بارد نحو غرب البحر الأبيض المتوسط وشمال إفريقيا، بما في ذلك المغرب. وتُفسَّر هذه الظاهرة بضعف الفارق الحراري بين القطب الشمالي والعروض الوسطى نتيجة الاحترار السريع للقطب الشمالي، وهي الظاهرة المعروفة علمياً بـ “Arctic Amplification”، أي التضخم الحراري القطبي (Francis & Vavrus, 2015).
وقد أكدت دراسات مناخية حديثة أن التغيرات المناخية العالمية تؤثر بشكل مباشر على استقرار التيار النفاث، إذ يصبح أكثر تموجاً وأبطأ حركة، ما يسمح ببقاء الكتل الهوائية الباردة أو الحارة لفترات أطول فوق مناطق معينة. وهذا ما يفسر تزايد الظواهر الجوية المتطرفة وغير الاعتيادية، مثل تساقط الثلوج في أواخر الربيع أو موجات الحر المبكرة (IPCC, 2023).
وفي الحالة المغربية خلال ماي 2026، أدى هذا الانزياح إلى التقاء الهواء القطبي البارد القادم من شمال الأطلسي مع كتل هوائية رطبة ودافئة قادمة من المحيط الأطلسي وشمال غرب إفريقيا. وقد نتج عن هذا التفاعل الديناميكي تشكل منخفضات جوية نشطة وسحب ركامية كثيفة (Cumulonimbus)، تسببت في هطول أمطار رعدية قوية وتساقطات ثلجية فوق المرتفعات التي تجاوز علوها 1500 متر، خاصة بالأطلس المتوسط والريف.
كما لعبت التضاريس الجبلية المغربية دوراً مهماً في تعزيز هذه التساقطات، حيث ساهم الرفع التضاريسي (Orographic Lift) في دفع الكتل الهوائية الرطبة نحو الأعلى، مما أدى إلى تبريدها وتكاثف بخار الماء بسرعة أكبر، وبالتالي تشكل السحب وتساقط الأمطار والثلوج بكميات مهمة (Barry & Chorley, 2009).
وتشير بيانات الأقمار الصناعية والنماذج المناخية الصادرة عن المنظمة العالمية للأرصاد الجوية إلى أن سنة 2026 عرفت بالفعل اضطرابات واسعة في التيار النفاث فوق أوروبا وغرب المتوسط، وهو ما ساهم في حدوث موجات برد وتساقطات ثلجية متأخرة في عدة مناطق من العالم (WMO, 2026).
وتؤكد هذه المؤشرات العلمية أن ما شهده المغرب خلال ماي 2026 لا يُعد ظاهرة معزولة، بل يدخل ضمن سلسلة من التحولات المناخية العالمية المرتبطة بازدياد اختلال الأنظمة الجوية الكبرى تحت تأثير التغير المناخي.
2- ضعف الدوامة القطبية (Polar Vortex)
تُعتبر الدوامة القطبية (Polar Vortex) من أبرز الأنظمة الجوية المؤثرة في مناخ النصف الشمالي للكرة الأرضية، وهي عبارة عن كتلة واسعة من الرياح شديدة البرودة تدور حول القطب الشمالي في الطبقات العليا من الغلاف الجوي، خاصة في طبقة الستراتوسفير. وتعمل هذه الدوامة عادةً على حبس الهواء القطبي البارد داخل المناطق القطبية، غير أن أي ضعف أو اضطراب يصيبها يؤدي إلى تسرب هذا الهواء نحو العروض الوسطى، بما في ذلك أوروبا وشمال إفريقيا (Waugh & Polvani, 2010).
وقد أظهرت تقارير المنظمة العالمية للأرصاد الجوية أن سنة 2026 تميزت بضعف وتشوه واضح في بنية الدوامة القطبية، نتيجة اضطرابات حرارية وجوية قوية شهدتها منطقة القطب الشمالي خلال فصل الشتاء وبداية الربيع. وقد سمح هذا الضعف بنزول كتل هوائية قطبية شديدة البرودة نحو مناطق لم تعتد تسجيل درجات حرارة منخفضة خلال شهر ماي، خاصة أوروبا الغربية وغرب البحر الأبيض المتوسط وشمال إفريقيا (WMO, 2026).
ويفسر العلماء هذه الظاهرة بما يعرف باضطراب الستراتوسفير المفاجئ (Sudden Stratospheric Warming)، وهي حالة ترتفع فيها درجات حرارة الطبقات العليا للغلاف الجوي القطبي بشكل سريع وغير اعتيادي، مما يؤدي إلى إضعاف الرياح الدائرية للدوامة القطبية أو حتى انقسامها إلى أجزاء متعددة. وعندما يحدث هذا الاضطراب، يصبح الهواء البارد أكثر قدرة على التمدد جنوباً نحو خطوط العرض الوسطى (Butler et al., 2017).
وتشير الدراسات المناخية الحديثة إلى وجود علاقة متزايدة بين الاحترار العالمي وضعف استقرار الدوامة القطبية، حيث يؤدي ذوبان الجليد البحري في القطب الشمالي إلى تغير التوازن الحراري بين المناطق القطبية والعروض الوسطى، وهو ما ينعكس مباشرة على سلوك التيارات الهوائية العليا والدوامة القطبية معاً (Cohen et al., 2020).
وفي سياق الحالة الجوية بالمغرب خلال ماي 2026، ساهم هذا الاضطراب في تدفق هواء قطبي بارد نحو غرب البحر الأبيض المتوسط، ليلتقي بكتل هوائية رطبة قادمة من المحيط الأطلسي. وقد نتج عن هذا التفاعل تشكل منخفضات جوية باردة وعواصف مطرية رعدية، إضافة إلى تساقطات ثلجية متأخرة فوق المرتفعات الجبلية، خاصة بالأطلس المتوسط والكبير.
كما تؤكد النماذج المناخية الحديثة أن ضعف الدوامة القطبية لا يؤدي فقط إلى انخفاض درجات الحرارة، بل يساهم أيضاً في زيادة تطرف الظواهر الجوية، من خلال تعزيز حالات عدم الاستقرار الجوي، وإطالة مدة موجات البرد أو الأمطار الغزيرة، وهو ما أصبح يتكرر بوتيرة أكبر خلال السنوات الأخيرة بفعل التغيرات المناخية العالمية (IPCC, 2023).
وتُبرز هذه المعطيات أن التساقطات الثلجية والأمطار القوية التي عرفها المغرب في ماي 2026 لم تكن مجرد حالة طقس عابرة، بل جاءت نتيجة تفاعل معقد بين اضطرابات الدوامة القطبية، واختلال التيار النفاث، وارتفاع حدة التقلبات المناخية العالمية.
3- النشاط القوي للمنخفضات الأطلسية
ساهم النشاط غير الاعتيادي للمنخفضات الجوية الأطلسية خلال ربيع سنة 2026 في نقل كميات كبيرة من الرطوبة نحو المغرب وشمال غرب إفريقيا، حيث شهد شمال المحيط الأطلسي تغيرات ملحوظة في توزيع مراكز الضغط الجوي، خاصة بين المرتفع الآصوري والمنخفضات القادمة من العروض الشمالية. وقد أدى هذا الوضع إلى فتح ممرات جوية رطبة نحو المغرب سمحت بتوالي اضطرابات جوية قوية خلال شهري أبريل وماي 2026.
وتوضح تقارير المديرية العامة للأرصاد الجوية بالمغرب أن هذه الفترة تميزت بعودة قوية للتيارات الغربية الرطبة (Westerlies)، والتي لعبت دوراً محورياً في توجيه المنخفضات الأطلسية نحو السواحل المغربية بدل انحرافها شمالاً نحو أوروبا، كما كان يحدث خلال سنوات الجفاف السابقة (Direction Générale de la Météorologie [DGM], 2026).
ويُفسر علماء المناخ هذا النشاط الاستثنائي بوجود اختلالات في تذبذب شمال الأطلسي (North Atlantic Oscillation – NAO)، وهو مؤشر مناخي يتحكم في شدة ومسار المنخفضات الجوية فوق المحيط الأطلسي. فعندما يكون مؤشر NAO في مرحلته السلبية، يضعف المرتفع الآصوري وتتجه المنخفضات الرطبة نحو جنوب أوروبا وشمال إفريقيا، مما يؤدي إلى ارتفاع فرص التساقطات المطرية بالمغرب (Hurrell & Deser, 2010).
وخلال ربيع 2026، ساهمت هذه المنخفضات الجوية في نقل كتل هوائية مشبعة ببخار الماء من المحيط الأطلسي نحو اليابسة المغربية، حيث اصطدمت بكتل هوائية باردة قادمة من العروض العليا. وقد أدى هذا التفاعل الحراري إلى نشوء حالة قوية من عدم الاستقرار الجوي، نتج عنها تشكل سحب ركامية مزنّية كثيفة (Cumulonimbus Clouds) مسؤولة عن الأمطار الرعدية الغزيرة والبرد والعواصف المحلية.
كما لعبت التضاريس الجبلية المغربية دوراً أساسياً في تضخيم حدة التساقطات، خصوصاً في مناطق الأطلس المتوسط والكبير، إذ ساهم الرفع التضاريسي للهواء الرطب في زيادة التكاثف وتكوين الثلوج فوق المرتفعات التي تجاوزت 1500 متر. وقد سجلت عدة مناطق جبلية تساقطات ثلجية متأخرة خلال منتصف ماي 2026، وهي ظاهرة تُعتبر نادرة نسبياً في هذا التوقيت من السنة.
وفي هذا السياق، أصدرت المديرية العامة للأرصاد الجوية المغربية نشرات إنذارية برتقالية حذرت من أمطار رعدية قوية وتساقطات ثلجية ورياح عاصفية بعدد من الأقاليم الجبلية والداخلية، خاصة بإفران، بولمان، أزيلال، ميدلت والحسيمة. وتؤكد هذه الإنذارات أن شدة الاضطرابات الجوية خلال ماي 2026 تجاوزت المعدلات المناخية المعتادة لفصل الربيع بالمغرب (DGM, 2026).
وترى دراسات مناخية حديثة أن الاحترار العالمي ساهم في زيادة محتوى بخار الماء في الغلاف الجوي، حيث يستطيع الهواء الأكثر دفئاً الاحتفاظ بكميات أكبر من الرطوبة، وهو ما يؤدي إلى تضاعف شدة التساقطات عند توفر الظروف الملائمة لتشكل العواصف والمنخفضات الجوية (IPCC, 2023).
كما تشير أبحاث أخرى إلى أن منطقة البحر الأبيض المتوسط وشمال إفريقيا أصبحت من أكثر المناطق عرضة للتقلبات المناخية الحادة، حيث تتناوب فترات الجفاف الطويلة مع اضطرابات جوية قوية ومفاجئة، نتيجة اختلال التوازنات الجوية العالمية وارتفاع حرارة المحيطات (Lionello & Scarascia, 2018).
وتبرز هذه المعطيات العلمية أن الأمطار والثلوج التي عرفها المغرب خلال ماي 2026 كانت نتيجة مباشرة لنشاط استثنائي للمنخفضات الأطلسية، تفاعل مع اضطرابات التيار النفاث والدوامة القطبية، في سياق مناخ عالمي يتسم بتزايد الظواهر الجوية القصوى.
4- تأثير التغيرات المناخية العالمية في تزايد الظواهر الجوية المتطرفة
ترى العديد من الدراسات المناخية الحديثة أن التغير المناخي لا يقتصر فقط على الارتفاع التدريجي في متوسط درجات الحرارة العالمية، بل يتجاوز ذلك إلى التأثير العميق في دينامية الغلاف الجوي والمحيطات، مما يؤدي إلى زيادة حدة التقلبات الجوية وارتفاع وتيرة الظواهر المناخية القصوى، مثل موجات الحر والجفاف والعواصف الرعدية والأمطار الغزيرة والتساقطات الثلجية غير الموسمية (IPCC, 2023).
وقد بينت الأبحاث العلمية أن ارتفاع حرارة الأرض يؤدي إلى اختلال التوازنات الحرارية الكبرى التي تتحكم في حركة التيارات الهوائية والبحرية، خاصة في المناطق القطبية. ويؤدي هذا الاختلال إلى تغير سلوك الأنظمة الجوية الكبرى مثل التيار النفاث القطبي والدوامة القطبية، ما يسمح بتسرب كتل هوائية باردة نحو مناطق معتدلة أو شبه مدارية في أوقات غير معتادة من السنة (Francis & Skific, 2015).
وفي هذا السياق، أشارت دراسة علمية منشورة سنة 2025 حول تأثيرات الثلوج والجليد في نصف الكرة الشمالي إلى أن التغيرات التي تصيب الغطاء الثلجي والجليدي تؤثر مباشرة في توازن الطاقة داخل النظام المناخي العالمي. فذوبان الجليد البحري وتراجع الغطاء الثلجي يؤديان إلى انخفاض قدرة سطح الأرض على عكس الإشعاع الشمسي، وهي الظاهرة المعروفة علمياً بـ “Albedo Effect”، مما يزيد من امتصاص الحرارة ويؤدي إلى اضطراب حركة الغلاف الجوي (Nature Climate and Atmospheric Science, 2025).
كما توضح الدراسة نفسها أن تقلص الجليد القطبي يساهم في إضعاف الفارق الحراري بين القطب الشمالي والعروض الوسطى، وهو ما ينعكس على استقرار التيار النفاث، فيصبح أكثر تموجاً وبطئاً. ونتيجة لذلك، تزداد احتمالية حدوث موجات برد مفاجئة أو أمطار غزيرة وثلوج متأخرة خارج مواسمها المعتادة، كما حدث في عدة مناطق من أوروبا وشمال إفريقيا خلال ربيع 2026.
ومن جهة أخرى، تؤكد تقارير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC) أن الاحترار العالمي يؤدي إلى زيادة كمية بخار الماء في الغلاف الجوي، لأن الهواء الدافئ يمتلك قدرة أكبر على الاحتفاظ بالرطوبة. وتشير التقديرات العلمية إلى أن كل ارتفاع بدرجة مئوية واحدة في حرارة الغلاف الجوي يسمح بزيادة قدرها حوالي 7% في كمية بخار الماء، وفق قانون “كلاوزيوس-كلابيرون” (Clausius-Clapeyron Relation) (Trenberth, 2011).
وعندما تتوفر الظروف الجوية الملائمة، مثل وجود كتل هوائية باردة أو منخفضات جوية نشطة، تتحول هذه الرطوبة الإضافية إلى أمطار غزيرة أو ثلوج كثيفة تفوق المعدلات الطبيعية المعتادة. ولهذا السبب أصبحت العديد من المناطق في العالم تسجل ظواهر مناخية متناقضة، تجمع بين ارتفاع درجات الحرارة من جهة، وحدوث عواصف ثلجية أو أمطار قياسية من جهة أخرى.
وفي حالة المغرب خلال ماي 2026، ساهمت هذه التغيرات المناخية في خلق بيئة جوية غير مستقرة، حيث أدى تفاعل الهواء القطبي البارد مع الرطوبة الأطلسية المرتفعة إلى تشكل اضطرابات قوية نتجت عنها أمطار رعدية وثلوج متأخرة فوق المرتفعات. وتعتبر هذه الظواهر من المؤشرات الواضحة على تنامي تأثير التغير المناخي في منطقة البحر الأبيض المتوسط وشمال إفريقيا، التي تُصنف من بين أكثر المناطق هشاشة أمام التقلبات المناخية العالمية (Lionello & Scarascia, 2018).
وتؤكد هذه المعطيات أن الظواهر الجوية الاستثنائية لم تعد أحداثاً معزولة أو نادرة، بل أصبحت جزءاً من التحولات المناخية الكبرى التي يشهدها العالم خلال العقود الأخيرة، وهو ما يفرض ضرورة تعزيز استراتيجيات التكيف المناخي، وتطوير أنظمة الإنذار المبكر، ودعم البحث العلمي لفهم التغيرات المناخية المستقبلية.
5- مؤشرات علمية بارزة
أبرزت المعطيات المناخية المسجلة خلال سنة 2026 مجموعة من المؤشرات العلمية التي تؤكد أن الظواهر الجوية التي عرفها المغرب خلال شهر ماي لم تكن حالات معزولة، بل جاءت في سياق اضطرابات مناخية عالمية واسعة النطاق مرتبطة بتزايد تأثيرات التغير المناخي واختلال الأنظمة الجوية الكبرى.
• تسجيل تساقطات ثلجية مهمة فوق المرتفعات المغربية خلال منتصف ماي 2026
من أبرز المؤشرات المناخية غير الاعتيادية خلال هذه الفترة تسجيل تساقطات ثلجية متأخرة فوق عدد من المرتفعات المغربية، خاصة بالأطلس المتوسط والكبير والريف، في وقت يُعتبر فيه شهر ماي عادةً من الفترات الانتقالية نحو الأجواء الدافئة. وقد شملت هذه التساقطات مناطق تجاوز ارتفاعها 1500 متر، مثل إفران وميدلت وبولمان وأزيلال.
وتُظهر بيانات الأرصاد الجوية المغربية أن هذه التساقطات ارتبطت بانخفاض ملحوظ في درجات الحرارة نتيجة تدفق كتل هوائية قطبية باردة نحو المنطقة، بالتزامن مع مرور منخفضات أطلسية رطبة. ويعتبر علماء المناخ أن تسجيل الثلوج في هذه الفترة من السنة يُعد مؤشراً واضحاً على تنامي الاضطرابات الجوية المرتبطة بتغير سلوك التيار النفاث والدوامة القطبية (DGM, 2026).
• اعتبار شتاء 2025-2026 من أكثر الفصول رطوبة بالمغرب منذ أكثر من أربعة عقود
أكدت تقارير مناخية وطنية ودولية أن شتاء 2025-2026 يُصنف ضمن أكثر الفصول رطوبة بالمغرب منذ بداية الثمانينيات، بعد سنوات متتالية من الجفاف الحاد. وقد ساهمت الأمطار الغزيرة التي عرفتها عدة جهات في تحسين نسبة ملء السدود ورفع مخزون المياه السطحية والجوفية.
وترجع هذه الوضعية إلى التكرار الاستثنائي للمنخفضات الجوية الأطلسية التي حملت كميات كبيرة من الرطوبة نحو المغرب. كما ساهمت المرحلة السلبية لتذبذب شمال الأطلسي (NAO) في توجيه الاضطرابات الجوية نحو شمال إفريقيا بدل أوروبا الشمالية، وهو ما أدى إلى ارتفاع واضح في معدلات التساقطات مقارنة بالمعدلات المناخية الاعتيادية (Hurrell & Deser, 2010).
• تسجيل اضطرابات واسعة في التيار النفاث والدوامة القطبية على مستوى النصف الشمالي للكرة الأرضية
شهد النصف الشمالي للكرة الأرضية خلال سنة 2026 اضطرابات ملحوظة في الأنظمة الجوية العليا، خاصة التيار النفاث القطبي والدوامة القطبية. وقد أظهرت صور الأقمار الصناعية والنماذج المناخية انزياحات كبيرة وتموجات حادة في التيار النفاث، ما سمح بامتداد الهواء القطبي البارد نحو مناطق معتدلة وشبه مدارية.
كما سجلت الدوامة القطبية حالات ضعف وتشوه نتيجة اضطرابات حرارية في طبقة الستراتوسفير، الأمر الذي أدى إلى موجات برد وتساقطات ثلجية متأخرة في مناطق متعددة من أوروبا وآسيا وشمال إفريقيا (WMO, 2026).
ويرى الباحثون أن هذه الاضطرابات ترتبط بشكل متزايد بظاهرة التضخم الحراري القطبي (Arctic Amplification)، الناتجة عن الارتفاع السريع لدرجات الحرارة في القطب الشمالي مقارنة ببقية مناطق العالم، وهو ما يؤدي إلى اختلال التوازن الحراري العالمي وإضعاف استقرار الأنظمة الجوية العليا (Francis & Vavrus, 2015).
• تزايد الظواهر الجوية القصوى عالمياً خلال سنة 2026
تُظهر التقارير المناخية الدولية أن سنة 2026 شهدت ارتفاعاً ملحوظاً في وتيرة الظواهر الجوية القصوى عبر العالم، حيث تم تسجيل موجات حر قياسية في عدة مناطق من آسيا وأوروبا وأمريكا الشمالية، بالتزامن مع فيضانات وعواصف وتساقطات ثلجية متأخرة في مناطق أخرى.
وتؤكد الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC) أن ارتفاع حرارة الغلاف الجوي والمحيطات يؤدي إلى زيادة طاقة النظام المناخي العالمي، مما يرفع من احتمالية حدوث ظواهر مناخية متطرفة أكثر شدة وتكراراً. كما أن ارتفاع نسبة بخار الماء في الغلاف الجوي يزيد من قوة العواصف وشدة الأمطار عندما تتوفر الظروف المناسبة للتكاثف (IPCC, 2023).
وتبرز هذه المؤشرات العلمية مجتمعة أن المغرب أصبح جزءاً من منظومة مناخية عالمية تعرف تحولات متسارعة، حيث تتداخل فترات الجفاف الطويلة مع اضطرابات جوية قوية وغير معتادة، ما يفرض ضرورة تطوير سياسات التكيف المناخي وتعزيز قدرات الرصد والإنذار المبكر لمواجهة المخاطر المستقبلية.
خاتمة
تكشف الظواهر الجوية الاستثنائية التي عرفها المغرب خلال شهر ماي 2026 عن تحولات مناخية عميقة أصبحت تؤثر بشكل مباشر في التوازنات الجوية الإقليمية والعالمية. فقد أظهرت التساقطات المطرية الغزيرة والثلوج المتأخرة أن المناخ المغربي لم يعد يخضع فقط للأنماط الموسمية التقليدية، بل أصبح أكثر تأثراً باضطرابات الأنظمة الجوية الكبرى، خاصة التيار النفاث القطبي والدوامة القطبية، في ظل تصاعد تأثيرات التغير المناخي العالمي.
وقد بينت المؤشرات العلمية والدراسات المناخية الحديثة أن الاحترار العالمي يؤدي إلى اختلال الفوارق الحرارية بين القطب الشمالي والعروض الوسطى، مما يساهم في زيادة تموجات التيار النفاث وإضعاف استقرار الدوامة القطبية، وبالتالي ارتفاع احتمال تسرب الكتل الهوائية الباردة نحو مناطق جنوبية، من بينها المغرب وشمال إفريقيا. كما أن ارتفاع حرارة المحيطات والغلاف الجوي يؤدي إلى زيادة نسبة بخار الماء في الجو، وهو ما يضاعف شدة الأمطار والعواصف عندما تتوفر الظروف الملائمة لعدم الاستقرار الجوي (IPCC, 2023).
وفي هذا السياق، تؤكد الأحداث المناخية التي شهدها المغرب خلال سنة 2026 أن البلاد أصبحت أكثر عرضة للظواهر المناخية القصوى، سواء تعلق الأمر بموجات الجفاف الحادة، أو الفيضانات والأمطار الرعدية القوية، أو التساقطات الثلجية المتأخرة خارج مواسمها الاعتيادية. وتنسجم هذه التحولات مع ما تشير إليه التقارير الدولية من أن منطقة البحر الأبيض المتوسط وشمال إفريقيا تُعد من أكثر المناطق هشاشة أمام التغيرات المناخية العالمية (Lionello & Scarascia, 2018).
كما تبرز هذه التطورات الحاجة الملحة إلى تعزيز البحث العلمي في مجالات المناخ والأرصاد الجوية، وتطوير النماذج المناخية الإقليمية القادرة على فهم وتحليل التغيرات المستقبلية بشكل أدق. إضافة إلى ذلك، أصبح من الضروري تقوية أنظمة الرصد والإنذار المبكر لمواجهة المخاطر المرتبطة بالظواهر الجوية القصوى، خاصة في المناطق الجبلية والقروية الأكثر هشاشة.
ومن جهة أخرى، تفرض هذه التحديات المناخية اعتماد سياسات وطنية فعالة للتكيف المناخي، تشمل تدبير الموارد المائية بشكل مستدام، وتعزيز البنيات التحتية المقاومة للكوارث الطبيعية، وتطوير استراتيجيات للتأقلم مع التغيرات المناخية في القطاعات الحيوية كالفلاحة والطاقة والموارد الطبيعية.
وبالتالي، فإن ما شهده المغرب خلال ماي 2026 لا يمثل مجرد حالة جوية عابرة، بل يعد مؤشراً واضحاً على دخول المنطقة مرحلة مناخية جديدة تتسم بارتفاع حدة التقلبات الجوية وتزايد الظواهر المناخية القصوى، الأمر الذي يتطلب تعبئة علمية ومؤسساتية ومجتمعية شاملة لمواجهة تحديات المستقبل المناخي.
توصيات عملية
في ضوء التحولات المناخية المتسارعة التي عرفها المغرب خلال ماي 2026، وما أفرزته من تقلبات جوية غير اعتيادية، يمكن اقتراح مجموعة من التوصيات العملية التي تهم مختلف المستويات العلمية والمؤسساتية والمجتمعية، وذلك بهدف تعزيز القدرة على التكيف وتقليل المخاطر المرتبطة بالظواهر الجوية القصوى:
1- تعزيز أنظمة الرصد والإنذار المبكر
• تطوير شبكة محطات الأرصاد الجوية لتشمل بشكل أدق المناطق الجبلية والقروية المعرضة للثلوج والسيول.
• الاعتماد على تقنيات الذكاء الاصطناعي والنماذج العددية المتقدمة لتحسين دقة التنبؤات الجوية.
• تقوية نظام الإنذار المبكر ونشر التحذيرات بشكل سريع ومبسط عبر الوسائط الرقمية والهاتف المحمول.
• دعم التعاون بين المديرية العامة للأرصاد الجوية والمؤسسات البحثية الوطنية والدولية (WMO, 2026).
2- تعزيز البحث العلمي في مجال المناخ
• دعم الدراسات المتعلقة بالتيار النفاث القطبي والدوامة القطبية وتأثيرها على مناخ شمال إفريقيا.
• تشجيع الأبحاث الجامعية حول التغيرات المناخية الإقليمية بالمغرب والبحر الأبيض المتوسط.
• إنشاء قواعد بيانات مناخية وطنية مفتوحة لتسهيل تحليل الظواهر الجوية المتطرفة.
• تعزيز التعاون العلمي مع مراكز بحث دولية متخصصة في علوم الغلاف الجوي (IPCC, 2023).
3- تدبير مستدام للموارد المائية
• اعتماد سياسة مائية استباقية تأخذ بعين الاعتبار التذبذب الكبير بين فترات الجفاف والأمطار الغزيرة.
• تطوير تقنيات حصاد مياه الأمطار وتخزينها في السدود الصغيرة والمتوسطة.
• تحسين شبكات توزيع المياه للحد من الهدر وتعزيز النجاعة المائية في القطاع الفلاحي.
• تشجيع إعادة استعمال المياه العادمة المعالجة في الري والصناعة.
4- تقوية البنية التحتية لمواجهة الظواهر القصوى
• إعادة تصميم البنيات التحتية (طرق، جسور، سدود) لتكون أكثر مقاومة للفيضانات والانجرافات.
• تعزيز حماية المناطق الجبلية من مخاطر الثلوج والانهيارات الطينية.
• إدماج معايير التغير المناخي في التخطيط العمراني والتوسع الحضري.
5- التوعية والتحسيس المجتمعي
• إطلاق حملات توعية حول مخاطر التقلبات الجوية وطرق التعامل معها.
• إدماج التربية البيئية والمناخية في المناهج الدراسية.
• تشجيع المجتمع المدني على المشاركة في برامج التكيف المناخي.
6- تعزيز الحوكمة المناخية والسياسات العمومية
• وضع استراتيجية وطنية شاملة للتكيف مع التغيرات المناخية على المدى المتوسط والبعيد.
• تعزيز التنسيق بين القطاعات الحكومية (الفلاحة، الماء، التجهيز، الداخلية).
• دعم التمويل الأخضر والمشاريع المستدامة المرتبطة بالطاقة والبيئة.
• إدماج المخاطر المناخية في السياسات التنموية الوطنية.
إجمالا، إن مواجهة الظواهر المناخية المتطرفة التي أصبحت أكثر تكراراً لا تقتصر على الجانب التقني فقط، بل تتطلب مقاربة شمولية تجمع بين العلم، والسياسة، والتوعية المجتمعية، بما يضمن تعزيز صمود المغرب أمام التغيرات المناخية المستقبلية.
مراجع وهوامش
Ahrens, C. D., & Henson, R. (2022). Meteorology today: An introduction to weather, climate, and the environment (13th ed.). Cengage Learning.
Barry, R. G., & Chorley, R. J. (2009). Atmosphere, weather and climate (9th ed.). Routledge.
Butler, A. H., Domeisen, D. I. V., Simpson, I. R., & Sjoberg, J. (2017). The polar vortex and extreme weather: The beast from the east. Bulletin of the American Meteorological Society, 98(6), 119–128.
Cohen, J., Zhang, X., Francis, J., Jung, T., Kwok, R., Overland, J., … & Lee, S. (2020). Divergent consensuses on Arctic amplification influence on midlatitude severe winter weather. Nature Climate Change, 10(1), 20–29.
Direction Générale de la Météorologie (DGM). (2026). Bulletins climatiques et alertes météorologiques du printemps 2026. Rabat, Morocco.
Francis, J. A., & Vavrus, S. J. (2015). Evidence linking Arctic amplification to extreme weather in mid-latitudes. Geophysical Research Letters, 42(10), 3999–4006. https://doi.org/10.1002/2015GL063094
Francis, J. A., & Skific, N. (2015). Evidence linking rapid Arctic warming to mid-latitude weather patterns. Philosophical Transactions of the Royal Society A, 373(2045), 20140170. https://doi.org/10.1098/rsta.2014.0170
Hurrell, J. W., & Deser, C. (2010). North Atlantic climate variability: The role of the North Atlantic Oscillation. Journal of Marine Systems, 79(3–4), 231–244. https://doi.org/10.1016/j.jmarsys.2009.11.002
Hespress English. (2026, May 17). Unseasonal snow and storms sweep Morocco in mid-May weather shift. Retrieved from Hespress English
IPCC. (2023). Climate Change 2023: Synthesis Report. Intergovernmental Panel on Climate Change. Retrieved from https://www.ipcc.ch/report/ar6/syr/
Lionello, P., & Scarascia, L. (2018). The relation between climate change in the Mediterranean region and global warming. Regional Environmental Change, 18(5), 1481–1493. https://doi.org/10.1007/s10113-018-1290-1
Morocco World News. (2026, May 15). Strong winds, snowfall to hit several provinces in Morocco. Retrieved from Morocco World News
Nature Climate and Atmospheric Science. (2025). Attributing climate and weather extremes to Northern Hemisphere sea ice and snow change. Nature Climate and Atmospheric Science. https://doi.org/10.1038/s41612-025-01012-0
North Atlantic climate variability: The role of the North Atlantic Oscillation. Journal of Marine Systems, 79(3–4), 231–244. https://doi.org/10.1016/j.jmarsys.2009.11.002
Trenberth, K. E. (2011). Changes in precipitation with climate change. Climate Research, 47(1–2), 123–138. https://doi.org/10.3354/cr00953
Waugh, D. W., & Polvani, L. M. (2010). Stratospheric polar vortices. In T. Beer (Ed.), Atmospheric science across the stratopause (pp. 43–57). American Geophysical Union.
World Meteorological Organization (WMO). (2026). Extreme heat, cold, precipitation and fires mark the start of 2026. Retrieved from https://wmo.int/media/news/extreme-heat-cold-precipitation-and-fires-mark-start-of-2026
World Economic Forum. (2021, September 27). The North Atlantic jet stream could move by 2060. Retrieved from World Economic Forum
Yabiladi. (2026, March 10). The winter of 2025–2026 among Morocco’s wettest since 1981. Retrieved from Yabiladi
(*) مصطفى بنرامل
استشاري مغربي في مجالات البيئة والمناخ والتنمية المستدامة، بخبرة تفوق 25 سنة في التأطير وتطوير البرامج. حاصل على دبلوم الدراسات العليا المعمقة في المجال البيئي من جامعة ابن طفيل بالقنيطرة. حاصل على عدة شهادات متخصصة في تكوين المكونين وتدبير الكوارث من جامعات ومؤسسات دولية ووطنية مرموقة. ساهم في تصميم وتنفيذ برامج التربية البيئية والمناخية وتعزيز الوعي بالتنمية المستدامة لدى مختلف الفئات.
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز