المنزل… حيث تنمو الأوطان
شبكة بيئة ابوظبي، بقلم فيديريكو مارانغوني (*)، دبي، الإمارات العربية المتحدة، 20 مايو 2026
عندما أعلن الشيخ محمد بن زايد آل نهيان عام 2026 “عام الأسرة”، لم يكن حديثه عاماً أو إنشائياً، بل جاء محدداً وواضحاً في التأكيد على أن نمو الأسرة الإماراتية يقع في صميم هوية الدولة واستمراريتها وأمنها الوطني، وأن هذه المسؤولية مشتركة، تقع على عاتق كل قطاع ومؤسسة وكل فرد يعيش على أرض دولة الإمارات. وتحت شعار نماء وانتماء”، يمتد هذا التوجه ليشمل مختلف القطاعات الحيوية، من الرعاية الصحية والتعليم إلى الإسكان والاقتصاد، وصولاً إلى البيئة العمرانية التي تتشكل فيها الحياة اليومية للأسرة. وبالنسبة للأسر التي تربي أطفالها، فإن جودة هذه البيئة لم تعد تقتصر على الجوانب الملموسة فحسب، بل باتت تشمل أيضاً القلق المتزايد من التلوث الكهرومغناطيسي، ذلك النوع غير المرئي من التلوث الداخلي الذي يتواجد في المنازل والمدارس والأماكن التي ينشأ فيها الأطفال وينامون ويتعلمون.
لقد نجحت دولة الإمارات العربية المتحدة في بناء واحدة من أكثر المجتمعات اتصالاً وتقدماً على مستوى العالم، مدن ذكية، وبنية تحتية عالمية المستوى، والتزام راسخ بجودة الحياة، جعلها من أكثر الوجهات جذباً لتأسيس الأسر وتربيتها. وهذا الترابط ليس أمراً عابراً على الحياة الأسرية في الدولة، بل هو جزء لا يتجزأ منها، يتجلى في المستشفيات التي يولد فيها الأطفال، وفي المنازل التي ينشأون فيها، وفي دور الحضانة التي يخطون فيها خطواتهم الأولى، وفي المدارس التي يتلقون فيها تعليمهم. وخلال هذا العام، دخل المرسوم بقانون اتحادي بشأن سلامة الأطفال الرقمية حيز التنفيذ، متضمناً قيوداً على المحتوى الضار، وآليات للتحقق من العمر، وإجراءات لحماية الأطفال من مخاطر لا يدركونها. وقد شكّل ذلك نموذجاً للقيادة الاستشرافية التي تستحق الإشادة الكاملة، غير أن هذا التوجه يفتح الباب أمام تساؤل أوسع، فبعد أن تحركت الدولة لحماية ما يراه الأطفال على شاشاتهم، يبرز السؤال التالي: ماذا تفعل هذه الشاشات، والبنية التحتية غير المرئية التي تدعمها، بالبيئات المادية التي تعيش فيها الأسر وتقضي فيها المجتمعات يومها؟
هذا النقاش لا يقتصر على الأطفال وحدهم، بل يمتد ليشمل المعلم في الفصل ذاته طوال ثماني ساعات يومياً، والممرضة في جناح الولادة، وولي الأمر الذي يعمل من المنزل، والأسرة التي تنام تحت سقف تتشابك فيه الأسلاك الكهربائية التي تظل تعمل سواء كانت الأجهزة قيد التشغيل أم لا. لقد أصبحت كل مدرسة، وكل مستشفى، وكل منزل، وكل بيئة عمل في الإمارات العربية المتحدة نقطة كثيفة ضمن شبكة كهرومغناطيسية متداخلة، حيث تخترق شبكات الجيل الخامس من الخارج، وتبث شبكات الواي فاي عبر الجدران، وتعمل الأنظمة الذكية على مدار الساعة. وهكذا، بات نسيج الحياة اليومية بأكمله مدمجاً داخل هذا المشهد غير المرئي، في وقت لا يكاد فيه أحد يقيسه أو يراقب تأثيراته بشكل منهجي.
توجد بالفعل حدود تنظيمية للتعرض للمجالات الكهرومغناطيسية في الإمارات العربية المتحدة، كما هو الحال في مختلف أنحاء العالم، وهو أمر إيجابي ومطلوب. غير أن وجود حد أدنى من التنظيم لا يعادل مستوى الحماية الذي يتوقعه الناس بشكل منطقي في الأماكن التي يقضون فيها أكثر من ثماني ساعات يومياً، والتي يفترض أن تستعيد فيها أجسادهم توازنها البيولوجي، كالفصول الدراسية، وأجنحة المستشفيات، والمكاتب، وقبل ذلك كله غرف النوم. وفي مثل هذه البيئات، لا يعد رفع مستوى الحماية ترفاً، بل هو جزء من مفاهيم الصحة الأساسية، ويكتسب أهمية مضاعفة عندما يتعلق الأمر بالأطفال، الذين تعد أجسامهم في مراحل النمو أكثر عرضة للتأثر بالتعرض المستمر.
بدأت أوروبا في التعامل مع هذا التمييز بجدية. فقد صنفت منظمة الصحة العالمية المجالات الكهرومغناطيسية ذات الترددات الراديوية على أنها “قد تكون مسرطنة”. كما حظرت فرنسا استخدام شبكات الواي فاي في دور الحضانة، ما جعل باريس من بين أكثر المدن حماية في هذا المجال، فيما تسير بروكسل في الاتجاه ذاته. أما سويسرا، فقد أدرجت حدوداً احترازية للتعرض للمجالات الكهرومغناطيسية في المدارس والمستشفيات ورياض الأطفال ضمن تشريعاتها الوطنية. كما خلص البرلمان الأوروبي إلى أن الإشعاعات الراديوية شائعة الاستخدام يرجح أن تكون مسرطنة، وقد تؤثر في الخصوبة ونمو الأجنة. هذه ليست مواقف هامشية، بل استجابات مدروسة صادرة عن بعض أكثر أنظمة الصحة العامة صرامة في العالم. وجميعها تشير إلى اتجاه واحد واضح: كلما طال بقاء الإنسان في مكان ما، وكلما كان هذا المكان مخصصاً للراحة والتعافي، استحق مستوى أعلى من الحماية.
وينطبق هنا أيضاً مبدأ الوقاية الذي اعتمدته دولة الإمارات في جودة الهواء، وسلامة الغذاء، والسلامة المرورية، وحماية الأطفال رقمياً. فالمنطق واحد: عندما تشير الأدلة إلى احتمال وجود ضرر، لا ينبغي انتظار اليقين الكامل قبل التحرك. ومن هنا، فإن اللحظة الراهنة تبدو مناسبة لتوسيع نطاق هذه الجدية لتشمل البيئة الكهرومغناطيسية أيضاً.
لا يكمن الحل في التراجع عن مستوى الاتصال الذي يميز الحياة الحديثة في الإمارات العربية المتحدة، بل في تصميم المساحات التي تحتضن الحياة الأسرية بالقدر ذاته من الذكاء والعناية التي تميز كل ما تبنيه الدولة. ويكمن الحل أيضاً في “الحماية الكهرومغناطيسية”، وذلك بدمج مواد وقائية ضمن البنية الإنشائية للمباني نفسها، بدءاً من الجدران والأرضيات وصولاً إلى الأنظمة الكهربائية الكامنة خلفها، بحيث تصبح البيئة غير المرئية داخل منازلنا ومدارسنا ومستشفياتنا عاملاً داعماً لصحة من يعيشون فيها. وعندما أسستُ شركة “إي إم إف آس إس”، كان هذا هو التحدي الذي سعيت إلى حله: توفير وسيلة موثوقة ومعتمدة وقابلة للقياس تمكن المطورين والمقاولين والمؤسسات من حماية الأفراد داخل مبانيهم من التعرض غير الضروري للمجالات الكهرومغناطيسية. وقد حظي هذا التوجه باعتراف هيئة المقاييس الوطنية في سويسرا، العضو في المنظمة الدولية للمقاييس (ISO)، كما أننا متواجدون في دولة الإمارات، ومستعدون للعمل جنباً إلى جنب مع كل مؤسسة تشاركنا هذه الرؤية.
لقد أشار صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة “حفظه الله”، إلى أن نمو الأسرة واستقرارها وفاعليتها مسؤولية مشتركة وأولوية ملحة للحفاظ على استدامة المجتمع. وهكذا نقرأ هذا التوجه؛ ليس باعتباره مهمة جهة بعينها، بل التزاماً وطنياً يشمل جميع القطاعات، بما في ذلك القطاع المعني بتشييد المساحات المادية التي تتشكل فيها حياة الأسرة. فالقرارات التي تتخذ اليوم في مرحلة التصميم ستحدد ملامح البيئة الكهرومغناطيسية لآلاف الأسر لعقود مقبلة. ومن هنا، فإن إجراء تدقيق للمجالات الكهرومغناطيسية، ودمج حلول الحماية ضمن البنية الإنشائية، واعتماد معايير احترازية في المدارس والمستشفيات والمنازل، لا تُعد إضافات على “عام الأسرة”، بل هي تجسيد عملي له.
لقد علّمنا المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان أن الأسرة هي الأساس الذي تقوم عليه المجتمعات القوية. وإن بناء أساس متين يتطلب عناية فائقة في كل تفصيل، في كل مادة، وفي كل نظام، وحتى في كل بعد غير مرئي من البيئة التي نصنعها لمن نحب. فالنمو معاً يعني أن نبني معاً.
(*) فيديريكو مارانغوني
المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة إي إم إف آي إس® “EMFIS®”، الجهة العالمية الرائدة في اعتماد المباني منخفضة التعرض للمجالات الكهرومغناطيسية، والتي تأسست على أبحاث أُجريت في EPFL، وتحظى باعتراف هيئة المقاييس الوطنية في سويسرا. وقد افتتحت إي إم إف آي إس مؤخراً صالة عرضها في منطقة الخليج انطلاقاً من الإمارات العربية المتحدة.
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز