مستقبل الزراعة في ظل تغير المناخ: قراءات من خمس قارات

شبكة بيئة ابوظبي، بقلم عبد العزيز اغراز، المملكة المغربية 07 اغسطس 2025
يشكل التغير المناخي أحد أكبر التهديدات التي تواجه البشرية في العصر الحديث، وتتجلى آثاره بشكل خاص في القطاع الزراعي الذي يُعتبر الركيزة الأساسية للأمن الغذائي العالمي. فقد باتت التقلبات المناخية المتسارعة مثل موجات الحر، والجفاف الطويل، والفيضانات، والاضطرابات في أنماط الأمطار، تمثل ضغطًا شديدًا على النظم الزراعية في مختلف أنحاء العالم (IPCC, 2023). يهدف هذا المقال إلى تحليل آثار هذه الظواهر على الزراعة في خمس مناطق رئيسية: أوروبا، آسيا، أفريقيا، الأمريكتين، وأستراليا وأوقيانوسيا، مع عرض السياسات الرسمية المتبعة لمواجهتها.

أوروبا: الزراعة بين المخاطر المناخية والإصلاحات السياسية
تواجه الزراعة الأوروبية مخاطر متزايدة بفعل التغيرات المناخية، حيث تشير تقارير المفوضية الأوروبية إلى أن الخسائر السنوية للقطاع الزراعي تجاوزت 28 مليار يورو نتيجة الظواهر المناخية القاسية. كما أن تأثيرات الجفاف وموجات الحر على الإنتاج الزراعي تضاعفت ثلاث مرات خلال العقود الخمسة الماضية. استجابة لذلك، قام الاتحاد الأوروبي بتعزيز سياساته الزراعية من خلال تحديث السياسة الزراعية المشتركة، وإطلاق استراتيجية للتكيف المناخي عام 2021، تسعى إلى جعل الأنظمة الزراعية أكثر قدرة على الصمود في وجه التغيرات المناخية المتسارعة.

آسيا: أمن غذائي مهدد في ظل مناخ غير مستقر
تمثل آسيا بتركيبتها السكانية الكثيفة وسكانها المعتمدين على الزراعة بيئة خصبة لتأثر واسع بتغير المناخ. منظمة الفاو تشير إلى أن الأمن الغذائي في القارة معرض لخطر متزايد بسبب الظواهر المناخية الحادة، كما أن أكثر من 60% من السكان يعتمدون على الزراعة كمصدر رئيسي للمعيشة (البنك الآسيوي للتنمية، 2015). وتشير دراسة في جنوب شرق آسيا إلى أن 70% من المستجيبين يعانون من صعوبة في تأمين الغذاء بفعل التغير المناخي. الحكومات في المنطقة، بالتعاون مع المنظمات الدولية، بدأت تعتمد ممارسات زراعية ذكية مناخيًا تهدف إلى زيادة الإنتاج وتقليل التأثر بالمناخ، مع الحد من الانبعاثات.

أفريقيا: التحديات الأكبر وفرص التحول الزراعي
تُعد أفريقيا من أكثر القارات هشاشة في مواجهة تغير المناخ، إذ تتراوح خسائرها الاقتصادية السنوية الناتجة عن الظواهر الجوية بين 2% و5% من الناتج المحلي الإجمالي. وتعتمد غالبية سكانها على الزراعة كمصدر رئيسي للدخل والغذاء، ما يجعلها عرضة بشدة للتقلبات المناخية (WMO، 2024). تشير تقارير الفاو إلى أن الدول الأفريقية الناطقة بالفرنسية تواجه تحديات مزدوجة، الأمر الذي يتطلب تنفيذ استراتيجيات زراعة ذكية مناخيًا. من جهته، يموّل البنك الأفريقي للتنمية مشاريع رائدة في الطاقة المتجددة تخدم الزراعة، وتدعم جهود التكيف مع الأزمة المناخية.

الأمريكتان: الزراعة كمُتأثرة ومُسببة للتغير المناخي
في الولايات المتحدة، تظهر العلاقة بين الزراعة والمناخ بشكل مركّب، فالقطاع لا يواجه آثار الظواهر المناخية فحسب، بل يسهم في تفاقمها أيضًا. وتشير بيانات وزارة الزراعة الأمريكية إلى أن انبعاثات القطاع تجاوزت 663 مليون طن متري من مكافئ ثاني أكسيد الكربون عام 2022. أما في أمريكا اللاتينية، فإن حوالي 74% من دول القارة معرضة بشكل كبير للتغيرات المناخية، مما أسفر عن زيادة في نسب نقص التغذية، حيث واجه 13.8 مليون شخص أزمة غذائية حادة في 2023 (WMO، 2024). وتُبذل جهود لدمج الزراعة المستدامة ضمن السياسات، بدعم من مؤسسات دولية مثل بنك التنمية للبلدان الأمريكية.

أستراليا وأوقيانوسيا: بين الأعاصير والجفاف وتهديدات البحر
في أستراليا، تؤكد تقارير منظمة CSIRO أن استمرار ارتفاع درجات الحرارة وتراجع كميات الأمطار سيؤثر سلبًا على الإنتاج الزراعي في السنوات القادمة. وقد شرعت الحكومة في تطبيق سياسات ملزمة لتقليص الانبعاثات، حيث ألزمت كبار الملوثين بتقليل انبعاثاتهم بنسبة 5% سنويًا حتى عام 2030. أما في الدول الجزرية بأوقيانوسيا، فإن ارتفاع منسوب البحار وتزايد الأعاصير يشكلان تهديدًا مباشرًا على الموارد الطبيعية والأمن الغذائي، مما يستدعي تدخلات عاجلة وممنهجة لمواجهة هذه الظواهر.

خاتمة
تكشف التحديات المناخية العالمية عن خطر داهم يهدد القطاع الزراعي في جوهره، بما يحمله من أبعاد أمنية واقتصادية واجتماعية. وتُجمع معظم السياسات الحديثة حول العالم على أن السبيل لمواجهة هذا الخطر يبدأ بتطوير نظم زراعية أكثر مرونة، وتقديم الدعم الكافي للمزارعين، والاستثمار في الأبحاث والابتكار، إلى جانب تعزيز التعاون الدولي لتحقيق العدالة المناخية. إن التحول إلى الزراعة المستدامة لم يعد خيارًا بل ضرورة لا بديل عنها، لضمان مستقبل زراعي قادر على مواكبة التغيرات المناخية وخدمة الأجيال القادمة في عالم يتغير بوتيرة متسارعة.

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

نداء غابة البلوط الفليني من أجل حماية غابة المعمورة وتنوعها البيولوجي

• نداء مجتمعي لحماية غابة البلوط الفليني بجهة الرباط -سلا- القنيطرة • دعوة لتكثيف الجهود …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *