البيئة الزراعية
شبكة بيئة أبوظبي، إعداد عتيق القبيسي، باحث في التراث والموروث الشعبي بالإمارات، 08 أغسطس 2025
الزراعة تعتبر عصب الحياة عند كل المجتمعات، وكما قال والدنا المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان: أعطوني زراعة أضمن لكم الحضارة، فقد كان لآبائنا الأولين اهتمام خاص بالزراعة، رغم صعوبة استزراع الكثير من الأصناف ووعورة الأرض وعدم صلاحية معظم المناطق للزراعة، إلّا أنّهم نجحوا في زرع وحصد العديد من الأصناف أهمّها النخيل والمانغو والليمون ونجحوا أيضًا في بعض المناطق من زراعة الذرة والقمح وحتّى التبغ في أماكن معيّنة، وفي مجال الزراعة وبيئاتها المتنوّعة، صاغوا الأمثال والحكم، وهنا سيكون حديثنا عن بعض الأمثال التي قيلت في هذه البيئة، وهي كثيرة ومتنوّعة أيضاً، لكن سنستعرض منها بعضها.
ومن هذه الأمثال، المثل الذي يقول:
(العشب ينبت تحت لِحضار)
والحضار هو سياج من أغصان الشجر اليابسة يحيط بالمزارع قديمًا، فكان أهل المزارع في ذاك الزمان يضعونه حمايةً حول مزارعهم لألا تصل البهائم أو المواشي، التي يسمّونها (الهوش) وتدخل داخل المزارع وتخرّبها، ولأن الهوش لا تستطيع تخطّى هذا السياج، ولا أن تعبر من أسفله، فيكون العشب نابت تحته دائمًا.
يقال هذا المثل للحث على قضاء الحاجات بالكتمان، يعني لو أردت إنجاز عملٍ ما، أو تدخل في مشروعٍ ما، فلا تذع به وتنشر اخباره قبل لا تنجزه، وما دمت كاتم أمرك سيكون كتمانك هذا كالحضار، أي السياج، وأمرك أو مشروعك الذي تنوي عمله هو العشب الذي كلّما كان حضارك ثابت نبت وكبر بدون ن ينغّص عليك أحد، لهذا السبب إذا أردت أن تنصح أحدًا مقدم على مشروع معيّن، وتريده أن يصبر إلى أن تنقضي حاجته، قل له: عليك بالكتمان، (ترا العشب ينبت تحت لحضار).
ومن الأمثال التي تقال في التخلّي عن الشخص بعد أن يستفاد من خدماته، يقولون:
(فرّة الحابول في الشتا)
والحابول هو مثل الحزام مصنوع في الغالب من الحبال المجدولة من ليف النخل، يستخدمه المزارع ليتسلّق النّخل، وهذا الحابول حاجتهم له في الصيف حين يصعدون النخل، ينبتون أو يقصّون أو يخرفون (يجمعون الثمر)، لكنّه في الشتاء ما لهم به حاجة، فيرمى ولا أحد يعبّره أو يلتفت إليه.
وهذا المثل يقال حين يكون هناك شخص يقدّم خدمات ويساعد من طيب خاطر، لكنه يتعامل مع أُناس أصحاب مصالح، يستغلونه إلى أن تنقضي مصالحهم، وبعد أن قضوا حاجتهم منه تنكروا له ولا عبّروه، كأنّهم لم يكونوا يعرفونه، وأصبح في نظرهم كالحابول في وقت الشتاء، وإذا أحدهم استفسر: (شو حال فلان ويا العرب الفلانيين؟)، أي ما أخباره مع من كان يخدمهم؟ فيقولون: (فلان؟.. مسكين فرّوه فرّة الحابول في الشتا)، يعني تركوه وتنكروا له بعد أن نالوا حاجتهم ومبتغاهم منه.
أو إذا أردت أن تهدّد أحدًا من عمّالك أو أصحابك أو أحدًا من عيالك، يكون قد اقترف شيئًا سيّئًا أو سار في دربٍ عاثر، وتريده أن يعتدل ويصلح حاله ويحشم نفسه، تقول له: (يا فلان، إن ما اعتدلت ووردت عنك هالسيرة، والّا تراني بفرّك فرّة الحابول في الشتا)، هذا التهديد يدل على انّك تعز هذا الشخص وتريد له الخير، وما تريد منه أن يسير في الدروب العاثرة، وهو لأنّه يعرف معزته ومكانته عندك أكيد سيسمع كلامك وسيعتدل.
وفي التفريق بين الشيء الجيّد والشيء الرّديء، قالوا:
(البسر يتعلّق، والخشاش يطيح)
البسر كما هو معروف عند أهل الزراعة هو الرطب في بداية تكوّنه، وفي معاجم اللغة البسرة هي النبتة اوّل ظهورها، والخشاش هو نفس ثمرة الرطب لكنها لم تستوي، ويبست قبل أن تصبح بسره، ومن معاني كلمة خشاش في اللغة، الشيء الرّديء.
ويقال هذا المثل في المقارنة بين شيئين والتفضيل بينهما، فالشيء الجيّد يبقى ويثبت والناس تنتفع به، لكن الشيء الرديء سيسقط ولا أحد سيلتفت ويهتم له، أو حتّى للتفريق بين شخصين هذا نافع وهذا ضار، فيقال إذا أردت أن تعرف شخصًا فاختبره، وساعتها
(البسر يتعلّق، والخشاش يطيح).
ولأجل ترسيخ هذا المعني في أذهان الأجيال الناشئة، اخترعوا لعبة يلعبها الأطفال متماسكين ويدورون في حلقة دائريّة، ويرددون هذا المثل كإهزوجه (البسر يتعلق والخشاش يطيح) ويبقون يدورون إلى أن يسقط أحدهم، ويخرج من اللعبة، ويكملون بعده الدائرة ويستمرون على ها لحال في الدوران، ويفوز الذي يبقى ثابتًا للآخر.
وعن الشخص المتساهل والمتهاون والمفرّط في حقّه، ولا يدافع عن نفسه لو تعرّض للأذية أو التعدّي، قالوا:
(اليدار الواطي كل من يحومه)
هذا لأن اليدار (الجدار) إذا كان منخفضًا سهلٌ على الناس العبور من فوقه، والأولين شبهوا هذا الشخص بالجدار الذي يبنى حول النخل (البستان)، إن كان واطيًا كلٌّ يتخطاه، يعني يتسلقه ويدخل النخل ويأخذ ما يريد، وهو بشخصيته الضعيفة هذه يجعل النّاس تستسهل التكبر والتنمّر عليه.
فالإنسان يجب ألّا يكون ضعيفَ شخصيّةٍ لدرجة انّه يسمح للغير باستغلاله أو أكل حقوقه وهو ساكت، والواجب حين نرى شخصًا بهذه الصفة أن نحذره ونشجعه ليدافع عن نفسه، ونقول له: (لا تستوي شرا اليدار الواطي)، أي لا تكن كالجدار الواطي، وأحدهم يقول: (لا تستوي لهم شرا الطوفه الهبيطه) والمعنى واحد.
وفي الشخص دائم العثرات، الذي ما أن يخرج من مشكله إلّا ووقع في أكبر منها، قالوا:
(ظهر مِ الخَب، وطاح في الطوي)
والخَب هو الدرب المنحدر الذي يسير عليه ثور اليازرة، واليازرة معروفه عند أهل المزارع هي وسيله من وسايل الرّي، يستخدم فيها الثور يستخرجون به الماء من الطوي، وهو البئر، ويصبونه في مجارٍ مخصصةٍ تشبه الأفلاج من أجل توزيعه على الأشجار، وليسهّلوا على الثور عمليّة سحب المياه من البئر، يمهدون له دربًا منحدرًا لتساعده في عمليّة السحب، وهذا الدرب يسمونه خَب، وهذا المسكين المعثور من فرط ماهو مشئوم، أراد الخروج من الخَب فوقع في البئر.
ويقال هذا المثل للشخص الذي يكون في مشكله كبيره ويجاهد ويتعب ليتخلّص منها، وبعد ما بذل الجهد الجهيد في حلّها، لا يلبث أن يفرح بالخلاص منها، الّا ووقع في مشكله أكبر وأعقَد منها، فيقولون: مسكين، (ظهر مِ الخَب وطاح في الطوي).
وعن الطائش الذي يستهتر بعمره، وكما يقولون (مشقْي عمره) ودائمًا في مغامرات مخيفه وطائشة: يقولون.
(العمر مب عود جت، تحشّه وينبت)
وعود الجت هو عود البرسيم الذي نعلف به المواشي، وهو من النباتات التي تقص وتنبت أكثر من مرّه، مادامت عروقه في الأرض يعود لينبت من جديد كلّما قصصته.
ويقال هذا المثل لهذا الشخص الذي دائمًا يرمي نفسه للتهلكه، وخصوصاً الشباب اللذين نطلب الله أن يهديهم ويصلح حالهم، كم منهم فقدوا حياتهم وأحزنوا أهلهم بسبب هذا الغرور وعدم الاكتراث بعواقب مغامراتهم الطائشة، وللأسف لا يتعضون من اللذين راحوا قبلهم، منهم من فارق الدنيا، يرحمهم الله ويغفر لهم ويصبر أهلهم ويعظم اجرهم، ومنهم من هو عايش كسيح عاجز عن الحركه، وقلوب أهلهم تحترق كلّما يرونهم على هذا الحال.
فالواجب منكم يا أبنائنا إن لم تأبهوا بأعماركم، فأبهوا بأحوال ومشاعر أهلكم، جنّبوهم حرقة قلوبهم عليكم لو أصابكم مكروه لا سمح الله، فلا يتعب الوالد ويكدّر حياته شي أكثر من فقد الولد لا سمح الله، أو أن يصيبه أي مكروه مهما كان حتى لو جرح بسيط.
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز