هل نصلح بالبيولوجيا التركيبية ما أفسده الدهر؟
شبكة بيئة ابوظبي، د. طارق قابيل (*)، القاهرة، جمهورية مصر العربية 09 فبراير 2026
في زمن تتسارع فيه نبضات الأرض، وتُخيم غيوم الانقراض على أفق التنوع البيولوجي، يرتفع في قلب الصحراء، حيث كانت الروايات تحكي عن سرابٍ لا ينتهي، صرح يمتد جسراً بين الأسطورة والمستقبل. في دبي، المدينة التي لا تعرف المستحيل، تتجلى رؤية “سفينة نوح” العصرية، لا بقطعٍ من الخشب ولا بأزواجٍ من كل ذي روحٍ تسعى، بل بومضاتٍ من الكود الجيني، وعبقريةٍ بشريةٍ تتحدى القدر. وفي وقتٍ يئنُّ فيه كوكبنا تحت وطأة “الاعتقال الحراري” وتسارع وتيرة الانقراض السادس، وتآكل التنوع الحيوي بمعدلات لم يسبق لها مثيل في التاريخ البشري، تأتي المبادرات العلمية الكبرى لتعيد صياغة علاقتنا بالطبيعة. وما أعلنته دولة الإمارات العربية المتحدة مؤخراً خلال قمة الحكومات العالمية 2026، بالتعاون مع شركة “كولوسال بيوساينسز” ليس مجرد صفقة تقنية بمليارات الدولارات، بل هو إعلان عن تدشين “عصر الحفظ الجيني الاستباقي” من خلال إنشاء أول مستودع حيوي عالمي في قلب دبي. وجاء مختبر دبي العالمي ليملأ هذه الفجوة، محولاً المنطقة من “ناقلة للعلم” إلى “مختبر عالمي”. إنها ليست مجرد اتفاقيةٍ ماديةٍ، بل هي قصيدة تكتبها التكنولوجيا، وسيمفونية تعزفها البيولوجيا، تَعِدُ بأن تُعيد للحياة ما كادت أن تخسره، وبأن تُرسم الفجر من جديد على ملامح كائناتٍ ظنناها غابت إلى الأبد. إنها لحظةٌ تاريخية تُعيد تعريف العلاقة بين الإنسان وكوكبه، مُعلنةً أن الرحمة بالبيئة ليست خياراً، بل هي جوهر بقائنا.
المستودعات الحيوية: بنوك للأمان لا للأموال
إن المفهوم الذي تنطلق منه هذه المبادرة يتجاوز فكرة “المتاحف” التقليدية التي تعرض بقايا الكائنات، إلى فكرة “البنوك الحيوية” التي تنبض بالحياة في صورة شفرات وراثية مخزنة في درجات حرارة فائقة البرودة. هذا المختبر العالمي الذي سيستقر في “متحف المستقبل” بدبي، يهدف إلى حفظ المواد الوراثية لأكثر من10,000 نوع حيواني، مع تركيز خاص على المئة نوع الأكثر تهديداً بالانقراض عالمياً ومحلياً.
نحن هنا نتحدث عن “سفينة نوح” عصرية، لا تعتمد على الأخشاب والمجاذيف، بل على النيتروجين السائل وتقنيات التسلسل الجيني. إنها محاولة جادة لخلق “نسخة احتياطية” من الحياة على الأرض، لضمان استعادة النظم البيئية المنهارة في حال وقوع كوارث بيئية كبرى أو أزمات مناخية حادة.
من الحفظ إلى “إعادة الإحياء”: فجر التكنولوجيا الحيوية
تكتسب هذه الشراكة أهمية خاصة من خلال ارتباطها بمشاريع “إعادة الأنواع المنقرضة” ، إن استثمار الإمارات في تقنيات “كولوسال بيوساينسز” يضع المنطقة العربية في طليعة الدول التي تستخدم الهندسة الوراثية المتقدمة، مثل أداة “كريسبر” التي تعمل كمقص جيني دقيق- ليس فقط لعلاج الأمراض البشرية، بل لترميم التصدعات في جدار الطبيعة.
إن الحديث عن إعادة الماموث الصوفي أو نمر تسمانيا للوجود ليس ضرباً من الخيال العلمي، بل هو تطبيق عملي لعلوم البيولوجيا التركيبية، والهدف هنا ليس الترف العلمي أو التباهي التقني، بل إعادة هذه الكائنات إلى بيئاتها الأصلية لتقوم بدورها “المهندس البيئي” الذي فُقد بفقدانها؛ فالماموث مثلاً يلعب دوراً حيوياً في الحفاظ على التندرا القطبية ومنع انبعاث غازات الدفيئة من التربة الصقيعية.
دبي.. ريادة استراتيجية في الأمن الحيوي
بصفتي أكاديمياً يتابع التحولات العلمية في منطقتنا، أرى أن اختيار دبي لتكون مقراً لهذا المستودع العالمي يعزز من مكانتها كمركز ثقل للعلم والابتكار. فبينما يركز قبو “سفالبارد” الشهير في النرويج على البذور النباتية، يسد مختبر دبي ثغرة كبرى في حفظ الأصول الوراثية الحيوانية. هذا المشروع يمثل “تأميناً بيولوجياً” للأجيال القادمة، ويؤكد أن الاستدامة في فكر القيادة الإماراتية ليست مجرد شعارات، بل هي استثمار في أدق تفاصيل الحياة: “الحمض النووي”.
إن هذه المبادرة تفتح أبواباً جديدة أمام الباحثين العرب والشباب للانخراط في علوم المستقبل، وتجعل من “المواطن” شريكاً في هذه الرحلة من خلال برامج “المواطن العالم” التي سيوفرها المختبر، مما يرفع الوعي الصحي والبيئي لدى الجمهور العام ويحفز الأجيال الناشئة على دراسة العلوم الحيوية.
الفرص اللوجستية والتقنية المتاحة للباحثين
هناك العديد من المزايا التقنية التي يمكن أن تقدم فائدة للباحث العربي مثل التسلسل الجيني فائق السرعة، ويساعد في إنهاء أبحاث الدكتوراه التي تتطلب قراءة الحمض النووي في في وقت قياسي وبدقة متناهية. والمستودعات المبردة (Cryogenic Storage) التي توفر عينات مرجعية عالمية دون الحاجة للسفر إلى مختبرات أوروبا أو أمريكا. وبرامج التمويل المشترك، وإمكانية الحصول على منح بحثية مدعومة من استثمارات الـ 60 مليون دولار المخصصة للمشروع.
المسارات البحثية المقترحة لطلاب الدراسات العليا
1. المعلوماتية الحيوية والبيانات الضخمة (Bioinformatics & Big Data)
مع وجود ملايين العينات الوراثية، سيكون هناك احتياج هائل لباحثين متخصصين في:
• تحليل الجينوم المقارن: دراسة الفروق الجينية بين الأنواع المنقرضة وأقاربها الأحياء.
• خوارزميات التنبؤ: استخدام الذكاء الاصطناعي للتنبؤ بكيفية استجابة الجينات المعدلة للظروف المناخية القاسية في المنطقة العربية.
2. تقنيات التعديل الجيني المستدام (Advanced CRISPR Applications)
لن يقتصر البحث على “إحياء الماموث”، بل سيمتد ليشمل:
• تحسين السلالات المحلية: دراسة جينات الحيوانات القادرة على تحمل الجفاف والحرارة العالية (مثل المها العربي والجمال) ونقل هذه الصفات لتعزيز الأمن الغذائي.
• العلاج الجيني الحيواني: تطوير تقنيات لحماية الأنواع المهددة من الأوبئة الفيروسية المستجدة.
3. أخلاقيات البيولوجيا والتشريعات العلمية (Bioethics)
هذا المسار حيوي لطلاب كليات الحقوق والعلوم معاً:
• دراسة الضوابط الشرعية والقانونية لعمليات “إعادة الإحياء” (De-extinction).
• وضع ميثاق عربي لأمن المعلومات الوراثية لضمان عدم استغلال الشفرات الوراثية للأنواع المحلية تجارياً بشكل غير عادل.
“المواطن العالم ” ونقل المعرفة
سيفتح المختبر باباً لما يعرف بـ “الزمالات البحثية الصناعية”؛ حيث لن يكتفي طالب الدكتوراه بالنشر في المجلات العلمية، بل سيعمل جنباً إلى جنب مع علماء الشركة لتحويل بحثه إلى “بروتوكول عملي” يطبق في الميدان. وفي واقع الأمر فأن وجود هذا المختبر في دبي سيقلل من ظاهرة (هجرة العقول)، حيث سيجد الباحث المتميز في علوم الجينات بيئة تفوق في إمكانياتها ما قد يجده في هارفارد أو أوكسفورد، وبنكهة عربية طموحة.”
توصيات للجامعات العربية
لاستغلال هذه الفرصة التاريخية، نقترح:
1. استحداث دبلومات مهنية: في تخصص “إدارة البنوك الحيوية”.
2. اتفاقيات التبادل: عقد شراكات بين الجامعات (مثل جامعة الإمارات، جامعة خليفة، وجامعة القاهرة، وجامعة الملك سعود) ومختبر دبي لتبادل العينات والبيانات.
3. المؤتمرات الدورية: تنظيم مؤتمر سنوي في “متحف المستقبل” يعرض فيه الباحثون الشباب نتائج أبحاثهم المعتمدة على عينات المستودع.
نحو ميثاق عالمي للحياة
إننا أمام لحظة فارقة في تاريخ الحفاظ على البيئة؛ فالعلم الذي كان يُستخدم أحياناً لتدمير الطبيعة، هو نفسه الذي يقدم لنا اليوم طوق النجاة. إن “سفينة نوح الجينية” في دبي هي رسالة أمل من المنطقة العربية إلى العالم أجمع: أننا قادرون على تطويع التكنولوجيا لحماية إرث الأرض، وأن المستقبل ينتمي لأولئك الذين يجرؤون على الحلم بالعودة إلى توازن الطبيعة المفقود.
إن الحفاظ على التنوع البيولوجي هو حفظ لهويتنا الكوكبية، وضمان لأن تظل الأرض وطناً قابلاً للحياة. ومن هنا، من قلب الإمارات، يبدأ فصل جديد في قصة بقاء الأنواع، حيث تلتقي الأصالة في الحفاظ على الموارد مع المعاصرة في أدق تجليات العلم.
لطالما عانى الباحث العربي في مجالات البيولوجيا الجزيئية من نقص الإمكانيات؛ فبينما يمتلك العقل، كانت تنقصه الأجهزة الفائقة وسلاسل البيانات الضخمة.
إننا أمام “منجم ذهب” علمي. إن دعوة دبي للعلماء هي دعوة للاستثمار في العقل البشري. يا شباب الباحثين، إن الشفرة الوراثية التي كانت لغزاً بالأمس، أصبحت اليوم كتاباً مفتوحاً في دبي، بانتظار من يقرأ ومن يحلل ومن يبدع.
عهدٌ جديد من الأمل والمسؤولية
لقد تجاوز مشروع “سفينة نوح الجينية” في دبي حدود المبادرات العلمية المحلية ليصبح منارة عالمية للوعي البيئي والتقدم التكنولوجي. إن هذه الشراكة بين الإمارات وشركة “كولوسال بيوساينسز” لا تُقدم مجرد مستودعٍ للمواد الوراثية، بل تُرسّخ نموذجاً رائداً في إدارة الأزمات البيئية العالمية والتصدي لتحديات التغير المناخي والانقراض. لقد أثبتت دبي مجدداً أن الريادة لا تقتصر على الاقتصاد والتطوير العمراني، بل تمتد لتشمل حماية أغلى ما يملك الكوكب: تنوعه البيولوجي. هذا المشروع يمثل دعوةً صريحةً للمجتمع الدولي للتعاون والتكاتف، مُذكراً إيانا بأن مصير الحياة على الأرض هو مسؤوليتنا المشتركة. إنه عهدٌ جديدٌ يُعاد فيه كتابة قصة البقاء، ليس باليأس والقلق، بل بالأمل والعلم والمسؤولية المتجددة نحو كل كائنٍ يشاركنا هذا الكوكب، لضمان مستقبلٍ أكثر ازدهاراً واستدامة للأجيال القادمة.
هاشتاجات:
#سفينة_نوح_المستقبل – #دبي_تحمي_الحياة – #البيولوجيا_التركيبية – #إحياء_الأنواع – #التنوع_البيولوجي_مستقبلنا #متحف_المستقبل – #الإمارات_والابتكار – #جيل_للمستقبل_أخضر – #علم_من_أجل_الحياة – #خطة_باء_للأرض – #التغير_المناخي – #الابتكار_الأخضر – #البيئة – #الاستدامة – #شبكة_بيئة_أبوظبي – #العالم_المصري – #الدكتور_طارق_قابيل.
***
الكاتب: د. طارق قابيل
– أكاديمي، خبير التقنية الحيوية، كاتب ومحرر ومترجم علمي، ومستشار في الصحافة العلمية والتواصل العلمي.
– أستاذ جامعي متفرغ، وعضو هيئة التدريس بقسم التقنية الحيوية – كلية العلوم – جامعة القاهرة.
– مقرر لجنة الآداب والفنون والعلوم الاجتماعية والثقافة العلمية والدراسات الاستراتيجية ومؤشرات العلوم والتكنولوجي، وزميل أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، وزارة التعليم العالي – مصر.
– أمين مجلس بحوث الثقافة والمعرفة، أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، وزارة التعليم العالي – مصر.
– الباحث الرئيسي لمشروع خارطة طريق “مستقبل التواصل العلمي في مصر ودوره في الاعلام العلمي”، أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، مصر.
– السفير الإقليمي للاقتصاد الدائري والمواد المستدامة لمنظمة “سستينابلتي جلوبال” (Sustainability Global)، فينا، النمسا.
– عضو المجموعة الاستشارية العربية للعلوم والتكنولوجيا، التابعة للمكتب الإقليمي للأمم المتحدة للحد من مخاطر الكوارث للدول العربية.
https://orcid.org/0000-0002-2213-8911
http://scholar.cu.edu.eg/tkapiel
tkapiel@sci.cu.edu.eg
![]()
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز