اللغة الملونة

شبكة بيئة ابوظبي، بقلم الدكتور علي عبد القادر الحمادي، باحث في السياسات اللغوية، الإمارات العربية المتحدة، 17 يناير 2026
منذ وقت مبكر، لم يتعامل الإنسان مع اللغة بوصفها نظامًا محايدًا من الأصوات والدلالات، بل ألبسها ألوانًا تعبّر عن مزاجه النفسي ورؤيته للعالم وموقفه من الوجود. فكما تُرى الأشياء بالألوان، تُقال أيضًا بلغة ملوّنة، تحمل في نبرتها وإيقاعها ما يتجاوز المعنى المباشر إلى الإحساس والانطباع أو بتعبير اللغويين: الإيحاء والدلالة والبلاغة.

سمعت منظِّرًا ثقافيًّا يقول: “الخطاب الثقافي حين يستسلم للتشاؤم ينتج لغة سوداوية تُعيد إنتاج الهزيمة بدل مساءلتها”.، وسمعت تربويًّا حكيما يدرب معلِّميه وينصح: ” اللغة التعليمية الناجحة هي لغة بيضاء، واضحة، خالية من الزوائد البلاغية التي تُربك المتعلم”. وقرأت في مقال فلسفي: “تلجأ السلطة أحيانًا إلى لغة رمادية، لا تقول كل شيء ولا تنفيه، حفاظًا على هامش المناورة”، وشاهدت محللًا سياسيا وهو يدافع عن فكرته قائلًا: ” حين يتحول الخطاب السياسي إلى لغة حمراء، يصبح التحريض بديلاً عن الحجة”.

لقد درج الخطاب العربي الحديث، نقديًا وإعلاميًا، على توصيف اللغة بألوانها، فصارت اللغة سوداء حين تُثقل المعنى بالتشاؤم، وبيضاء حين تتوسل البساطة والوضوح، ورمادية حين تلوذ بالغموض، وحمراء حين تُشحن بالانفعال والتحريض. إن توصيف اللغة استعمال تداولي موثّق في النقد الأدبي، والتحليل السياسي، والكتابة الإعلامية، ويقوم على استعارة مفهومية تربط اللون بالحالة النفسية والموقف الخطابي.

مخطئ من يظن أن هذا الإسقاط اللوني على اللغة ترفٌ بلاغيّ، إنه ممارسة ثقافية عميقة الجذور، تعكس وعي الإنسان بأن اللغة وسيط شعوري وأخلاقي يؤثر في المتلقي كما تؤثر الألوان في النفس. فاللغة السوداوية، على سبيل المثال، لا تكتفي بنقل واقع قاتم، بل تسهم في إعادة إنتاجه ذهنيًا ونفسيًا، بينما تسعى اللغة البيضاء إلى تخفيف العبء الإدراكي عن القارئ، عبر الوضوح، والاقتصاد، والبعد عن التعقيد الاصطلاحي أو التراكيب الملتبسة.

وأوكد أن إسقاط اللون على اللغة أو النص ممارسة نقدية راسخة، فقد عرف النقد العربي أوصافًا مثل القصيدة البيضاء للدلالة على الصفاء والاقتصاد، والقصيدة السوداء للدلالة على القتامة الوجودية. كما أن الخطاب الإعلامي يوصف بالصُّفرة حين يفتقد المسؤولية، فيقال: “صحافة صفراء” وتوصف بعض المؤلفات بالصفراء نقدًا وتقليلا من قيمتها العلمية، في حروب ثقافية بين التيارات الفكرية.

والسؤال الذي أسعى في تكوينه بعد هذه الجولة في ألوان اللغة. أين موقع اللون الأخضر في اللغة؟ ومتى تكون اللغة خضراء؟ لا بد أن يكون للون الأخضر مكان في حلقات العلاقة بين اللون واللغة، بين الدلالة والإحساس، وبين الخطاب والواقع. وهذا حديث آخر.

Loading

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

اللغة الخضراء

شبكة بيئة ابوظبي، بقلم الدكتور علي عبد القادر الحمادي، باحث في السياسات اللغوية، الإمارات العربية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *