شبكة بيئة ابوظبي، بقلم عبد العزيز اغراز، المملكة المغربية، 09 أغسطس 2025
1.مقدمة: تصاعد الهجرة المناخية في إفريقيا
شهدت القارة الإفريقية خلال الفترة ما بين عامي 2020 و2025 تصاعدًا ملحوظًا في ظاهرة الهجرة الناتجة عن التغيرات المناخية، مثل الجفاف الشديد، الفيضانات المدمرة، الارتفاع المطرد في درجات الحرارة، وتقلص المسطحات المائية الحيوية، أصبحت سببا رئيسيًا للنزوح السكاني داخل القارة وخارجها. لم تعد الهجرة المناخية مجرد تهديد مستقبلي، بل أصبحت واقعًا ملموسًا يؤثر على حياة الملايين.
تؤكد الإحصائيات الصادرة عن المؤسسات الدولية حجم هذه الأزمة المتفاقمة. فحسب المركز الدولي لمراقبة النزوح الداخلي (IDMC)، شهدت حالات النزوح المناخي ارتفاعًا هائلاً، حيث زادت من 1.1 مليون شخص في عام 2009 إلى 6.3 مليون شخص بحلول عام 2023، وهو ما يمثل زيادة تسعة أضعاف. وقد شكلت الفيضانات ما يقرب من 75% من هذه الحالات في عام 2023، بينما ساهم الجفاف بنحو 11%.
وفي سياق متصل، حذر تقرير Groundswell Africa الصادر عن البنك الدولي في عام 2021 من أن حوالي 86 مليون أفريقي قد يضطرون إلى الهجرة داخل بلدانهم بحلول عام 2050 إذا لم تُتخذ إجراءات عاجلة، ويتوقع التقرير أن يصل عدد النازحين داخليًا في غرب إفريقيا إلى 32 مليون شخص، وفي حوض بحيرة فيكتوريا إلى 38.5 مليون شخص، هذه الأرقام تؤكد الضرورة الملحة للتعامل مع التحديات المناخية والهجرة المرتبطة بها بشكل استراتيجي ومستدام.
2. أزمات مناخية محددة وتأثيرها على الهجرة
تتعدد الأزمات المناخية التي تضرب القارة الإفريقية، وتتنوع آثارها على أنماط الهجرة والنزوح:
أ. الفيضانات المدمرة والجفاف الشديد
تُعد الفيضانات والجفاف من أبرز الظواهر المناخية التي تدفع بالنزوح في إفريقيا، ففي جنوب السودان، شهد عام 2024 فيضانات غير مسبوقة ناجمة عن هطولات مطرية غزيرة وارتفاع منسوب بحيرة فيكتوريا، مما أثر بشكل مباشر على 735 ألف شخص وتسبب في نزوح 65 ألفًا منهم، لا سيما في مناطق مثل واراب وجونقلي، ويرجح بعض الباحثين أن هذه الفيضانات قد تمثل أولى حالات النزوح الجماعي الدائم الناجمة مباشرة عن تغير المناخ.
وفي غرب ووسط إفريقيا، شهدت المنطقة نسخًا متكررة من الفيضانات في عام 2024، مما أدى إلى نزوح أكثر من 1.2 مليون شخص، مقارنة بـ 624 ألفًا في العام السابق، وفقًا لمنظمة الهجرة الدولية (IOM) وفي هذا الصدد، صرح السيد ليوناردو سانتوس سيمو، الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة ورئيس مكتب الأمم المتحدة لغرب إفريقيا والساحل، بأن “الواقع الذي نواجهه اليوم صارخ، فتغير المناخ ليس تهديدًا بعيدًا، بل تحدٍ متصاعد يفاقم أوجه الضعف ويخلق أوجه ضعف جديدة” . وأضاف أن “الظواهر الجوية المتطرفة، والجفاف المطول، وارتفاع مستويات سطح البحر في غرب ووسط إفريقيا تؤدي إلى نزوح مجتمعات بأكملها وتفاقم التنافس على الموارد الشحيحة”.
بشكل عام، أجبرت الفيضانات وموجات الحر والجفاف حوالي 700 ألف شخص على النزوح في أنحاء إفريقيا خلال عام 2024، بحسب المنظمة العالمية للأرصاد الجوية (WMO) ، وقد شهد شمال نيجيريا وحده نزوح 600 ألف شخص بسبب الفيضانات المدمرة.
ب. تقلص المسطحات المائية وخطر الأزمات الأمنية
يؤدي تقلص المسطحات المائية إلى تفاقم الأزمات الإنسانية والأمنية، فبحيرة تشاد، على سبيل المثال، تقلصت بنسبة 90% خلال العقود الماضية، مما أدى إلى تدهور سبل العيش المعتمدة على الصيد والزراعة وتربية الماشية، وبحلول عام 2023، تسببت هذه الأزمة في نزوح حوالي 3 ملايين شخص وحاجة إنسانية لنحو 11 مليونًا، إلى جانب تصاعد الصراع على الموارد.
كما أن زحف الصحاري يمثل تهديدًا آخر، ففي موريتانيا، تتعرض مدينة شنقيط التاريخية لخطر الانجراف بفعل رمال الصحراء المتوغلة بسبب انخفاض هطول الأمطار وتراجع الغطاء النباتي.
ت. التحديات الاجتماعية والحياة في المدن
تؤدي التغيرات المناخية إلى تحديات اجتماعية كبيرة، لا سيما في المناطق الحضرية، في جنوب إفريقيا، مثل التحول إلى تربية الماعز بدلًا من الأبقار مؤشرًا واضحًا على التكيف مع الجفاف المتزايد، إلا أن ذلك دفع بالعديد من السكان إلى الهجرة نحو المدن الكبرى مثل جوهانسبرغ، مما زاد من حدة الاكتظاظ والضغط على الخدمات الأساسية .
وفي غانا، قلص الجفاف ومستوى المياه المنخفض في الرافدين الزراعة المطرية، التي يعتمد عليها 45% من القوى العاملة، مما زاد من الهجرة إلى العاصمة أكرا، وظهرت تجمعات عشوائية معرضة لخطر السيول.
ث. الآثار النفسية والإنسانية المستمرة
بالإضافة إلى الخسائر المادية والبشرية، تترك الكوارث المناخية آثارًا نفسية عميقة على المتضررين، ففي تنزانيا وبروندي وكينيا، أدت الفيضانات إلى نزوح مئات الآلاف وتسببت بخسائر مادية ووفيات، ورغم ذلك، تشكل الصدمة النفسية أحد أبرز التحديات غير المعالجة، مع ندرة الدراسات والموارد المتاحة في هذا الصدد.
3. الهجرة كآلية للتكيف: بين الإرادة والضغط
توضح البيانات أن الهجرة قد تكون أداة تكيف فعالة لبعض المجتمعات، لكنها ليست متاحة للجميع، يؤكد تقرير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC) لعام 2022 أن الهجرة الريفية إلى المدن تتزايد نتيجة لتراجع فرص الزراعة والمراعي، فلكل انخفاض بنسبة 1% في هطول الأمطار دون المتوسط طويل الأمد، يرتفع معدل التمدن بنحو 0.45%..
ومع ذلك، فإن هذا النمط ليس عامًا، ففي كثير من الأحيان، لا تمتلك العائلات الأكثر فقرًا الموارد الكافية للهجرة، فتضطر للبقاء في ما يعرف بـ “مصائد عدم الحركة المناخية” (climate immobility traps)، حيث تكون مجبرة على البقاء رغم المخاطر المتزايدة.
4. الإجراءات الرسمية وإطار الاستجابة للمشكلة
تتخذ المؤسسات الدولية والإقليمية والمحلية خطوات جادة لمواجهة تحديات الهجرة المناخية:
أ. مبادرات جماعية وإقليمية
في عام 2023، دعت منظمة الهجرة الدولية (IOM) إلى ضرورة معالجة الروابط بين التغير المناخي والحركة البشرية خلال قمة إفريقيا للمناخ، وقد تم إطلاق إعلان KDMECC-AFRICA (الإعلان الوزاري القاري حول البيئة والمناخ والهجرة) كإطار عملي لتعاطي الدول الإفريقية مع حركة السكان بسبب التغير المناخي.
وفي عام 2024، نظمت منظمة الهجرة الدولية ورشة عمل في غرب ووسط إفريقيا لدمج قضايا الهجرة البشرية والمناخ ضمن خطط التكيف الوطنية (NAPs) والمساهمات المحددة وطنيًا (NDCs) .
ب. مؤسسات إفريقية لتعزيز التكيف وتقليل النزوح
أُنشئت الهيئة الإفريقية للقدرة على المخاطر (African Risk Capacity – ARC) لتزويد الدول الإفريقية بالأدوات اللازمة لإدارة الكوارث المناخية، بما في ذلك الإنذار المبكر، تخفيف المخاطر، وتعزيز القدرة على الصمود، بهدف تقليل الحاجة إلى النزوح.
ت. التزامات اقتصادية وتأثيرها المحتمل
وفقًا لتقرير Groundswell Africa للبنك الدولي، يمكن أن تسهم الاستثمارات في القدرات المناخية – مثل البنية التحتية الخضراء، التعليم، الصحة، الاقتصاد الرقمي، وتمكين النساء – في خفض حجم النزوح المناخي الداخلي بنسبة تصل إلى 60% في غرب إفريقيا و30% في حوض فيكتوري.
5. خلاصة واستشراف المستقبل
خلال السنوات الخمس الماضية، شهدت إفريقيا تصاعدًا خطيرًا في الهجرة بسبب التغيرات المناخية، مع تأثيرات واضحة عبر الفيضانات، الجفاف، تقلص المسطحات المائية، وارتفاع درجات الحرارة، لقد أصبح التهجير ظاهرة جارية، وليس مجرد تهديد مستقبلي.
ورغم ذلك، ثمة جهود رسمية ملموسة، سواء على المستوى الدولي، القاري، أو الوطني، تهدف إلى إدراج قضايا التنقل المتصل بالمناخ ضمن سياسات التكيف، وتعزيز قدرات الدول على التكيف، وتقليص النزوح.
تستدعي الحلول المستقبلية:
تعزيز تمويل التكيف المناخي والبنية التحتية المقاومة للكوارث.
إدراج الهجرة كآلية تكيف إيجابية ضمن البرامج التنموية.
دعم المنظمات المحلية لتقديم خدمات الصحة النفسية للفئات المتضررة.
توسيع مداخيل الأسر الريفية وتنويع مصادر سد احتياجاتها.
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز