ضمن سلسلة مقالات ثقافية علمية عن البيوتكنولوجيا الزراعية (7)
شبكة بيئة أبو ظبي، بقلم الدكتور قاسم زكي (*)، جامعة المنيا، جمهورية مصر العربية، 5 أغسطس 2025م
في زمنٍ تتصاعد فيه التحديات الزراعية، من تفشي الآفات وتقلص الأراضي الخصبة إلى تقلبات المناخ وندرة المياه، برزت الهندسة الوراثية كحليف استراتيجي لتحقيق الأمن الغذائي. ومن أبرز ثمارها، جاءت محاصيل “Bt” كمثال رائد للتقنية التي مكّنت النباتات من الدفاع عن نفسها دون الحاجة إلى تدخلات كيماوية مكثفة.
ما هي محاصيل Bt؟
Bt هو اختصار للبكتيريا Bacillus thuringiensis، وهي كائن حي طبيعي ينتج بروتينات بلورية تُعرف بـ”Cry proteins”، لها القدرة على قتل أنواع معينة من اليرقات الحشرية، خاصة تلك التي تصيب المحاصيل الزراعية مثل الفراشات والعث. قام العلماء بإدخال الجينات المسؤولة عن إنتاج هذه البروتينات إلى الحمض النووي لبعض المحاصيل، مما مكّنها من إنتاج المادة السامة داخليًا، وبالتالي تحصين نفسها ضد هجوم الآفات.
الميزة الكبرى لهذه التقنية تكمن في انتقائيتها: فهي تهاجم فقط الحشرات التي تمتلك مستقبلات خاصة في أمعائها، دون أن تؤثر على البشر أو الكائنات غير المستهدفة مثل النحل والطيور. وهو ما يجعلها خيارًا بيئيًا أكثر أمانًا من المبيدات الكيميائية التقليدية.
لماذا تحظى باهتمام عالمي؟
محاصيل Bt تمثل تحولًا جذريًا في إدارة الآفات الزراعية. بدلًا من رشّ المبيدات مرارًا وتكرارًا، تقوم النباتات بمهمة الحماية ذاتيًا. وقد أدى هذا إلى انخفاض كبير في استخدام المبيدات في بعض الدول، إلى جانب زيادة الإنتاجية وتحسن جودة المحاصيل. في الهند على سبيل المثال، أحدث قطن Bt ثورة في إنتاجية الفلاحين، رغم بقاء الجدل قائمًا حول تأثيراته الاقتصادية والاجتماعية.
منذ دخولها حيز الزراعة التجارية في التسعينيات، انتشرت محاصيل Bt في الولايات المتحدة، الصين، البرازيل، الأرجنتين، والهند، خاصة في الذرة والقطن وفول الصويا. وتُزرع اليوم على ملايين الهكتارات حول العالم.
الفوائد… والتحديات
تشير الدراسات إلى أن محاصيل Bt ساهمت في تقليل تلوث المياه والتربة، وخفض تكاليف الإنتاج والعمالة، وزيادة دخل المزارعين. لكنها ليست خالية من التحديات:
• مقاومة الحشرات: مع مرور الوقت، قد تطور بعض الحشرات مقاومة لبروتين Bt، ما يستدعي تطبيق إستراتيجيات زراعية ذكية، مثل زراعة “ملاذات آمنة” من المحاصيل غير المعدلة لتأخير ظهور المقاومة.
• الاحتكار التجاري: تعتمد معظم بذور Bt على براءات اختراع مملوكة لشركات عالمية، مما يثير مخاوف تتعلق بسيادة الدول النامية على مواردها الزراعية.
• التنوع البيولوجي: رغم انتقائية البروتين، إلا أن هناك قلقًا من تأثيرات غير مباشرة على الحشرات النافعة أو البيئة المحيطة.
ماذا عن العالم العربي؟
رغم أن دولًا مثل مصر والسودان أجرت تجارب محدودة على محاصيل Bt، فإن استخدامها التجاري لا يزال محدودًا. في مصر، زُرعت الذرة Bt (عجيب YG) بمساحات متواضعة، وفي السودان جُرب قطن Bt منذ العام 2012م ومع ذلك، يظل الجدل قائمًا حول السلامة الحيوية، والجدوى الاقتصادية، والتأثيرات طويلة الأمد.
غياب السياسات الموحدة، وضعف التوعية المجتمعية، ومحدودية الدراسات المحلية، كلها عوامل تعوق تبني هذه التكنولوجيا في المنطقة العربية، رغم حاجتها الماسة إليها لمواجهة الاستيراد، وتقليل خسائر الآفات، وتحقيق الاكتفاء الذاتي.
التحدي الأخلاقي والسياسي
لا تكمن القضية فقط في الفعالية العلمية، بل في طبيعة العلاقة بين التكنولوجيا والسلطة. هل يمكن اعتماد هذه التقنيات ضمن إطار من الشفافية والعدالة؟ أم أنها ستظل حكرًا في يد الشركات الكبرى التي تتحكم في بذور الغذاء العالمي؟
كما أن القبول المجتمعي يبقى حجر الزاوية في نجاح هذه المحاصيل. فالمستهلكون بحاجة إلى معلومات واضحة، والمزارعون يحتاجون إلى تدريب وثقة، والمؤسسات بحاجة إلى تشريعات مرنة وفعالة.
نحو استخدام مسؤول
إذا كانت محاصيل Bt قد أثبتت نجاحها العلمي، فإن مستقبلها يعتمد على كيفية إدماجها في منظومة زراعية مستدامة تراعي الخصوصيات البيئية والاجتماعية لكل بلد. ويقترح العلماء حلولًا مثل:
• استخدام إستراتيجية “الملاذ المرجعي” لتقليل ظهور المقاومة.
• تبني برامج وطنية للرقابة والتقييم البيئي.
• دعم البحث المحلي لتطوير أصناف Bt محلية.
• ضمان حقوق المزارعين في الوصول العادل للبذور.
الخلاصة:
محاصيل Bt ليست مجرد أداة بيولوجية ضد الآفات، بل هي نموذج معقد لعلاقة ثلاثية بين العلم والبيئة والسيادة. إن استخدامها بوعي وضمن إطار متكامل من التشريع والتثقيف والرقابة قد يجعلها ركيزة في تحقيق الأمن الغذائي. أما تركها للجدل دون حسم علمي وطني، فقد يضيع على الدول فرصة تاريخية لتحسين إنتاجها الزراعي بوسائل أكثر أمانًا وكفاءة.
(*) دكتور قاسم زكي
أستاذ الوراثة المتفرغ بكلية الزراعة، جامعة المنيا؛ ورئيس اللجنة الوطنية للعلوم الوراثية بأكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، والرئيس الأسبق للجمعية الأفريقية لعلوم المحاصيل، وأحد مؤسسي المجلس العالمي للنبات (GPC)؛ عضو اتحاد كتاب مصر، وعضو اتحاد الآثاريين المصريين، وعضو الرابطة العربية للإعلاميين العلميين.
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز