“كيف كتبت ناسا فصلاً جديدًا في علم الوراثة عبر التوأمين كيلي”
سلسلة «خواطر وراثية، الحلقة رقم (34)
شبكة بيئة أبوظبي، بقلم الدكتور قاسم زكي (*)، جامعة المنيا، جمهورية مصر العربية 10 مايو 2026
في عامٍ من أعوام القرن الحادي والعشرين، عاش توأمان متطابقان تجربتين متناقضتين: الأول ظلّ على الأرض، والثاني حلق في الفضاء لعامٍ كامل. لكن المفاجأة لم تكن في المسافة بينهما، بل في الجينات التي بدأت تتكلم بلغةٍ جديدة… لغة الكون.
إنها حكاية مارك وسكوت كيلي، التوأمين الأمريكيين اللذين تحولا من رواد فضاء إلى رواد علم الوراثة الفضائية، حين قررت وكالة ناسا أن تستخدم تشابههما الجيني لإجراء تجربة فريدة من نوعها: كيف يتغير الإنسان حين يغادر كوكبه الأم؟
وحكاية توأمي ناسا “مارك كيلي” (Mark Kelly) و”سكوت كيلي” (Scott Kelly) من أكثر القصص العلمية إثارة في تاريخ علم الفضاء والوراثة الحديثة، لأنها جمعت بين رحلة بشرية في الفضاء وتجربة جينية فريدة غيّرت نظرتنا إلى الإنسان خارج الأرض. والتوأمان كيلي هما توأمان أمريكيان متطابقان وُلدَا عام 1964م، وكلاهما أصبح رائد فضاء في وكالة ناسا NASA، ولهما خلفية عسكرية كقائدين لطائرات مقاتلة في البحرية الأمريكية.
بداية الفكرة… تجربة لا تتكرر
منذ فجر رحلات الفضاء، تساءل العلماء: ما الذي يحدث لجسم الإنسان حين يعيش أشهرًا في بيئةٍ بلا جاذبية؟
لكن هذه المرة، قررت ناسا أن تذهب أبعد من ذلك. فبدلاً من الاكتفاء بقياس ضغط الدم والنبض، قررت أن تقرأ الجينات نفسها، وتقارن بين توأمين متطابقين وراثيًا — أحدهما يعيش في المدار، والآخر في المختبر الأرضي.
في مارس 2015م، انطلق سكوت كيلي إلى محطة الفضاء الدولية، بينما بقي مارك كيلي تؤامه على الأرض. عامٌ كامل من الفاصل بين الجاذبية والعدم، بين الغلاف الجوي والإشعاع الكوني، بين الزمن البشري والزمن الكوني.
من المعروف أن محطة الفضاء الدولية (International Space Station – ISS) هي مختبر علمي مأهول يدور حول الأرض على ارتفاع يقارب 400 كيلومتر، بسرعة تزيد على 27 ألف كيلومتر في الساعة، أي أنها تكمل دورة كاملة حول الأرض كل 90 دقيقة تقريبًا. بدأ بناؤها عام 1998م، وما زالت تعمل حتى اليوم بتعاونٍ دولي غير مسبوق:
الجينات التي تأثرت بالفضاء
حين عاد سكوت إلى الأرض عام 2016م، كان العلماء في انتظار جيناته أكثر من جسده. فقد أظهرت التحاليل أن أكثر من 7% من جيناته تغيّر نشاطها أثناء وجوده في الفضاء، خاصة تلك المرتبطة بالمناعة والتمثيل الغذائي والعظام وإصلاح الحمض النووي. بمعنى آخر، بدأت خلاياه “تتصرف” وكأنها في كوكب جديد.
والأعجب من ذلك أن التيلوميرات، الأغطية الواقية في أطراف الكروموسومات والتي تقصر عادة مع العمر أصبحت أطول في الفضاء! لكنها تقلصت بسرعة بعد عودته إلى الأرض، في ظاهرة حيّرت العلماء وأعادت صياغة فهمهم لآليات الشيخوخة.
الجاذبية تغيّر حتى الدماغ
لم تتوقف المفاجآت عند الجينات. فالمسح الإشعاعي للدماغ أظهر تغيّرًا في شكل الأوعية والمناطق المسؤولة عن التوازن والإدراك المكاني، كما تغيرت بكتيريا الأمعاء والمناعة ووظائف القلب. أما مارك، الذي بقي على الأرض، فكان مرجعًا بيولوجيًا لكل مقارنة. هكذا وُلدت أول دراسة حقيقية حول “الإنسان المزدوج” نصفه في الفضاء ونصفه على الأرض.
بين التكيّف والتحوّل
أراد العلماء أن يعرفوا: هل هذه التغييرات مؤقتة أم دائمة؟
الجواب جاء مزيجًا بين الاثنين. فعند عودة سكوت، عاد معظم نشاط جيناته إلى حالته الطبيعية خلال شهور، لكن بعضها لم يعد كما كان، ما يشير إلى أن الفضاء يترك بصمة جينية دائمة، كأن الجينوم البشري يسجّل تجربته الكونية بنفسه.
ومن هنا وُلد مصطلح جديد في ناسا: “الوراثة في بيئة خارج الأرض” (Exo-Genomics) أي دراسة الجينات في ظروف كونية لا تشبه الأرض.
الإنسان بين الكواكب
تجربة التوأمين كيلي لم تكن مجرد إنجاز علمي، بل بروفة مصغّرة لمستقبل البشرية في الفضاء. فحين نحلم بالعيش على المريخ أو الكواكب الأخرى، علينا أن ندرك أن أجسادنا ليست مهيّأة بعد. سنحتاج إلى تعديل جيني يساعدنا على تحمّل الإشعاع، وانعدام الجاذبية، ونقص الأوكسجين. وبذلك يتحول الإنسان من كائن أرضي إلى كائن متعدد الكواكب، يحمل جيناته كجواز سفرٍ بيولوجي بين العوالم.
العلم والإنسانية وجهان لتجربة واحدة
بعد انتهاء التجربة، قال سكوت كيلي جملةً اختصرت كل الفلسفة: “حين تنظر إلى الأرض من الفضاء، تدرك كم نحن صغار… وكم نحن متشابهون رغم اختلافاتنا.” لقد أثبتت التجربة أن الجينات ليست جامدة، بل تتنفس معنا، تتأثر وتتكيف وتكتب تاريخها مع كل خطوة نخطوها. فالفضاء لم يغيّر سكوت كيلي فقط، بل غيّر نظرتنا إلى معنى الإنسان نفسه: كائن قادر على النجاة في أقسى البيئات، يحمل في داخله مرونة الخلق وعبقرية التكيف.
هكذا تحوّلت رحلة التوأمين كيلي من مهمة فضائية إلى ملحمة وراثية. فقد كتب أحدهما تاريخه في المختبر، والآخر في المدار، لكن سطر النهاية جاء واحدًا: أن الإنسان، أينما ذهب، سيحمل معه جيناته الباحثة عن البقاء. وفي كل خليةٍ منه، سيبقى صوت الأرض يقول: “حتى لو سكنتَ المريخ… فإن جذورك في الجينوم ما زالت من ترابها.”
(*) دكتور قاسم زكي
أستاذ الوراثة المتفرغ بكلية الزراعة، جامعة المنيا؛ ورئيس اللجنة الوطنية للعلوم الوراثية بأكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، والرئيس الأسبق للجمعية الأفريقية لعلوم المحاصيل، وأحد مؤسسي المجلس العالمي للنبات (GPC)؛ عضو اتحاد كتاب مصر، وعضو اتحاد الآثاريين المصريين، وعضو الرابطة العربية للإعلاميين العلميين
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز