رؤية علمية في تداعيات استهداف البنية التحتية وأثرها على استدامة الحياة
شبكة بيئة ابوظبي، د. طارق قابيل (*)، القاهرة، جمهورية مصر العربية 22 مارس 2026
لا يمكن قراءة المشهد العالمي الراهن في ربيع عام 2026 إلا من خلال عدسة “الترابط العضوي” بين الطاقة والحياة. إن ما يشهده القطاع الطاقي اليوم ليس مجرد أزمة عابرة في الأسعار، بل هو زلزال بنيوي ضرب “النظام البيئي” للصناعة العالمية. لقد تحولت الطاقة من محرك للنمو إلى سلاح ذو حدين، حيث أدى تعطيل الإمدادات في منطقة الخليج العربي إلى كشف هشاشة الاعتماد العالمي على مصادر الطاقة التقليدية في المناطق الساخنة جيوسياسياً. نحن أمام اضطراب وصفته وكالة الطاقة الدولية بأنه الأشد قسوة في التاريخ، متجاوزاً بآثاره العلمية والبيئية صدمات القرن الماضي، بما في ذلك أزمة عام 1973.
حقل “الشمال/ بارس الجنوبي” ونظرية تدمير الأصول الحيوية
يعتبر حقل الغاز المشترك بين قطر وإيران أضخم مكمن للغاز الطبيعي غير المصاحب في كوكب الأرض. من الناحية الجيولوجية والتقنية، فإن استهداف منصات الاستخراج في هذا الحقل يمثل كارثة تتجاوز الخسائر المالية.
إن منشآت الغاز الطبيعي المسال ليست مجرد أنابيب، بل هي وحدات معالجة فائقة التعقيد تعمل تحت ضغوط ودرجات حرارة منخفضة جداً. تشير التقارير الهندسية إلى أن الأضرار التي لحقت بمجمع “رأس لفان” وبنية حقل “بارس الجنوبي” تتطلب تكنولوجيا دقيقة وسنوات من العمل المستمر لإعادة التأهيل، مما يعني فقدان نحو 3% من إمدادات الغاز العالمية لفترة قد تصل إلى خمس سنوات. واستهداف هذه المنشآت يؤدي إلى انبعاثات ضخمة من غاز الميثان، وهو غاز دفيئة أقوى بمرات عديدة من ثاني أكسيد الكربون، مما يجهض الجهود الدولية الرامية للحد من الاحتباس الحراري.
مضيق هرمز.. الشريان الحيوي ونظرية “عنق الزجاجة”
يمر عبر مضيق هرمز ما يقرب من 20% من استهلاك النفط والغاز العالمي. علمياً، تكمن خطورة إغلاق هذا الممر في كونه لا يمتلك بدائل اقتصادية مكافئة. وأدى تعطل حركة الناقلات العملاقة إلى فقدان فوري لنحو 400 مليون برميل من الإمدادات العالمية. هذا النقص الحاد لم يؤثر فقط على وقود السيارات، بل طال “وقود الطائرات” الذي سجل مستويات سعرية غير مسبوقة، مما أدى إلى شلل في حركة النقل الجوي واللوجستي العالمي.
عندما تقفز أسعار النفط لتتجاوز 160 دولاراً للبرميل، فإن ذلك يترجم فوراً إلى زيادة في تكلفة كافة العمليات الصناعية التي تعتمد على المشتقات البترولية.
أزمة الأسمدة.. الارتباط الوثيق بين الطاقة والأمن الغذائي
هذا هو الجانب الأكثر خطورة في الأزمة الحالية، والذي غالباً ما يغيب عن التحليلات السطحية،حيث يعتمد إنتاج الأسمدة (مثل اليوريا) بشكل أساسي على الغاز الطبيعي كمادة خام ومصدر للطاقة في عملية “هابر-بوش” الكيميائية. مع توقف إمدادات الغاز وارتفاع أسعارها بنسبة تزيد عن 40%، توقفت مصانع الأسمدة في آسيا وأوروبا. ويقدر خبراء منظمة الأغذية والزراعة – الفاو أن نصف الغذاء في العالم يُنتج باستخدام الأسمدة الكيميائية. إن نقص هذه المواد يعني انخفاضاً حاداً في غلة المحاصيل الاستراتيجية كالقمح والذرة، مما ينذر بمجاعة عالمية تلوح في الأفق إذا لم يتم تدارك الأمر.
وبصفتي أستاذاً للتقنية الحيوية، أرى أن هذا هو الجانب الأكثر إثارة للقلق. هناك علاقة طردية بين سعر المليون وحدة حرارية من الغاز وبين سعر طن الغاز النيتروجيني (اليوريا).
• كيمياء “هابر-بوش” والغاز الطبيعي: يعتمد إنتاج الأسمدة النيتروجينية بشكل أساسي على الغاز الطبيعي لإنتاج الهيدروجين اللازم لتثبيت النيتروجين الجوي. مع توقف إمدادات الغاز وارتفاع أسعارها بنسبة تزيد عن 40%، أصبح إنتاج الأسمدة غير مجدٍ اقتصادياً لكثير من المصانع.
• تهديد الإنتاجية الزراعية العالمية: يقدر خبراء منظمة الأغذية والزراعة – الفاو أن نصف الغذاء في العالم يُنتج باستخدام الأسمدة الكيميائية. إن نقص هذه المواد يعني انخفاضاً حاداً في غلة المحاصيل الاستراتيجية. نحن نتحدث عن انخفاض متوقع في إنتاج القمح والذرة بنسبة قد تصل إلى 20% في الموسم القادم، مما ينذر بمجاعة عالمية.
الحلول التقنية والوراثية.. خارطة طريق للمستقبل
في ظل هذه الأزمة، يجب أن تتدخل العلوم المتقدمة لإيجاد مخارج مستدامة:
1. استنباط سلالات “قليلة الشراهة” للنيتروجين: من خلال هندسة الجينات، يمكننا تطوير نباتات تتميز بكفاءة عالية في استخدام النيتروجين. هذا سيقلل من حاجة المزارعين للأسمدة الكيميائية الغالية.
2. الأسمدة الحيوية: استخدام البكتيريا المثبتة للنيتروجين (مثل الريزوبيوم) كبديل حيوي لليوريا. تعزيز هذه الكائنات تقنياً يمكن أن يعوض جزءاً كبيراً من النقص في الأسمدة الكيميائية.
3. الهيدروجين الأخضر كمادة خام: يجب الانتقال من استخدام الغاز الطبيعي إلى الهيدروجين المنتج من الطاقة الشمسية في صناعة الأسمدة، لفك الارتباط التاريخي بين الغذاء والوقود الأحفوري.
علم إدارة الطلب
في ظل غياب العرض، لا يبقى أمام العالم سوى “إدارة الطلب”. لقد رأينا دولاً مثل بريطانيا وتايلاند وبنجلاديش تفرض إجراءات تقشفية قاسية. خفض حدود السرعة، العمل من المنزل، وتعليق الرحلات الجوية ليست مجرد قرارات إدارية، بل هي تطبيقات قسرية لنظريات “الحفاظ على الطاقة”. ويؤدي ارتفاع أسعار الوقود إلى تضخم جامح يقلل من القوة الشرائية للأفراد، مما يغير من الأنماط الاستهلاكية للمجتمعات، ويدفعها نحو نماذج معيشية أكثر بساطة وتقشفاً.
جيوبوليتيك الطاقة الجديدة.. الدروس المستفادة والبدائل العلمية المتاحة
تؤكد لنا هذه الأزمة أن “أمن الطاقة” هو وجه آخر لـ “السيادة الوطنية”. ومن منظور التقنية الحيوية والاستدامة، نرى الآتي:
1. ضرورة فك الارتباط: يجب على العالم العربي وبقية دول العالم تسريع وتيرة التحول نحو الطاقة المتجددة (الشمسية والرياح) لتقليل الاعتماد على المناطق المضطربة.
2. إدارة الطلب والوعي المجتمعي: إن الإجراءات التقشفية التي رأيناها في بريطانيا وبنجلاديش يجب أن تتحول إلى “ثقافة استدامة” دائمة وليس فقط كاستجابة للأزمة.
3. الاستثمار في الهيدروجين الأخضر: كبديل نظيف ومستدام يمكن إنتاجه محلياً دون الحاجة لخطوط أنابيب عابرة للحدود أو مضايق بحرية مهددة.
4. تطوير تقنيات التخزين: إن بناء مخزونات استراتيجية من الطاقة والغاز المسال لم يعد رفاهية، بل هو صمام أمان لمواجهة مثل هذه الهزات العنيفة.
نحو وعي كوني بأهمية الاستدامة
إن “زلزال الطاقة” الذي نعيشه في 2026 هو جرس إنذار لكل من يعتقد أن الحضارة الحديثة محصنة ضد الانهيار. إن الحل لا يكمن في العودة إلى الماضي، بل في القفز نحو المستقبل عبر العلم والابتكار. إن حماية كوكبنا وضمان لقمة العيش لمليارات البشر تتطلب منا تغليب لغة العلم والعقل على لغة الصراع.
إن الترابط المعقد بين الطاقة، والغذاء، والبيئة يفرض علينا كعلماء وباحثين وصناع قرار أن نعيد التفكير في نماذجنا التنموية. إن الحل لا يكمن فقط في زيادة الإنتاج، بل في ترشيد الاستهلاك، وتنويع المصادر، وتغليب الحوار العلمي على لغة المدافع. إن حماية كوكبنا وضمان عيش كريم للأجيال القادمة يبدأ من فهمنا العميق لضرورة استقرار نظم الطاقة العالمية. وندعو الجميع لتكاثف الجهود البحثية العربية لإنتاج تقنياتنا الخاصة، لضمان ألا يظل مستقبلنا رهيناً لشحنة غاز أو ناقلة نفط.
هاشتاجات:
#أمن_الطاقة – #أزمة_الغاز_العالمية – #تحلية_المياه – #الغاز_الطبيعي_المسال – #الأمن_الغذائي – #أزمة_الأسمدة – #صناعة_اليوريا – #الزراعة_المستدامة – #تثبيت_النيتروجين – #المجاعة_العالمية – #سيادة_الغذاء– #التقنية_الحيوية –#الهندسة_الوراثية – #الأسمدة_الحيوية – #كفاءة_استخدام_النيتروجين – #البحث_العلمي_العربي – #الهيدروجين_الأخضر –#دراسات_مستقبلية – #فلسفة_العلوم – #الثقافة_العلمية – #الوعي_البيئي – #البيئة – #شبكة_بيئة_أبوظبي – #العالم_المصري – #الدكتور_طارق_قابيل.
الكاتب: د. طارق قابيل
– أكاديمي، خبير التقنية الحيوية، كاتب ومحرر ومترجم علمي، ومستشار في الصحافة العلمية والتواصل العلمي.
– أستاذ جامعي متفرغ، وعضو هيئة التدريس بقسم التقنية الحيوية – كلية العلوم – جامعة القاهرة.
– مقرر لجنة الآداب والفنون والعلوم الاجتماعية والثقافة العلمية والدراسات الاستراتيجية ومؤشرات العلوم والتكنولوجي، وزميل أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، وزارة التعليم العالي – مصر.
– أمين مجلس بحوث الثقافة والمعرفة، أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، وزارة التعليم العالي – مصر.
– الباحث الرئيسي لمشروع خارطة طريق “مستقبل التواصل العلمي في مصر ودوره في الاعلام العلمي”، أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، مصر.
– السفير الإقليمي للاقتصاد الدائري والمواد المستدامة لمنظمة “سستينابلتي جلوبال” (Sustainability Global)، فينا، النمسا.
– عضو المجموعة الاستشارية العربية للعلوم والتكنولوجيا، التابعة للمكتب الإقليمي للأمم المتحدة للحد من مخاطر الكوارث للدول العربية.
https://orcid.org/0000-0002-2213-8911
http://scholar.cu.edu.eg/tkapiel
tkapiel@sci.cu.edu.eg
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز