حوار خاص مع غوي النكت، الجزء الأول (01) 05 أغسطس 2025
غوى النكت لـ”شبكة بيئة أبوظبي”:
• رأي محكمة العدل الدولية لحظة فارقة في تاريخ القوانين المناخية العالمية
• من قلب المحيط إلى أروقة لاهاي… المجتمعات المتضررة تنتزع اعترافًا قانونيًا بحقها في بيئة آمنة
في لحظة مفصلية من التاريخ المناخي العالمي، وبينما تتجه أنظار الشعوب نحو العدالة المناخية كحق إنساني غير قابل للتفاوض، أجرت “شبكة بيئة أبوظبي” حوارًا خاصًا مع السيدة غوى النكت، المديرة التنفيذية لمنظمة غرينبيس الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، تناولت فيه تداعيات رأي محكمة العدل الدولية المرتقب حول التزامات الدول في مواجهة حالة الطوارئ المناخية، والدور المحوري الذي لعبته المنظمة في إدراج أصوات المجتمعات المتضررة ضمن الملف المقدم للمحكمة.
في هذا الحوار، تكشف النكت عن أبعاد غير مسبوقة للقرار المرتقب، من الناحية القانونية والسياسية والأخلاقية، خصوصًا بالنسبة للمنطقة العربية التي تقف في الصفوف الأمامية لمواجهة تداعيات تغيّر المناخ، دون أن تكون مساهمًا رئيسيًا في أسبابه. كما تسلط الضوء على رحلة سفينة “راينبو ووريور”، التي حملت قصص المجتمعات المهددة بالغرق والنزوح، وقدّمتها بصوتٍ إنساني قوي أمام أرفع هيئة قضائية في العالم.
بين السياسة والقانون، وبين الحراك الشعبي والمرافعة القضائية، يقدّم هذا الحوار قراءة معمّقة لفرصة تاريخية قد تعيد صياغة العلاقة بين الدول والبيئة، وتُمهّد الطريق نحو مساءلة قانونية عادلة لكبار الملوّثين في هذا الكوكب.
المحور الأول: حول قرار محكمة العدل الدولية
السؤال الأول: ما أهمية الرأي الاستشاري الذي ستصدره محكمة العدل الدولية بشأن التزامات الدول في مواجهة حالة الطوارئ المناخية؟
الجواب:
محكمة العدل الدولية هي الجهاز القضائي الرئيسي للأمم المتحدة. وبينما تختص هذه المحكمة عادةً بتسوية النزاعات بين الدول، يسمح لها اختصاصها الاستشاري بتقديم تفسيرات قانونية عندما تطلبها هيئات أو وكالات الأمم المتحدة. وعلى الرغم من أنّ هذه الآراء الاستشارية ليست مُلزِمة قانونًا، إلا أنها تُعدّ ذات أهمّية كبيرة. فهي تساعد في توضيح القانون الدولي وتؤثر في تصرفات الدول، ولا سيما في معالجة القضايا العالمية المعقدة. لذلك، تأتي أهمية هذا القرار باعتبار أنّ أعلى محكمة في العالم تصدر لأوّل مرة رأياً استشارياً تاريخياً يحدّد التزامات الدول في مواجهة حالة الطوارئ المناخية. ويقدّم قرار محكمة العدل الدولية حماية غير مسبوقة تُعزّز من مسؤوليات الدول بموجب القانون الدولي، متجاوزًا ما ورد في اتفاق باريس، من خلال إدراج التزامات إضافية رئيسية، أبرزها واجب منع الأضرار البيئية الجسيمة وضرورة التعاون الدولي. يُلزم قرار المحكمة الدول بتنظيم وضبط أنشطة الشركات بما يمنع الأضرار الناجمة عن انبعاثاتها، بغضّ النظر عن مكان وقوع الضرر. والأهم من ذلك، أنّ المحكمة اعتبرت الحق في بيئة نظيفة وصحية ومستدامة حقًا أساسيًا تُبنى عليها جميع حقوق الإنسان الأخرى. وأكّدت أيضًا أنّ مبدأ العدالة بين الأجيال يجب أن يُوجِّه تفسير جميع الالتزامات المناخية.
بالتالي، تُقدِّم محكمة العدل الدولية الآن فرصةً تاريخية لتغيير مسار العدالة المناخية. فمن خلال رأيها الاستشاري، تُحدِث المحكمة تحوّلًا جذريًا في الطريقة التي ننظر بها إلى قضية العمل المناخي – ليسَ كعملٍ خيري، بل كواجبٍ قانوني وأخلاقي مُلزِم في إطار القانون الدولي.
السؤال الثاني: كيف يمكن أن يؤثر هذا القرار على السياسات المناخية للدول، خاصة في منطقتنا العربية؟
الجواب:
يشكّل قرار محكمة العدل الدولية تحوّلًا تاريخيًا في مسار السياسات المناخية العالمية، ويُعطي دفعًا غير مسبوق لمنطقتنا العربية في معركتها من أجل العدالة المناخية. فلم يعد العمل المناخي مسألة طوعية أو خاضعة لحسابات سياسية ضيّقة، بل أصبح التزامًا قانونيًا ملزمًا، تُحاسَب الدول بموجبه إذا قصّرت في حماية المناخ، أو تسبّبت في أضرار بيئية عابرة للحدود. للمرة الأولى، حدّدت المحكمة بوضوح أن الوقود الأحفوري – الفحم والنفط والغاز – هو السبب الجذري لأزمة المناخ، وأكدت على ضرورة وقف دعمه واستخراجه واستخدامه. كما حمّلت الحكومات مسؤولية قانونية مباشرة عن تنظيم انبعاثات الشركات العاملة داخل أراضيها، حتى لو أدت هذه الانبعاثات إلى أضرار مناخية خارج الحدود.
هذا التطوّر يمهّد الطريق لمساءلة قانونية حقيقية للمُلوّثين، ويمنح المجتمعات المتضرّرة، وخاصة في منطقتنا، الحق في المطالبة بتعويضات عادلة عن الخسائر والأضرار التي تكبدتها بسبب أزمة لم تكن مسؤولة عن صنعها. وفي حال تقاعست الدول عن تنفيذ هذه الالتزامات، فإنها تخضع للمساءلة بموجب القانون الدولي، وقد تُلزم بوقف السلوك غير المشروع، وضمان عدم تكراره، وتعويض المتضررين بالكامل، بحسب ما تقتضيه كل حالة.
بالتالي، تُقدِّم محكمة العدل الدولية الآن فرصةً تاريخية لتغيير مسار العدالة المناخية. فمن خلال رأيها الاستشاري، تُحدِث المحكمة تحوّلًا جذريًا في الطريقة التي ننظر بها إلى قضية العمل المناخي – ليسَ كعملٍ خيري، بل كواجبٍ قانوني وأخلاقي مُلزِم في إطار القانون الدولي. وبالنسبة لدول منطقتنا، التي تُعد من أكثر مناطق العالم تأثرًا بتغيّر المناخ، يمثّل هذا القرار فرصة تاريخية لتعزيز موقعها القانوني والدبلوماسي في المطالبة بالعدالة المناخية وتحميل كبار الملوّثين المسؤولية عن كل ما تسببوا به من خسائر وأضرار.
وقد شهدنا بالفعل مواقف قيادية في مجال الدفاع عن العدالة المناخية، منها المداخلة التي أدلت بها مصر في كانون الأوّل/ديسمبر أمام محكمة العدل الدولية. إذ تُشكِّل نموذجًا عن القيادة المبنيّة على القِيَم في الدفاع عن العدالة المناخية – انطلاقًا من مبادئ القانون الدولي، ولا سيّما قاعدة “عدم الإضرار” التي تُلزِم الدول بالوقاية من مخاطر الأضرار البيئية التي قد تلحق ببلدان أخرى، والحدّ منها وضبطها، إلى جانب مبدأ “المسؤوليات المشتركة وإنْ كانت متباينة” للدفع باتّجاه استجابة أكثر عدلًا وإنصافًا. وفي مواجهة محاولات بعض الدول الغنية لتقليص نطاق الرأي الاستشاري إلى أسئلة تقنية ضيقة، دافعت مصر عن رؤية أوسع قائمة على العدالة – رؤيةٌ تُطالِب بالمساءلة والتعويض والحماية للمجتمعات الأكثر تضرُّرًا من تغيُّر المناخ.
إذاً، يشكّل هذا القرار دفعة تاريخية نحو تحقيق العدالة المناخية التي طالما طالبت بها مجتمعات الجنوب العالمي، وفي مقدمتها منطقتنا العربية. كما يُرسي أساسًا قانونيًا جديدًا يُلزم الحكومات والشركات بإحداث تغييرات جذرية في سياساتها المناخية، تحت طائلة المساءلة والمحاسبة الدولية.
السؤال الثالث: هل تتوقعون أن يكون لهذا القرار طابع ملزم أخلاقيًا أو سياسيًا للدول المسببة لانبعاثات عالية؟
الجواب:
رغم أن رأي محكمة العدل الدولية استشاري من الناحية القانونية، إلا أن طابعه الأخلاقي والسياسي مُلزم بقوة، خاصة للدول التي تتحمل مسؤولية تاريخية عن الانبعاثات الكربونية. فالمحكمة لم تستند فقط إلى مبادئ عامة، بل إلى التزامات قانونية واضحة تنص عليها المعاهدات البيئية واتفاقيات حقوق الإنسان، مثل اتفاق باريس، واتفاقية التنوع البيولوجي، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان. وقد أوضحت المحكمة أن البيئة النظيفة والصحية والمستدامة شرط أساسي للتمتع بحقوق الإنسان، ما يعني أن التقاعس عن حماية المناخ ليس فقط إخفاقًا بيئيًا، بل انتهاكٌ لحقوق الإنسان. وبالتالي، فإن الدول الأطراف في هذه المعاهدات مُلزمة، أخلاقيًا وسياسيًا، بالتحرك لمعالجة تغير المناخ.
كما أن حجم الزخم القانوني المحيط بهذه القضية غير مسبوق؛ إذ تُعدّ من أكبر القضايا التي تنظر فيها المحكمة على الإطلاق، من حيث عدد الدول المشاركة—97 دولة—وعدد البيانات المكتوبة—91 بيانًا. وهذا وحده يعكس حجم الاهتمام الدولي، ويُضفي على القرار ثقلًا دوليًا يُصعّب على الدول ذات الانبعاثات المرتفعة تجاهله أو التقليل من شأنه.
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز