ضمن سلسلة مقالات ثقافية علمية عن البيوتكنولوجيا الزراعية (9)
شبكة بيئة أبوظبي، بقلم الدكتور قاسم زكي (*)، جامعة المنيا، جمهورية مصر العربية، 17 أغسطس 2025م
منذ عقود قليلة، دخلت المحاصيل المعدلة وراثيًا (GMOs) إلى موائدنا دون أن يدرك كثيرون تفاصيل هذا التحول الزراعي الثوري. ورغم ما تحققه هذه المحاصيل من فوائد اقتصادية وإنتاجية، فإن الجدل حول تأثيرها على صحة الإنسان ما زال قائمًا، ويشعل نقاشًا علميًا واجتماعيًا لم يخفت بعد.
ما هي المحاصيل المعدلة وراثيًا؟
المحاصيل المعدلة وراثيًا هي نباتات تم تغيير مادتها الوراثية (DNA) باستخدام تقنيات الهندسة الوراثية، بهدف تحسين خصائص معينة فيها، مثل مقاومة الآفات، أو زيادة الإنتاج، أو تحمل الجفاف. ومن أشهر هذه المحاصيل: الذرة، فول الصويا، القطن، والطماطم.
تسمح هذه التعديلات بإدخال جينات من كائنات أخرى — ليست بالضرورة من نفس النوع — وهو ما لم يكن ممكنًا عبر التهجين التقليدي. وهنا يبدأ الجدل: هل هذا التدخل العميق في الطبيعة آمن على الصحة البشرية؟
السلامة الغذائية في الميزان
تؤكد الهيئات العلمية الكبرى — مثل منظمة الصحة العالمية (WHO)، ومنظمة الأغذية والزراعة (FAO)، والهيئة الأوروبية لسلامة الغذاء (EFSA) أن المحاصيل المعدلة وراثيًا المعتمدة في الأسواق قد خضعت لاختبارات أمان صارمة. ووفقًا لهذه الجهات، لم يتم تسجيل أي حالة مرضية مؤكدة لدى الإنسان نتيجة تناول محاصيل معدلة وراثيًا منذ بدء استخدامها في التسعينيات.
لكن هذه الطمأنة لا تعني أن المخاوف قد زالت. بعض الدراسات المستقلة — خاصة تلك التي أجريت على الحيوانات — أظهرت نتائج مقلقة، مثل تغيرات في وظائف الكلى والكبد، أو تأثيرات على الجهاز المناعي. إلا أن هذه الدراسات عادة ما تُنتقد من قبل الأوساط العلمية بسبب صغر حجم العينة أو ضعف التصميم التجريبي.
الحساسية والسمّية: ما مدى الخطورة؟
من أبرز المخاوف التي يطرحها المعارضون لاحتمال تأثير المحاصيل المعدلة على الصحة:
1. ردود الفعل التحسسية: قد يؤدي إدخال جين جديد إلى إنتاج بروتينات غريبة على جسم الإنسان، مما يزيد من احتمال حدوث حساسية غير متوقعة، كما حدث سابقًا عندما تم إدخال جين من الجوز البرازيلي إلى فول الصويا.
2. السموم المحتملة: بعض التعديلات قد تنتج مركبات كيميائية جديدة غير موجودة طبيعيًا، ما قد يثير القلق بشأن سميتها.
3. مقاومة المضادات الحيوية: استخدمت بعض التعديلات في بدايات الهندسة الوراثية جينات مقاومة للمضادات الحيوية كـ”علامات”، مما أثار مخاوف من انتقال هذه الجينات إلى ميكروبات القناة الهضمية البشرية، الأمر الذي قد يُضعف فعالية الأدوية.
البحوث المستقلة: ضرورة أم رفاهية؟
واحدة من أكثر الإشكالات تعقيدًا تتعلق بمن يُجري الدراسات. فغالبية الأبحاث الداعمة لسلامة المحاصيل المعدلة تأتي من الشركات المنتجة لها، مما يثير الشكوك حول حيادية النتائج. في المقابل، تعاني البحوث المستقلة من نقص التمويل، وصعوبات في الحصول على عينات من البذور المعدلة التي تخضع لحقوق ملكية صارمة.
هذا الخلل في التوازن البحثي يجعل من الصعب بناء ثقة عامة راسخة في نتائج السلامة الغذائية.
التوسيم وحق المستهلك في المعرفة
في العديد من الدول — مثل دول الاتحاد الأوروبي — يُلزم القانون بوضع علامة “معدل وراثيًا” على المنتجات، ما يتيح للمستهلك حرية الاختيار. أما في دول أخرى — مثل الولايات المتحدة ومصر — فما زال التوسيم اختياريًا أو غير مطبق فعليًا، رغم مطالبات مجتمعية متزايدة بالشفافية.
البيئة وصحة الإنسان: وجهان لعملة واحدة
تأثير المحاصيل المعدلة وراثيًا لا يتوقف عند حدود الصحة الفردية، بل يمتد إلى البيئة التي تشكل نظامًا مترابطًا يؤثر فينا ويُؤثر بنا. فعلى سبيل المثال، استخدام أنواع معدلة مقاومة للحشرات قلّل من استعمال المبيدات في بعض الحالات، مما قد يُعد إيجابيًا لصحة الإنسان. ولكن في حالات أخرى، أدى إلى ظهور “آفات خارقة” مقاومة، وإلى زيادة الاعتماد على مبيدات أكثر قوة.
الخلاصة: بين الأمل والحذر
لا يمكن إنكار ما تحققه المحاصيل المعدلة وراثيًا من فوائد اقتصادية وزراعية، خاصة في ظل التحديات العالمية كالنمو السكاني والتغير المناخي. لكن في الوقت نفسه، فإن الأسئلة المتعلقة بصحة الإنسان تستدعي المزيد من الدراسات المستقلة بعيدة عن تأثير الشركات.
وبينما يظل العلم في تطور مستمر، يظل حق المستهلك في المعرفة والاختيار الواعي حجر الزاوية في التعامل مع هذه التكنولوجيا الحيوية. فالثقة تُبنى على الشفافية، والشفافية تبدأ من السؤال البسيط: “ما الذي نأكله؟”
(*) الدكتور قاسم زكي
أستاذ الوراثة المتفرغ بكلية الزراعة، جامعة المنيا؛ ورئيس اللجنة الوطنية للعلوم الوراثية بأكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، والرئيس الأسبق للجمعية الأفريقية لعلوم المحاصيل، واحد مؤسسي المجلس العالمي للنبات (GPC)؛ عضو اتحاد كتاب مصر.
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز