شبكة بيئة ابوظبي، د. طارق قابيل (*)، القاهرة، جمهورية مصر العربية، 31 يوليو 2025
تكتسب قضايا التغيرات المناخية تأثيرًا متزايدًا على الأمن الغذائي العالمي، مما يستدعي حلولًا علمية مبتكرة. وفي هذا السياق، برزت أهمية التربية الجزيئية النباتية كأداة حيوية لتطوير سلالات نباتية قادرة على التكيف مع الظروف البيئية القاسية كالجفاف والملوحة ودرجات الحرارة المتطرفة. ولقد طاب لي، أيما طيب، أن أحظى بدعوةٍ كريمةٍ من معالي الأستاذ الدكتور محمود صقر الرئيس السابق لأكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا المصرية والمستشار الثقافي السابق لمصر في اليابان، والأستاذ بالمركز القومي للبحوث، لحضور فعاليات ورشة العمل المرموقة التي عُقدت بالمركز القومي للبحوث المصري مؤخرا، تحت عنوان “التربية الجزيئية النباتية ودورها في مجابهة التغيرات المناخية”، والذي كان له دور محوري في تنظيم هذه الورشة وتقديم الدعوة الكريمة للمشاركين. وقد أثرت كلمته الافتتاحية وتعليقاته العلمية النقاش وألهمت الحضور، مؤكدة على رؤيته الثاقبة في ربط البحث العلمي باحتياجات المجتمع.
نظمت هذه الورشةٌ النوعية الجمعية العربية للهندسة الوراثية والبيوتكنولوجي بالتعاون مع معهد التقنيات الحيوية وقسمي التكنولوجيا الحيوية النباتية والوراثة والسيتولوجي بالمركز، وحظيت الورشة بحضور نخبة من الشخصيات العلمية والسياسية المرموقة، كان على رأسهم المهندس عبد السلام الجبلي، رئيس لجنة الزراعة والري بمجلس الشيوخ، وأحد أبرز رجال الصناعة في مجالات الأسمدة، وقد استقبل المحفل ما يقرب من 250 مشاركًا من كبريات الجامعات المصرية والمراكز البحثية والقطاع الخاص، في مشهد يعكس الاهتمام المتزايد بهذا المجال الحيوي ويؤكد على أهمية تضافر الجهود بين البحث العلمي والقطاع الصناعي في تحقيق التنمية المستدامة.
حضور نوعي ومشاركات علمية ثرية
تضمن برنامج الورشة جلستين علميتين ثريتين، الأولى بعنوان “التربية الجزيئية للحبوب” برئاسة الأستاذ الدكتور سامي رضا، تناولت موضوعات مثل برامج تربية القمح في مصر، ومحاور الاكتشاف والتوصيف الجزيئي للمواقع الجينية المسؤولة عن التحكم في تحمل الملوحة في أصناف الشعير المختلفة. أما الجلسة الثانية، فكانت بعنوان “تحرير الجينوم والمعلوماتية الحيوية” برئاسة الأستاذ الدكتور أحمد الزهيري، وناقشت مواضيع متقدمة مثل “السمات المتكيفة مع المناخ: من الجينات إلى الحقول – نهج متعدد الأوميكس لتحسين المحاصيل في بيئة متغيرة” و”تعزيز مرونة المحاصيل في الاستجابة للإجهاد الأحيائي واللاأحيائي من خلال تحرير الجينوم”. كما شهدت الورشة تقديم محاضرات قيمة من قبل نخبة من الأساتذة والباحثين المتخصصين.
وقد أشاد الحضور بالتنظيم المتميز وفريق العمل الذي ضم الدكتورة دعاء حسن علي والدكتورة رضوى يوسف كمقررين للورشة، مؤكدين على أهمية مثل هذه الفعاليات في تبادل الخبرات والمعارف.
التربية الجزيئية النباتية في مواجهة التغيرات المناخية
تُعد التغيرات المناخية، بتداعياتها المتزايدة من ارتفاع درجات الحرارة، وشح المياه، وتزايد ملوحة التربة، وتفشي الآفات والأمراض، تحديًا وجوديًا للأمن الغذائي العالمي. في هذا السياق، تبرز التربية الجزيئية النباتية (Plant Molecular Breeding) كأحد أهم الركائز العلمية القادرة على تقديم حلول مستدامة. تعتمد هذه التقنيات على الفهم العميق للأسس الجينية للصفات المرغوبة في النباتات، واستخدام المؤشرات الجزيئية (Molecular Markers) للمساعدة في اختيار السلالات المتفوقة، أو استخدام تقنيات تحرير الجينوم (Genome Editing) مثل تقنية “كريسبر/كاس9” لإدخال تعديلات دقيقة وموجهة على الجينوم النباتي.
ولقد ناقشت ورشة العمل محاور أساسية تعكس أحدث التوجهات البحثية العالمية في هذا المجال:
التربية الجزيئية للحبوب:
ركزت الجلسات على جهود تطوير أصناف قمح وشعير تتميز بتحملها للظروف المعاكسة. فمثلًا، تُعد دراسة المواقع الجينية المسؤولة عن تحمل الملوحة في الشعير (كما تم طرحه في الورشة) أمرًا حيويًا، حيث يمكن للمؤشرات الجزيئية المرتبطة بهذه الصفات تسريع عملية اختيار السلالات المقاومة في برامج التربية التقليدية. الأبحاث الحديثة تتجه نحو تحديد الجينات المسؤولة عن امتصاص الأيونات السامة وتصريفها، أو تلك التي تساهم في تنظيم الاستجابة للإجهاد الملحي على المستوى الخلوي والجزيئي.
تحرير الجينوم والمعلوماتية الحيوية:
تمثل هذه التقنيات طفرة في القدرة على تعديل الجينوم بدقة غير مسبوقة. فمن خلال تحرير الجينوم، يمكن للباحثين “تصميم” نباتات ذات سمات محددة، مثل زيادة كفاءة استخدام المياه، أو تحسين مقاومة الأمراض، أو تعزيز القيمة الغذائية. النقاش حول “السمات القابلة للفتح والمتكيفة مع المناخ” يشير إلى مفهوم المرونة الجينية للنباتات وقدرتها على التكيف، وكيف يمكن لتقنيات الأوميكس (مثل الجينوميات والبروتيوميات والميتابولوميات) أن تكشف عن هذه السمات وتوجه جهود التربية. كما أن استخدام تحرير الجينوم لـ “تعزيز مرونة المحاصيل في الاستجابة للإجهاد الأحيائي واللاأحيائي” يمثل استراتيجية واعدة لتقليل الفاقد في المحاصيل وزيادة الإنتاجية في ظل الظروف المتغيرة. المعلوماتية الحيوية (Bioinformatics) تلعب دورًا محوريًا في تحليل الكم الهائل من البيانات الجينومية والبروتيومية الناتجة عن هذه الأبحاث، مما يسرع من وتيرة الاكتشافات ويساهم في فهم أعمق للأنظمة البيولوجية النباتية.
توصيات ورؤى مستقبلية:
انطلاقًا من النتائج المثمرة والنقاشات البناءة التي شهدتها ورشة عمل “التربية الجزيئية النباتية ودورها في مجابهة التغيرات المناخية”، وبحضور كريم من ممثلي القيادة السياسية والقطاع الصناعي، نتقدم بمجموعة من التوصيات الاستراتيجية الرامية إلى تعظيم الاستفادة من البحث العلمي في خدمة التنمية المستدامة، مع التركيز بشكل خاص على تعزيز الشراكة بين المؤسسات البحثية والقطاع الصناعي:
توصيات استراتيجية لتعزيز التكامل بين البحث والصناعة والإرشاد الزراعي:
1. إنشاء آليات فاعلة للربط بين مخرجات البحث العلمي واحتياجات الصناعة:
○ تطوير منصات رقمية تفاعلية تجمع قواعد بيانات الأبحاث العلمية المنجزة مع الاحتياجات الفعلية والفرص الاستثمارية في القطاع الزراعي والصناعات المرتبطة به.
○ عقد لقاءات دورية وورش عمل متخصصة تجمع الباحثين مع ممثلي الشركات والمصانع (مثل مصنعي الأسمدة، شركات البذور، مزارع الإنتاج الكثيف) لتحديد التحديات المشتركة وصياغة مشاريع بحثية تطبيقية.
2. توجيه البحوث نحو الحلول التطبيقية ذات الأثر الاقتصادي المباشر:
○ تشجيع المشاريع البحثية التي تستهدف تطوير أصناف نباتية مقاومة للتغيرات المناخية (مثل الجفاف، الملوحة، الحرارة العالية) والتي يمكن تسويقها تجاريًا بسرعة.
○ التركيز على دراسات الجدوى الاقتصادية للتقنيات الجديدة في التربية الجزيئية، لضمان تبنيها من قبل القطاع الخاص.
3. تحفيز الاستثمار الصناعي في البحث والتطوير:
○ دراسة آليات توفير حوافز ضريبية أو دعم حكومي للشركات التي تستثمر في تمويل البحوث العلمية ذات الصلة بمجالها أو تحتضن فرقًا بحثية داخل منشآتها.
○ تسهيل إجراءات تسجيل براءات الاختراع ونقل التكنولوجيا من المراكز البحثية إلى الشركات، مع ضمان حقوق الملكية الفكرية للطرفين.
4. تطوير برامج تدريب وبناء قدرات مشتركة:
○ تصميم برامج تدريبية لطلاب الدراسات العليا والباحثين تتضمن تدريبًا عمليًا في المصانع والشركات الزراعية، لتعريفهم بمتطلبات الصناعة وتحدياتها.
○ تنظيم ورش عمل متخصصة لممثلي الصناعة حول أحدث التقنيات في الهندسة الوراثية والتربية الجزيئية وكيفية الاستفادة منها.
5. التأكيد على دور القيادة السياسية في دعم هذا التعاون:
○ التأكيد على أن حضور قيادات مثل المهندس عبد السلام الجبلي (رئيس لجنة الزراعة والري بمجلس الشيوخ) يعكس رغبة حقيقية من الدولة في تعزيز هذا التلاحم بين العلم والصناعة.
○ دعوة صناع القرار إلى صياغة تشريعات وسياسات داعمة لتأسيس شركات ناشئة قائمة على الابتكار العلمي (Spin-offs) من رحم المراكز البحثية.
6. تفعيل دور الإرشاد الزراعي كجسر بين البحث والمزارع:
○ تطوير برامج إرشاد زراعي متخصصة لنقل المعارف والتقنيات الحديثة الناتجة عن أبحاث التربية الجزيئية إلى المزارعين بشكل مبسط وفعال.
○ تدريب المرشدين الزراعيين على أحدث التطورات في مجال المحاصيل المقاومة للتغيرات المناخية وكيفية تطبيقها على أرض الواقع.
○ تنظيم أيام حقلية وورش عمل للمزارعين لعرض الأصناف الجديدة والتقنيات المبتكرة، مع إتاحة الفرصة لهم لتبادل الخبرات.
7. تطوير تطبيقات الهاتف المحمول للإرشاد الزراعي الرقمي:
○ تصميم وتطوير تطبيقات للهواتف الذكية موجهة للمزارعين، توفر معلومات مبسطة وعملية حول:
■ أصناف المحاصيل المقاومة للتغيرات المناخية وخصائصها.
■ أفضل الممارسات الزراعية للتعامل مع الظروف البيئية القاسية.
■ نصائح حول استخدام الأسمدة والمياه بكفاءة.
■ تحذيرات مبكرة من الآفات والأمراض وطرق مكافحتها.
■ ربط المزارعين بالخبراء والباحثين للاستفسار وطلب المشورة.
○ ضمان سهولة استخدام هذه التطبيقات وتوفرها بلغات متعددة تناسب المزارعين في المناطق المختلفة.
إن نجاح هذه الورشة يمثل خطوة هامة نحو مستقبل زراعي أكثر استدامة ومرونة في مصر والمنطقة بأسرها، بفضل تضافر جهود العلماء والباحثين والقيادات الداعمة. إن هذا التوجه نحو التوأمة بين البحث العلمي والصناعة، بدعم من القيادات السياسية وأصحاب الشركات والمصانع الخاصة، يمثل ركيزة أساسية لتحقيق قفزة نوعية في القطاع الزراعي والصناعي بمصر، وتمكين البلاد من مواجهة تحديات المستقبل المناخية بفعالية واقتدار.
وفي ختام الورشة، تم التأكيد على أهمية استمرار البحث العلمي في مجال التربية الجزيئية النباتية كركيزة أساسية لمواجهة تحديات الأمن الغذائي والتغيرات المناخية. ومن المتوقع أن تُنشر التوصيات والمحاضرات التفصيلية للورشة قريبًا على موقع الجمعية العربية للهندسة الوراثية والبيوتكنولوجي، لتعم الفائدة على أوسع نطاق.
https://www.facebook.com/doaa.h.ali.16/videos/756419403507151?idorvanity=371334099588140
الكاتب: د. طارق قابيل
– أكاديمي، خبير التقنية الحيوية، كاتب ومحرر ومترجم علمي، ومستشار في الصحافة العلمية والتواصل العلمي.
– أستاذ جامعي متفرغ، وعضو هيئة التدريس بقسم التقنية الحيوية – كلية العلوم – جامعة القاهرة.
– مقرر لجنة الآداب والفنون والعلوم الاجتماعية والثقافة العلمية والدراسات الاستراتيجية ومؤشرات العلوم والتكنولوجي، وزميل أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، وزارة التعليم العالي – مصر.
– أمين مجلس بحوث الثقافة والمعرفة، أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، وزارة التعليم العالي – مصر.
– الباحث الرئيسي لمشروع خارطة طريق “مستقبل التواصل العلمي في مصر ودوره في الاعلام العلمي”، أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، مصر.
– السفير الإقليمي للاقتصاد الدائري والمواد المستدامة لمنظمة “سستينابلتي جلوبال” (Sustainability Global)، فينا، النمسا.
– عضو المجموعة الاستشارية العربية للعلوم والتكنولوجيا، التابعة للمكتب الإقليمي للأمم المتحدة للحد من مخاطر الكوارث للدول العربية.
https://orcid.org/0000-0002-2213-8911
http://scholar.cu.edu.eg/tkapiel
tkapiel@sci.cu.edu.eg
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز