شبكة بيئة ابوظبي، بقلم الدكتور علي عبد القادر الحمادي، باحث في السياسات اللغوية، الإمارات العربية المتحدة، 30 يناير 2026
كثيرًا ما تستوقفني نظرات الاستغراب حين أختار المشي طريقة للتنقل لمسافات قد تبدو طويلة، أو حين أرفض استخدام عبوة مياه بلاستيكية مكتفيًا بقنينة أحملها معي. لا أقدّم شروحًا مطوّلة، ولا أدخل في جدل، وغالبًا ما أجيب بكلمتين فقط: “التزام بيئي”. هاتان الكلمتان تختصران قناعتي بأن الفعل الفردي، مهما بدا صغيرًا، يراكم أثرًا يتجاوز صاحبه، ويشارك في حماية بيئة أوسع من حدود الذات.
قادني هذا الوعي إلى التفكير في فكرة موازية لا تقل أهمية: “الالتزام اللغوي”. فكما أن البيئة الطبيعية تتأثر بسلوك الأفراد اليومي، فإن البيئة اللغوية تتشكّل هي الأخرى من اختياراتنا الصغيرة: كلمة نستخدمها أو نتجنبها، أسلوب نحرص عليه أو نستهين به، خطاب نرفعه أو نخفض من حدّته. اللغة، مثل الهواء، قد لا نراها، لكنها تحيط بنا، وتؤثر فينا، ونؤثر فيها دون أن نشعر.
يتجلّى هذا المعنى بوضوح في المشهد التربوي. فثمّة معلم لغة عربية يلتزم باستخدام العربية الفصحى في حديثه اليومي مع طلابه، لأنه مؤمن بأن اللغة لا تُدرَّس بوصفها مادة، بل تُعاش بوصفها بيئة. هذا المعلم لا يبدّل لغته بتبدّل الظروف، ولا يستحضر الفصحى استحضارًا مؤقتًا، بل يجعلها جزءًا طبيعيًا من الحصة، ومن الحوار، ومن المزاح، ومن السؤال والجواب. ومع الزمن، ينمو طلابه داخل بيئة لغوية حقيقية، فتألف آذانهم الفصحى، وتلين ألسنتهم بها، وتصبح اللغة جزءًا من يومهم لا عبئًا عليهم.
في المقابل، ثمة معلم آخر لا يستدعي الفصحى إلا عند حضور الموجّه أو المدير. فجأة تتبدّل لغته، وتثقل عباراته، ويغدو خطابه متكلّفًا. الطلاب في هذه الحالة يراقبون اللغة من الخارج؛ يرونها قناعًا مؤقتًا، لا ممارسة أصيلة. إنهم للأسف لا يعيشون اللغة، لأن البيئة هنا بيئة لغوية مصطنعة، تبدو غريبة عليهم، مربكة لهم، لأنها لا تنبع من قناعة، ولا تتصف بالاستدامة.
الفرق بين المشهدين ليس فرق كفاءة لغوية، بل فرق التزام. الأول يمارس اللغة التزامًا، والثاني يمارسها اصطناعًا. الأول يبني بيئة لغوية صحية، والثاني يقدّم عرضًا لغويًا عابرًا.
وهنا يتضح أن الالتزام اللغوي، شأنه شأن الالتزام البيئي، يبدأ فرديًا، لكنه لا يبقى فرديًا. فحين تتحول الممارسة الصادقة إلى عادة، تتحول العادة إلى ثقافة، وتتحول الثقافة إلى بيئة. واللغة، في النهاية، لا تُحفظ باللوائح وحدها، بل بالالتزام اليومي الهادئ، الذي قد لا يلفت الانتباه، لكنه يصنع الفرق.
الالتزام اللغوي يبدأ شخصيًا: في الحرص على الدقة بدل التهويل، وعلى الوضوح بدل الغموض المتعمد، وعلى الاحترام بدل السخرية، وعلى الاقتصاد في القول بدل الإسراف اللفظي. يبدأ حين نراجع ما نقول قبل أن نقوله، وحين نسأل أنفسنا: هل تضيف هذه الكلمة وعيًا؟ أم تستهلك المعنى؟ هل تُصلح الخطاب؟ أم تلوّثه؟
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز