هل تنجح البشرية في ترويض “شراهة” الرقمنة للحفاظ على استدامة كوكبنا؟
شبكة بيئة ابوظبي، د. طارق قابيل (*)، القاهرة، جمهورية مصر العربية، 16 يوليو 2025
في عصر تتسارع فيه وتيرة الابتكار التكنولوجي، أصبح الذكاء الاصطناعي (AI) ينسج خيوطه في نسيج حياتنا اليومية، من تطبيقات الأعمال المعقدة والتحليلات العلمية الدقيقة وصولاً إلى الفنون والإبداع. هذه الثورة الرقمية لا تقتصر على تسهيل مهامنا وتحسين إنتاجيتنا فحسب، بل تمتد لتغير من شكل تعاملنا مع المعلومات والعالم من حولنا. ومع هذا الانتشار الهائل، يبرز تحدٍ كبير يلوح في الأفق: المراكز الضخمة لتخزين البيانات وتشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي تلتهم كميات هائلة من الطاقة الكهربائية، مما يضع ضغوطاً غير مسبوقة على البنى التحتية لشبكات الكهرباء، وخاصة تلك التي تعاني من التقادم في العديد من الدول.
هذا التحدي لم يعد مجرد هامشياً، بل بات في صميم النقاشات العالمية حول الاستدامة ومستقبل الطاقة. فقد كشفت ندوة حديثة عقدتها الأكاديميات الوطنية الأمريكية (National Academies)، ضمن سلسلة “حوارات المناخ ” (Climate Conversations)، عن الحجم المتنامي لشهية الذكاء الاصطناعي للطاقة، واستكشفت الحلول الممكنة لضمان استمراريته بشكل مستدام. فقبل هذا النمو المتسارع في الطلب، كانت شبكة الكهرباء الأمريكية، على سبيل المثال، تواجه بالفعل تحديات جمة تتعلق ببنيتها التحتية المتهالكة، وطوابير الانتظار الطويلة لربط موارد الطاقة المتجددة الجديدة، والحاجة الملحة إلى هياكل تسعير جديدة وتصاميم للأسواق. في هذا السياق، يصبح السؤال المحوري: كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يقدم تحديات وفرصاً جديدة لقطاع الطاقة في آن واحد؟ هذا ما سيناقشه هذا التقرير باستفاضة.
في قلب “العاصفة” الرقمية والكهربائية
1. الذكاء الاصطناعي: محرك لطلب غير مسبوق على الطاقة
يشهد العالم اليوم نمواً غير مسبوق في الطلب على الكهرباء، مدفوعاً بشكل كبير بالتوسع السريع في تطبيقات الذكاء الاصطناعي. هذا النمو يُعد الأول من نوعه بهذا الحجم منذ عقود، حيث أشار يوري دفوركين، الأستاذ المساعد في جامعة جونز هوبكنز ، إلى أن “نمو الطلب على الكهرباء سيتجاوز نمو الناتج المحلي الإجمالي لأول مرة منذ خمسينيات وستينيات القرن الماضي”. هذا التطور يضع قطاع الطاقة أمام مفترق طرق حقيقي، يستلزم إعادة تقييم شاملة لاستراتيجيات التوليد والتوزيع.
أ- تحديات النشر لمراكز البيانات: عندما يتعلق الأمر بنشر مراكز بيانات جديدة لدعم هذا النمو، يبرز دفوركين ثلاثة تحديات رئيسية:
• الوقت (Time): بناء مراكز بيانات ضخمة وشبكات نقل الطاقة اللازمة يتطلب سنوات طويلة من التخطيط والتنفيذ.
• التكلفة (Cost): الاستثمارات المطلوبة لتوسيع البنية التحتية للطاقة وتحديثها هائلة.
• التنسيق (Coordination): يتطلب الأمر تنسيقاً معقداً بين شركات التكنولوجيا، مزودي الطاقة، والجهات الحكومية لضمان تلبية الطلب المتزايد بكفاءة.
لا يقتصر الأمر على توليد الكهرباء فحسب، بل يمتد ليشمل تحدي “النقل”؛ فكيف يمكن إمداد الكهرباء من أماكن إنتاجها إلى أماكن استهلاكها؟ يكمن التحدي الأكبر في أن مراكز البيانات، على عكس السيارات الكهربائية التي تتوزع على مناطق واسعة وتضيف طلباً متواضعاً نسبياً، تركز احتياجات طاقة كبيرة ومفاجئة في مواقع محددة. هذا التركيز الجغرافي يولد تحديات أكثر حدة من حيث التوقيت والموقع على الشبكة المتأثرة. وفقًا لتقرير صادر عن “سيغايت تكنولوجي” (Seagate Technology) بعنوان “إزالة الكربون من البيانات” (Decarbonizing Data)، فإن استهلاك الطاقة (53.5%) ومتطلبات المواد الخام (49.5%) وقيود المساحة (45.5%) هي أبرز العقبات أمام تحقيق الاستدامة لمراكز البيانات.
ب- استهلاك الطاقة الحالي والمتوقع: أفادت وكالة الطاقة الدولية (International Energy Agency – IEA) أن قطاعي الذكاء الاصطناعي والعملات المشفرة استهلكا حوالي 460 تيراوات ساعة (Terawatt-hours) من الكهرباء في عام 2022، أي ما يعادل 2% من إجمالي الإنتاج العالمي. وتشير التوقعات إلى أن استهلاك مراكز البيانات للكهرباء سيصل إلى 945 تيراوات ساعة بحلول عام 2030، وهو رقم يتجاوز إجمالي استهلاك اليابان حالياً.
2. حلول مستدامة: موازنة النمو مع الأهداف البيئية
إن تحقيق التوازن بين تلبية متطلبات المجتمع المتزايدة للذكاء الاصطناعي وتحقيق أهداف خفض انبعاثات الغازات الدفيئة (Greenhouse Gas Emissions) لمواجهة تغير المناخ، يتطلب حلولاً مبتكرة ومتكاملة.
أ- الطاقة المتجددة والتخزين: أحد الحلول الواعدة يتمثل في نشر مصادر الطاقة المتجددة (Renewable Energy Sources) مثل الطاقة الشمسية، والتي يمكن استخدامها محلياً وتشغيلها بسرعة أكبر مقارنة بمصادر الطاقة النظيفة الأخرى مثل محطات الطاقة النووية. بالإضافة إلى ذلك، يمكن للشركات والمرافق استخدام أنظمة تخزين البطاريات (Battery Storage) للمساعدة في مواءمة ذروات توليد الطاقة المتجددة مع توقيت الطلب على الكهرباء المرتبط بالذكاء الاصطناعي.
ب- تقاطع الاستدامة والأعمال: أكد كوبر إلسوورث (Cooper Elsworth)، مسؤول برنامج انبعاثات أعباء عمل الذكاء الاصطناعي والسحابة في جوجل (Google’s AI and Cloud workload emissions program lead)، أن الاستدامة والأداء التجاري لا يجب أن يكونا متعارضين في تطوير الذكاء الاصطناعي. فمعظم أهداف الاستدامة، مثل تقليل استهلاك الطاقة والتكاليف المرتبطة بتطوير وتشغيل النماذج، تتوافق بشكل كبير مع الأهداف التجارية.
ج- الشفافية وتحسين الاستهلاك: يجب أن يكون فهم استخدام الطاقة وتحسينه جزءاً من استراتيجية استدامة أوسع. اقترح إلسوورث أن الابتكارات في شفافية وتقديم تقارير الانبعاثات يمكن أن توفر لأصحاب المصلحة فهماً أفضل للبصمة البيئية للذكاء الاصطناعي وتحديد المجالات الرئيسية للتحسين. كما أن المحاسبة الساعية للانبعاثات (Hourly Emissions Accounting) ستمكن الشركات من مطابقة استهلاك الطاقة مع الإنتاج، مما يوفر رؤية أكثر دقة لأنماط الانبعاثات في الوقت الفعلي، بدلاً من الاعتماد على متوسطات قد تخفي الحقائق.
يوجد طلب كبير من قبل العملاء على مزودي مراكز البيانات ليكونوا أكثر شفافية بشأن بيانات الانبعاثات. ومع ذلك، فإن جزءاً كبيراً من تحدي الشفافية ينبع من عدم وجود إجماع حول كيفية مشاركة هذه الأرقام بطريقة متسقة بين الشركات المختلفة.
1. تنسيق الطاقة النظيفة: شراكات استراتيجية لمستقبل أخضر
مع هذا النمو السريع، هناك حاجة ماسة لأشكال جديدة من التعاون بين شركات الذكاء الاصطناعي ومزودي الكهرباء.
أ- فهم مرونة الأحمال: يرى دفوركين أن المفتاح يكمن في “فهم أفضل للمتطلبات المتبادلة، ولفهم أفضل لمرونة أحمال الذكاء الاصطناعي، وكيف يمكن الاستفادة من هذه المرونة لتنسيق عمليات مراكز البيانات بشكل أفضل مع شبكة الكهرباء”. ستصبح هذه المرونة ذات قيمة متزايدة مع ازدياد تعقيد الشبكات المختلفة.
ب- استغلال الموارد غير المستغلة: في العديد من مناطق العالم، يتم تقليص توليد الطاقة المتجددة بسبب اختناقات النقل (Transmission Bottlenecks)، حيث لا تتوفر بنية تحتية كافية لتوزيع هذه الطاقة على المستهلكين. يمكن أن يساعد وضع مراكز البيانات بالقرب من هذه الموارد غير المستغلة ونشر تخزين الطاقة في هذه المواقع في تقليل الهدر وتحسين الكفاءة الكلية للنظام.
ج- الحوسبة الواعية بالكربون (Carbon-Aware Computing): وصف إلسوورث “الحوسبة الواعية بالكربون” بأنها تحويل أعباء العمل الحاسوبية إلى أوقات وأماكن تتوفر فيها طاقة أنظف. يمكن أن يساعد هذا أيضاً في كفاءة استخدام الطاقة، كما يمكن جدولة بعض أعباء عمل الذكاء الاصطناعي، مثل تدريب النماذج، مسبقاً للاستفادة من أوقات ذروة توفر الطاقة المتجددة. هناك العديد من الفرص المتاحة، “نحن بحاجة فقط إلى استهدافها من حيث الحاجة والموقع والتوقيت”، كما أشار دفوركين.
2. تتبع الانبعاثات في سلسلة القيمة (Upstream Emissions):
لتقييم الأثر البيئي للذكاء الاصطناعي بشكل أفضل، يعد تحليل دورة حياة الأدوات والعمليات أمراً ضرورياً.
أ- تحليل دورة حياة الرقائق الإلكترونية: أشار إلسوورث إلى دراسة حديثة قيمت انبعاثات دورة الحياة الكاملة لرقاقة إلكترونية واحدة (Microchip) تُستخدم لتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي، بدءاً من استخراج المواد الخام والتصنيع وصولاً إلى الاستخدام والتخلص النهائي.
ب- هيمنة انبعاثات التشغيل: أظهرت النتائج أنه على الرغم من أن الانبعاثات الأولية (Upstream Emissions) – والتي تشمل الأنشطة خارج السيطرة المباشرة للشركة، مثل تصنيع سلسلة التوريد والنقل – ليست ضئيلة، إلا أن أكثر من 80% من الانبعاثات تأتي من الكهرباء المستخدمة أثناء تشغيل الرقاقة. ترتبط هذه الانبعاثات غير المباشرة (Indirect Emissions) بشراء الشركة للكهرباء أو البخار أو الحرارة أو التبريد. ونتيجة لذلك، كما قال إلسوورث، “يصبح شراء الطاقة النظيفة رافعة بسيطة نسبياً بالنسبة لنا للبدء في تقليل انبعاثات هذه الرقائق”.
ج- كفاءة الأجهزة والخوارزميات: يمكن أن تؤدي الاستثمارات في الأجهزة الأكثر كفاءة (More Efficient Hardware) والخوارزميات المحسّنة (Optimized Algorithms) إلى تخفيضات كبيرة في انبعاثات كل استعلام (Per-query Emissions)، مما يجعل رؤى دورة الحياة أكثر أهمية لتطوير الذكاء الاصطناعي المستدام. فمع التوسع الهائل للبنية التحتية للذكاء الاصطناعي واستخدامه في مجتمعاتنا، “تتحول هذه النسبة المئوية الصغيرة نسبياً إلى أرقام انبعاثات كبيرة جداً”، كما أشار دفوركين.
الذكاء الاصطناعي: محفز للتغيير نحو الاستدامة
يشكل الازدهار الذي يشهده الذكاء الاصطناعي تحديات كبيرة لشبكات الطاقة المنهكة بالفعل، ولكنه قد يوفر أيضاً فرصة تاريخية لدفع التغيير. هذا التغيير لا يقتصر على كيفية معالجة البيانات فحسب، بل يمتد إلى كيفية تطور أنظمة الطاقة برمتها. سواء كان ذلك من خلال تتبع الانبعاثات المتقدم، أو الابتكار في الأجهزة والبرمجيات، أو التعاون الأعمق مع قطاع الطاقة، فإن الطريق نحو ذكاء اصطناعي مستدام سيتطلب تخطيطاً طويل الأمد ومسؤولية مشتركة.
إن التقنيات التي تغذي الطلب على الذكاء الاصطناعي هي نفسها التي يمكن أن تلعب دوراً محورياً في إدارته. فمن خلال تسخير قدرات الذكاء الاصطناعي في تحليل البيانات الضخمة، والتنبؤ بأنماط الاستهلاك، وتحسين كفاءة الشبكات، وإدارة مصادر الطاقة المتجددة، يمكننا تحويل التحدي إلى فرصة حقيقية لبناء مستقبل طاقوي أكثر كفاءة ونظافة. إن الوعي المتزايد بالبصمة الكربونية للذكاء الاصطناعي، والالتزام بالشفافية، وتشجيع الابتكار في الحلول المستدامة، كلها خطوات أساسية نحو تحقيق هذا الهدف الطموح. المستقبل يستدعي شراكة وثيقة بين عمالقة التكنولوجيا وقطاع الطاقة، لضمان أن يكون التقدم التكنولوجي خادماً للاستدامة، لا خصماً لها.
الكاتب: د. طارق قابيل
– أكاديمي، خبير التقنية الحيوية، كاتب ومحرر ومترجم علمي، ومستشار في الصحافة العلمية والتواصل العلمي.
– أستاذ جامعي متفرغ، وعضو هيئة التدريس بقسم التقنية الحيوية – كلية العلوم – جامعة القاهرة.
– مقرر لجنة الآداب والفنون والعلوم الاجتماعية والثقافة العلمية والدراسات الاستراتيجية ومؤشرات العلوم والتكنولوجي، وزميل أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، وزارة التعليم العالي – مصر.
– أمين مجلس بحوث الثقافة والمعرفة، أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، وزارة التعليم العالي – مصر.
– الباحث الرئيسي لمشروع خارطة طريق “مستقبل التواصل العلمي في مصر ودوره في الاعلام العلمي”، أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، مصر.
– السفير الإقليمي للاقتصاد الدائري والمواد المستدامة لمنظمة “سستينابلتي جلوبال” (Sustainability Global)، فينا، النمسا.
– عضو المجموعة الاستشارية العربية للعلوم والتكنولوجيا، التابعة للمكتب الإقليمي للأمم المتحدة للحد من مخاطر الكوارث للدول العربية.
https://orcid.org/0000-0002-2213-8911
http://scholar.cu.edu.eg/tkapiel
tkapiel@sci.cu.edu.eg
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز