“الأثاب” منارة الحياة في مرتفعات اليمن
شبكة بيئة ابوظبي، بقلم عبد الغني درهم اليوسفي، باحث في الشؤون البيئية والمناخية، جمهورية اليمن، 06 أغسطس 2025
1. مقدمة:
من وسط اليمن من أعالي المرتفعات الجنوبية والوسطى إب – في جبال السياني، من أعالي المرتفعات الجنوبية والوسطى في اليمن وتحديدًا من محافظة إب -ومن جبال السياني الشامخة، تتجلى حكايه شجرة عتيقة حملت في جذورها قصة وتاريخ قرية بأكملها. إنها شجرة “الأثاب” (Ficus salicifolia) التي كانت يومًا ما القلب النابض لقرية “إيهار” وشاهدة صامتة على زمن كان فيه الإنسان والبيئة نسيجًا واحدًا. تتجلى حكاية لا تُنسى. إنها ليست مجرد قصة عن البشر، بل عن شجرة عتيقة حملت في جذورها قصة قرية بأكملها. إنها شجرة” الأثاب، ألاثبة’ التي كانت يومًا ما القلب النابض لقرية “إيهار”، وشاهدة صامتة على زمن كان فيه الإنسان والبيئة نسيجًا واحدًا. هذا التقرير، الذي يستند إلى دراسة بحثية معمقة، ليس مجرد سرد علمي، بل هو رحلة في الذاكرة نستعيد فيها حنين الأجيال إلى ظل وارف، وملاذ آمن، ومصدر حياة.
وقد كشفت دراسة بحثية مجتمعية أن محافظة إب تتميز بتنوع نباتي فريد؛ إذ سُجّل فيها حوالي 769 نوعًا نباتيًا طبيعيًا، ما يمثل 26% [14] من نباتات اليمن. وتتبع هذه النباتات 110 فصائل نباتية، منها 31 نوعًا متوطنًا (Endemic) لا يوجد إلا في اليمن، بالإضافة إلى عدد من الأنواع شبه المتوطنة (Near-endemic) التي يقتصر تواجدها على الجزيرة العربية. “اليوم مشروعنا الجديد [4] التنوع البيولوجي الفريد هو محور هذه الدراسة التي تسلط الضوء على قيمة شجرة واحدة وكيف أن فقدانها قد أثر بشكل جذري على النظام البيئي والمجتمع المحلي [4].
2. شجرة الأثبة ”
الفصل الأول: الخصائص والدلالات -ولأبعاد في قصة.شجرة . الأثاب-لأثبة
يستند هذا البحث إلى تحليل معمق لشهادات وروايات موثقة، ويرتكز على أربعة أبعاد أساسية تُبرز قيمة الشجرة وعمق تأثيرها [1]:
1.1. البعد النباتي والبيئي: تُعرف شجرة الأثاب محليًا بأسماء متعددة مثل “الأثب” و”الزرف” و”الثعبة” [5]. وهي تنتمي إلى الفصيلة التينية (Moraceae)، وتتميز بقدرتها الفائقة على التكيف مع البيئات الصخرية والجافة [10]. جذورها العميقة تساهم في تثبيت التربة ومنع انجرافها، كما أن أوراقها وثمارها توفر مصدرًا غذائيًا ومأوى لمئات الأنواع من الطيور والحيوانات البرية [12]. يؤكد هذا على الدور الحيوي الذي لعبته الشجرة في الحفاظ على التنوع البيولوجي والمناخ المحلي [19].
1.2. لبعد التاريخي والثقافي: كانت الشجرة أكثر من مجرد نبات، فهي مكان للقاء، والتعلم، والاسترخاء، وجزء لا يتجزأ من النسيج الاجتماعي والثقافي للقرية، ومحطة تواصل بين الأجيال [2]. كانت مركزًا اجتماعيًا ومنارة للعلم، حيث استُخدم ظلها لتعليم القرآن الكريم، كما كانت مساحة للترفيه وموقعًا استراتيجيًا للمناسبات والاحتفالات [6].
1.3. البعد الإنساني: يركز التقرير على الجانب الإنساني للقصة، حيث يصف معاناة السكان بعد قطع الشجرة. فارتباطهم بها كان عميقًا، ورحيلها كان بمثابة فقدان جزء من الهوية الجماعية، مما يؤكد أن الشجرة كانت رمزًا للحياة [21].
1.4. بعد التغيير والتأثير: يوضح التقرير كيف أن قطع الشجرة أدى إلى تغيرات جذرية في حياة القرية، فتدهورت البيئة، وتغير المناخ، وهاجر الكثير من السكان. هذه القصة هي مثال حي على العلاقة المترابطة بين الإنسان والبيئة، وكيف أن أي تدخل في هذا التوازن يمكن أن تكون له عواقب وخيمة.
الفصل ثاني: التسمية والخصائص النباتية:
2.1. التسمية والمصطلحات المحلية: تتعدد أسماء شجرة الأثاب في اللهجة المحلية اليمنية، مما يدل على عمق ارتباطها بالمجتمع. تُعرف الشجرة بأسماء متعددة مثل “الأثاب” و”الأثب” و”الزرف” و”الثعبة”. وتُسمى الواحدة منها “أثبة” (بفتح أوله وثانيه وثالثه)، كما تُسمى “أثأب”، وواحدة “أثأبة”. هذه التسميات المتنوعة ليست مجرد أسماء، بل هي انعكاس لتعدد استخداماتها وموقعها الجغرافي وأهميتها في مختلف جوانب الحياة اليومية للمجتمعات المحلية(.فيكوس ساليسيفوليا*)
2.2. الوصف العلمي والنباتي: تنتمي شجرة الأثاب إلى الفصيلة التينية (Moraceae)، واسمها العلمي (Ficus salicifolia). وهي شجرة برية دائمة الخضرة، وتتميز بقدرتها الفائقة على التكيف مع البيئات الصحراوية وشبه الصحراوية القاسية.
2.3. الجذور: تمتد جذورها بشكل عميق في باطن الأرض، مما يمكنها من الوصول إلى مصادر المياه الجوفية والاستفادة القصوى من الأمطار النادرة. لا تساهم هذه الجذور القوية في بقاء الشجرة فحسب، بل تعمل أيضًا على تثبيت التربة ومنع انجرافها.
2.4. الساق والفروع: يتميز ساقها بقوته وصلابته، مما يساعدها على تحمل العوامل الجوية القاسية والرياح الشديدة. يغطي الساق لحاء خشن يحمي الأنسجة الداخلية. تتفرع الشجرة بقوة لتوفير مظلة واسعة، وقد يصل ارتفاعها إلى 10 أمتار، ونادرًا ما يتجاوز ذلك.
2.5. الأوراق: أوراقها شبيهة بأوراق الصفصاف، بيضاوية الشكل، ولونها أخضر داكن ولامع. تتميز بوجود طبقة شمعية تحميها من فقدان الماء عبر عملية النتح.
2.6. الأزهار والثمار: تتكون أزهارها داخل تكوينات كروية صغيرة تُسمى “التين”. تتحول هذه التينات إلى ثمار صغيرة تحتوي على البذور، وتُعدّ مصدرًا غذائيًا مهمًا للعديد من الحيوانات البرية والطيور.
2.7. الانتشار الجغرافي والبيئي: الموطن الأصلي لشجرة الأثاب هو شبه الجزيرة العربية وأفريقيا. تنتشر هذه الشجرة في المناطق الصحراوية وشبه الصحراوية، وتفضل التربة الصخرية والرملية. عادة ما تنمو على سفوح الجبال وفي الأودية، حيث تستطيع جذورها الوصول إلى المياه.
الفصل الثالث: الأثاب في قلب قرية إيهار – سعادة قديمة، وجريمة قائمة
3.1. الحياة قبل قطع الشجرة: “جنة على الأرض”
في أعماق جبال السياني، حيث كانت المدرجات الزراعية تنتج محاصيل وفيرة، كانت شجرة الأثاب في وسط القرية بمثابة قلبها النابض. كانت تتكون من سبع شُجَيرات متصلة، تتراوح ارتفاعاتها بين 5 و20 مترًا، وكانت مصدر عيش لأكثر من 500 طير [2]. كانت أغصانها المتدلية متنفسًا للأطفال، وظلها الوفير ملاذًا للأجداد والمسافرين [2]. كما كانت بمثابة نقطة التقاء ثقافي واجتماعي، حيث تُقام تحتها الاحتفالات وتُذبح الأضاحي [1].
3.2. الحياة بعد قطع الشجرة: “رحيل جنة الدنيا”
في عام 1967، تم قطع شجرة الأثاب، ومنذ ذلك الحين، بدأت الحياة في القرية تتغير بشكل جذري [7]:
• تدهور بيئي: تراجعت معدلات هطول الأمطار، وبدأ الغطاء النباتي يتدهور، مما أثر على خصوبة التربة والمحاصيل الزراعية [15].
• انهيار اقتصادي: بدأ السكان في بيع معظم حيواناتهم، وبدأت هجرة الأيدي العاملة إلى دول الخليج بحثًا عن مصدر رزق [16].
• أزمة المياه: ازدادت الحياة تعقيدًا مع انعدام المياه الصالحة للشرب، وفشلت محاولات حفر الآبار في توفير الماء، مما يوضح العلاقة المباشرة بين الغطاء النباتي وموارد المياه الجوفية [7].
الـمراجـــع:
1. Al-Yousifi, Abdulghani Dirham. (2025). “The Athab’s Shade: A Story of a Village and its Trees,” Abu Dhabi Environment Network website.
2. Al-Yousifi, Abdulghani Dirham. (2025). “From the Athab to the Desert: An Environmental Tale,” narrative of Brigadier General Saeed Abdul Qawi Al-Yousifi.
3. Food and Agriculture Organization (FAO). (2023). Report on “Ancient Trees and their Role in Ecosystems.”
4. Al-Yousifi, Abdulghani Dirham. (2025). “The Athab Tree: A Witness to Time.”
5. Al-Yousifi, Abdulghani Dirham. (2025). “Naming and Definitions.”
6. Al-Yousifi, Abdulghani Dirham. (2025). “Trees of Childhood and the Extinction of Happiness,” narrative of Abdul Salam Abdul Qawi.
7. Al-Yousifi, Abdulghani Dirham. (2025). “The Village’s Life After the Tree Was Uprooted.”
8. National Geographic. (2022). “The Role of Roots in Soil Stabilization.”
9. Global Botanical Encyclopedia. (2024). “Ficus Genus.”
10. Reports of the Yemeni Water Resources Authority. (2020). “Rainfall and Flood Levels in Ibb Governorate.”
11. Reports of the Food and Agriculture Organization (FAO) in Yemen. (2022). “The Impact of Vegetation Removal on Agricultural Production.”
12. List of Local Yemeni Trees. (2021). “Tree Species in the Yemeni Highlands.”
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز