حين لا يكفي أن يكون القائد جيداً… بل يجب أن يصبح السلوك نظاماً
شبكة بيئة ابوظبي: بقلم د. أنيس رزوق (*)، مستشار تخطيط استراتيجية الجودة والتميز، 10 مايو 2026
تبدو بعض المؤسسات وكأنها تمتلك كل ما تحتاجه لبيئة عمل صحية، قادة هادئون، تواصل لبق، ومساحات مفتوحة للحوار، لكن هذا المشهد سرعان ما يتغير عندما يغيب القائد أو تتعرض المؤسسة لضغط حقيقي، فتظهر توترات لم تكن مرئية، وتبرز سلوكيات لم تكن متوقعة، وكأن ما كان يُمارس من احترام وإنصات لم يكن جزءً من بنية العمل، بل انعكاساً لشخص واحد، وهنا نتساءل: هل كان القائد جيداً؟ ولماذا لم يبقَ هذا السلوك بعده؟
في هذه المرحلة، لا يمكن فهم القيادة الناعمة بوصفها مجرد أسلوب، بل بوصفها قدرة على التأثير الهادئ الذي يعتمد على الوعي بالذات وبالآخرين، وعلى بناء الثقة، وعلى خلق بيئة يشعر فيها الأفراد بالأمان النفسي، فإن القائد الناعم لا يفرض حضوره بالقوة، بل يصنعه من خلال سلوكه، ويقود من خلال الاحترام لا السيطرة، ويُحدث التغيير عبر الإقناع لا الإكراه، وهذا ما يتقاطع مع ما تشير إليه أدبيات الذكاء العاطفي، التي ترى أن القدرة على فهم المشاعر وإدارتها تمثل أساساً للتأثير الإنساني الفعّال داخل العمل.
غير أن هذا التأثير، رغم عمقه، يظل مرتبطاً بصاحبه، فالسلوك القيادي، مهما كان ناضجاً، يبقى سلوكاً فردياً ما لم يتحول إلى نمط متكرر داخل المؤسسة، وهنا تظهر الإشكالية الحقيقية: أن المؤسسات لا تفشل لأنها تفتقر إلى قادة ناعمين، بل لأنها لا تبني ما يجعل هذا السلوك معياراً عاماً، لا اجتهاداً شخصياً.
لفهم هذا التحول، لا بد من الانتقال من النظر إلى السلوك بوصفه “أثراً إنسانياً” إلى اعتباره “بنية تنظيمية”، فالسلوك داخل المؤسسات لا يتشكل من القيم المعلنة فقط، بل من طريقة تعريفه، وكيفية توقعه، ومن ارتباطه بالأنظمة، ومن طبيعة العمل الذي يدعمه أو يتجاوزه، وعندما لا يُعرّف السلوك بشكل واضح، بل يبقى تفسيره فردياً، وعندما لا يُتوقع من الجميع، يبقى ميزة، وعندما لا يُربط بالأنظمة، يبقى خياراً.
فالسلوك لا يصبح نظاماً عندما يُمدح، بل عندما يُعرّف عندما تتحول مفاهيم مثل الاحترام والإنصات إلى ممارسات واضحة، (كيف نختلف؟ متى نعتبر المقاطعة سلوكاً غير مقبول؟ كيف تُدار الاجتماعات؟) عندها فقط ينتقل السلوك من فكرة عامة إلى ممارسة قابلة للتكرار.
في هذا المستوى، لا يعود السلوك الإيجابي مجرد انعكاس لأخلاق القائد، بل يصبح امتداداً مباشراً لطريقة قيادته، فالقيادة الناعمة لا تمارس تأثيرها عبر السلطة الصلبة، بل عبر إنتاج أنماط سلوكية تتكرر داخل العمل حتى تتحول تدريجيًا إلى ثقافة، يبدأ ذلك من سلوكيات التواصل، حين يصغي القائد قبل أن يحكم، ويحترم الرأي المخالف، ويمنح الآخرين مساحة للتعبير، فتتحول طريقة الحوار داخل المؤسسة من ردود فعل متوترة إلى تواصل أكثر اتزاناً، ثم تمتد إلى سلوكيات العمل الجماعي، حين يشجع القائد مشاركة المعرفة، ويمنع احتكار المعلومة، ويربط النجاح بقدرة الأفراد على العمل معاً، لا بقدرة كل فرد على الظهور منفرداً، كما تظهر في السلوكيات القيادية ذاتها، من خلال العدالة في التعامل، والاعتراف بالخطأ، والقدرة على احتواء التوتر، وهي سلوكيات لا تؤثر في الفريق نفسياً فقط، بل تعيد تشكيل الطريقة التي يفهم بها الأفراد معنى القيادة داخل المؤسسة، وهو ما يتقاطع مع ما تشير إليه أدبيات الذكاء العاطفي، وهو ما يعكس طبيعة التأثير السلوكي الذي تقوم عليها القيادة الناعمة.
ولا يتوقف الأمر عند العلاقات اليومية، بل يمتد إلى سلوكيات التعلم المؤسسي واتخاذ القرار، فالقائد الناعم لا يعاقب السؤال، ولا يتعامل مع الخطأ بوصفه تهديداً، بل بوصفه فرصة للفهم والتطوير، ما يخلق بيئة يصبح فيها التعلم جزءً من العمل نفسه، كما أن طريقة اتخاذ القرار تتغير؛ إذ لا يعود القرار تعبيراً عن سلطة فردية، بل نتيجة حوار واستماع ومراجعة، غير أن هذه السلوكيات، مهما بدت إيجابية، تبقى مؤقتة ما لم تتحول إلى بنية تنظيمية واضحة، وهنا تبدأ المؤسسة بتحويلها من سلوك يمارسه القائد إلى نظام يُعاد إنتاجه؛ فتوضع قواعد للحوار، ومعايير للتواصل، وآليات للتغذية الراجعة، وتُربط المشاركة والتعاون والتعلم بمعايير التقييم والترقية، عندها فقط تنتقل السلوكيات من كونها “أثر قائد” إلى كونها “طريقة عمل”، ومن ممارسة مرتبطة بشخص إلى ثقافة تستطيع المؤسسة الحفاظ عليها حتى مع تغير الأشخاص، ويتوافق هذا مع مفهوم المنظمة المتعلمة التي ترى أن استدامة السلوك المؤسسي ترتبط بقدرته على التحول إلى ممارسة تنظيمية قابلة للنقل والتكرار (سنجي، 2006).
ولا يكفي التعريف وحده، بل يجب أن يتحول السلوك إلى توقع جماعي، فالمؤسسة التي تنضج سلوكياً لا ترى الاحترام كصفة لبعض الأفراد، بل كقاعدة يُحاسب عليها الجميع، ولا يصبح السلوك الجيد أمراً يُمدح، بل أمراً يُنتظر، ومن هنا ينتقل ضبط السلوك من القائد إلى الفريق نفسه.
لكن التحول الأعمق يحدث عندما يُربط السلوك بالأنظمة، فعندما يدخل في تقييم الأداء، ويؤثر في الترقية، ويُقاس ضمن معايير النجاح، يتوقف عن كونه خياراً أخلاقياً، ويصبح جزءً من القرار المؤسسي، وهو ما تؤكده أدبيات السلوك التنظيمي التي ترى أن استدامة السلوك داخل المؤسسات تعتمد على ربطه بالأنظمة لا بالقيم فقط.
ثم يأتي مستوى أكثر تعقيداً، وهو تصميم العمل ذاته، فالسلوك الحقيقي لا يُختبر في الظروف المثالية، بل في لحظات الضغط، وعندما يُبنى العمل بحيث يعتمد الأفراد على بعضهم البعض، وتصبح المعرفة مشتركة، والقرارات مترابطة، فإن السلوك التعاوني والاحترام المتبادل لا يعودان خياراً، بل ضرورة يفرضها النظام، ويصبح السلوك جزء من الذاكرة المؤسسية، من خلال توثيقه، ودراسته، ونقله، وممارسته بشكل مستمر، حتى يصبح بديهياً، عندها لا يعود السلوك مرتبطاً بشخص، بل يصبح جزءً من هوية المكان.
وفي هذا السياق، يتقاطع هذا الفهم مع مفهوم “المنظمة المتعلمة”، الذي يرى أن السلوك لا يستمر إلا إذا أصبح جزءً من بنية التعلم المؤسسي، وليس مجرد ممارسة فردية.
وتتجلى هذه الإشكالية بوضوح في تجربة (Uber) خلال مرحلة تأسيسها ونموها السريع قبل عام 2017، حيث تمت قيادة الشركة بأسلوب حاسم وفعّال في تحقيق التوسع، لكن البيئة الداخلية كشفت عن اختلالات سلوكية عميقة لم تكن عارضة، بل ناتجة عن غياب تصميم واضح للسلوك داخل المؤسسة، فقد أظهرت الشهادات الداخلية أن السلوكيات اليومية، (من طريقة إدارة الاجتماعات، إلى أسلوب اتخاذ القرار، إلى شكل العلاقة بين الفرق)، لم تكن محكومة بمعايير واضحة، بل خاضعة لاجتهادات فردية، وفي كثير من الأحيان لتوازنات القوة داخل العمل.
ومع غياب هذا الإطار، لم يكن السلوك السلبي مجرد حالات فردية، بل أصبح نمطاً يتكرر، لأن النظام لم يكن يمنعه، وكانت النتيجة بيئة عمل مضطربة، ضعفاً في الثقة، وتصاعداً في الأزمات، انتهت بإعادة بناء الثقافة من جديد، ولم يكن هذا التحليل انطباعياً، بل وثّقته مراجعة داخلية مستقلة كشفت عن غياب الأطر السلوكية المنظمة داخل الشركة، وهنا يظهر أن السلوك الجيد لا ينهار لأنه ضعيف، بل لأنه لم يُصمَّم ليبقى.
في المقابل، يظهر التميز السلوكي عندما تتحول القيم إلى بنية قابلة للتطبيق، كما يتجلى في تجربة (Microsoft) بعد عام 2014 بقيادة Nadella، حيث لم يقتصر التغيير على أسلوب القيادة، بل شمل إعادة تصميم السلوك داخل المؤسسة كجزء من نظام العمل، وهو ما تمت الاشارة إليه للتحول الثقافي الذي قادته الشركة .
هذا التحول لم يكن ثقافياً فقط، بل بنيوياً، إذ أُعيد تصميم العمل بحيث يدعم التعاون، ويشجع تبادل المعرفة، ويجعل نجاح الفرد مرتبطاً بقدرته على تمكين الآخرين، ويتقاطع هذا مع مفهوم الأمان النفسي، الذي يشير إلى أن الأفراد يكونون أكثر قدرة على الإبداع والمشاركة عندما يشعرون بأن بيئة العمل آمنة للتعبير والتجربة.
وكانت النتيجة بيئة أكثر استقراراً، وثقة أعلى، وابتكاراً أسرع، واستعادة لمكانة الشركة عالمياً، ليس لأن القائد تغيّر فقط، بل لأن السلوك أصبح جزءً من النظام.
وبين نموذج (Uber) الذي تُرك فيه السلوك للاجتهاد الفردي، ونموذج (Microsoft) الذي حوّل السلوك إلى نظام، يتضح أن الفارق لا يكمن في جودة القائد، بل في قدرة المؤسسة على تحويل السلوك إلى بنية تعمل بمعزل عن الأشخاص.
ومن هنا، لا يمكن النظر إلى القيادة الناعمة والتميز السلوكي بوصفهما خيارين، بل مرحلتين، فالقيادة الناعمة تفتح الباب لسلوك إنساني أفضل، لكنها لا تكفي لضمان استمراره، بينما التميز السلوكي يحول هذا السلوك إلى قاعدة عمل، وإلى نظام يعيد إنتاج نفسه.
ومع تعقّد البيئات التنظيمية، لم يعد كافياً أن يكون القائد جيداً، بل أصبح من الضروري أن تُبنى المؤسسات بحيث تجعل هذا “الجيد” قابلاً للاستمرار، وهنا لا يعود السلوك ميزة فردية، بل يتحول إلى نظام، ولا تعود القيادة مجرد تأثير، بل قدرة على بناء ما يستمر بعد التأثير.
وهنا تتحقق النقلة الحاسمة: ليس حين يصبح القائد أكثر تأثيراً، بل حين تصبح المؤسسة قادرة على العمل بالسلوك نفسه، حتى في غيابه.
هاشتاك
القيادة الناعمة، التميز السلوكي، السلوك التنظيمي، الثقافة المؤسسية، القيادة الانسانية، الذكاء العاطفي، الأمان النفسي، المعايير التنظيمية، التوقعات السلوكية، ثقافة العمل، التحول الثقافي، الأزمات التنظيمية، التميز المؤسسي، النضج التنظيمي، التحول المؤسسي، (Uber)، (Microsoft).
(*) د. أنيس رزوق
أكاديمي ومستشار قيادي في التخطيط الاستراتيجي والتميز المؤسسي.
عميد كلية الحوسبة والأعمال، وأستاذاً مساعداً بجامعة العلوم الإبداعية، سابقاً، مستشاراً في تخطيط استراتيجيات الجودة والتميز، ومقيّماً معتمداً في نموذج التميز المؤسسيEFQM، خبرة متقدمة في الحوكمة، واستراتيجيات القوة الناعمة، وصناعة سيناريوهات المستقبل، وإدارة مراكز إسعاد المتعاملين (STAR 7)، خبير ومحكّم معتمد في دولة الإمارات العربية المتحدة، وزميل الأكاديمية البريطانية في مجال التميز المؤسسي.
المراجع:
1. السالم، خالد (2020)، السلوك التنظيمي وبناء ثقافة العمل، الرياض: مكتبة العبيكان
2. جولمان، دانيال (2000)، الذكاء العاطفي، (ترجمة مكتبة جرير)، الرياض: مكتبة جرير
3. سنجي، بيتر (2006)، المنظمة المتعلمة: فن وممارسة المنظمة المتعلمة، (ترجمة: طلعت الشايب)، القاهرة: دارة المهضة العربية.
4. Holder, E. H. (2017). Report to the Board of Directors of Uber Technologies Inc.
5. Nadella, S. (2017). Hit Refresh.
6. Schein, E. H., & Bennis, W. G. (1965). Personal and organizational change through group methods.
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز