“الأثاب” منارة الحياة في مرتفعات اليمن
شبكة بيئة ابوظبي، بقلم عبد الغني درهم اليوسفي، باحث في الشؤون البيئية والمناخية، جمهورية اليمن، 06 أغسطس 2025
الفصل الـرابع: شجرة “الأثاب” الأثبة”: حارسة الأسرار وذاكرة الأجيال
روايات وشهادات حية من ذاكرة سكان القرية: قلب هذه الدراسة ومحورها (الجديد)، في قلب جبال السياني الشامخة باليمن، حيث تتشابك خيوط التاريخ بالطبيعة، كانت تقف شجرة “الأثاب” شامخة، كحارسة أزلية تحرس أسرار القرية. لم تكن مجرد شجرة، بل كانت رمزًا للحياة والصمود في وجه قسوة الطبيعة، وأمًا حنونًا احتضنت أجيالًا وأجيالًا. كانت أوراقها الخضراء تهمس مع نسيم الريح حكايات الماضي والحاضر، بينما كانت جذورها الضاربة في الأرض تتشابك مع جذور تاريخ قرية “إيهار” بأكملها.
ولكن مع مرور الزمن وتغير أنماط الحياة، بدأت هذه الشجرة تواجه تهديدًا وجوديًا. وفي يوم مشؤوم، تم قطعها، وحُرمت القرية من ظلها وحياتها، لتصبح حكايتها شاهدًا حيًا على التغيرات المؤلمة التي طالت الإنسان والمكان، وتذكيرًا بأن تدمير البيئة يعني بتر جزء من الذاكرة والوجود.
الروايات الشعبية اليمنية: روايات من ذاكرة قرية “إيهار”: نبض الدراسة ومحورها
يستمد هذا التقرير نبضه وحياته من شهادات حية، يرويها من عاشوا تحت ظلالها، ليُعيدوا رسم ملامح تلك الحقبة الذهبية التي انطوت. هذه الروايات هي القلب النابض الذي يكشف قيمة الشجرة وأثر غيابها.
4.1. الأثاب: الأثبة في قلب القرية ومساحات الحياة
يصف المحامي أحمد عبد القوي اليوسفي شجرة “الأثاب” في وسط قرية إيهار بأنها كانت تتكون من سبع شجرات متصلة، يبلغ ارتفاعها ما بين 10 و20 مترًا، وتتميز بظلها الوارف وأوراقها الخضراء. كانت الشجرة مركزًا اجتماعيًا متعدد الأغراض، فكانت مكانًا للاستظلال والراحة، وملتقىً للاجتماعات والمناسبات، ومتنفسًا للأطفال والشباب للعب. ولم تقتصر فوائدها على ذلك، بل كانت منارة للعلم، حيث استخدم فقهاء الكتاتيب ظلها لتعليم الأطفال والشباب القرآن الكريم وعلومه، كما كانت ملتقىً لشباب القرية لتدريب أنفسهم على صيد الطيور باستخدام “مقلاع الحجر”. ويضيف أن الشجرة كانت موطنًا لأكثر من 500 طير على مدار اليوم..
4.2. ظل الأثاب: حكاية قرية في ذكريات أجيال:
ظل الأثاب: حكاية قرية في ذاكرة رجل
يتحدث العميد سعيد عبد القوي اليوسفي، وقد تجاوز الثمانين من عمره، بقلب يمتلئ حنينًا وشوقًا إلى زمن مضى. يسترجع ذكرياته تحت شجرة “الأثبة” التي كانت تقف شامخة في وسط قرية “إيهار”. لم تكن تلك الشجرة مجرد نبات، بل كانت ملتقىً للأجيال، وذاكرة حية حُفرت في قلوب من عاصروها.
بصوت يحمل نبرة الماضي، يصف كيف كانت أغصانها المتدلية مكانًا للتسلية، فيقول: “كان الأطفال من جيلي ومن قبلنا يستظلون بظلها في وقت الظهيرة. وإذا انسلخ فرع من فروعها فتدلى إلى الأسفل، كنا نتمرجح عليه. وفي أيام الأعياد، كنا نذبح أضاحينا تحت ظلها الواسع، ونفرش أعشابها لنضع عليها أكوام اللحم.” كانت الشجرة ملتقىً للفرح والعمل، حيث كانت توفر الملاذ للناس والحيوانات على حد سواء.
أما “أثبة فقرة الأعدان”، فكانت لها قصة أخرى. كانت محطة استراحة لكل من يذهب ويعود من عمله. ويتذكر العميد سعيد كيف كان جده محمد عثمان، رحمه الله، يعود من عمله “النظامي” مشيًا على الأقدام، فيستريح تحت ظلها وينادي جدته بصوت عالٍ لتجهيز الشاي. وإذا لم تسمعه، كان يخرج “الشولة السويدي” (موقد الكيروسين) ويقوم بتعبئتها بنفسه، ثم يجهز الشاي على لهبها الأزرق المصحوب بصوتها غير المألوف للجميع. كان الأطفال ينظرون بانبهار إلى هذا “الجهاز المعقد”، ويجلسون في شوق بانتظار نصيبهم من الشاي، قائلين في أنفسهم: “والله لما أكبر، سوف أشرب إلا ‘كتلي’ (إبريق) بمفردي!”. تعويض وتمتع.
لم يقتصر دور الشجرة على ذلك، فقد كانت أيضًا منارة للعلم والتعلم. فكانوا يمحون ألواحهم تحتها بعد قراءة القرآن على يد “سيدنا “المعلم ” علي غالب. مدرسة الكتاتيب. وفي أيام الجفاف، كان سيدنا يكتب “تسقيه” (دعاء لطلب المطر) استمطار، ويلصقها أعلى الأثبة، وبجوارها “كريف” تتجمع فيه مياه الأمطار لتشرب منه المواشي والحيوانات السائبة. كانت الشجرة محطةً للمسافرين ولأولئك الذين ينقلون محاصيلهم من الحقول إلى البيوت، فكانت بمثابة استراحة لهم من عناء السفر والعمل.
إن حكاية “الأثبة” ليست مجرد ذكريات لرجل مسن، بل هي قصة قرية بأكملها. قصة تروي كيف كانت شجرة واحدة تمثل مركزًا للحياة، تجمع بين عبادة الله، وطلب العلم، وممارسة العادات الاجتماعية، للكبار. ويلعب الأطفال تحتها في النهار لعية” رأسوس بنت الطويل والحادي “ولعبة الشوكة، ولعبة الكبوش ” ومنهم من يمارس مهنة قنص الطيور. وفي المساء وايام المقمرة التي بها ضوء القمر يمارسون عدد من الألعاب منها لعبة (قمر قمر وعادة) ولعبة سلسله وحجاني) وتوفير الأمل. إنها شهادة حية على العلاقة العميقة والمنسجمة التي كانت تربط الإنسان ببيئته قبل أن يغير الزمن وجه الحياة إلى الأبد.
4.3. أشجار الطفولة وانقراض السعادة:
رواية كتبها الاستاذ عبد السلام عبد القوي في 16سبتمبر 2024 استشهدا في يوم الخميس 26سبتمبر 2024 رحمة الله علية وقيل إنها راجعها قبل ثلاث أيام من رحيله رحمة الله عليه لنصنع من هذه الذكريات لوحة فنية بكلمات مؤثرة:
روايتي عن الاثبة والطولقة…على طريق المدرسة. “في أعماق الاودة وادي الأزارق وادي حبيل الكور من مفاسح طولقة (جرامعة)، حيث تلتقي عزيمة الصغار بقسوة الطبيعة، وعلى طريق المدرسة الحيدة “مدرسة النصر بالمرفدين ” التي كانت شاهدة على عطش العقول إلى المعرفة. كان الطلاب يأتونها من كل حدب وصوب، يسيرون على أقدامهم لمسافات شاسعة، متغلبين على كل الصعاب، فالشوق إلى العلم كان أقوى من كل عائق.
عند مغيب الشمس، ومع حرارة الصيف الحارقة، لكن خضرة الأوراق، وعبق النسيم.
“يروي الأستاذ عبد السلام عبد القوي قصته المؤثرة عن شجرة “طولقة” التي كانت تقف شامخة على طريق مدرسة النصر بالمرفدين، وهي قصة عن “أشجار الطفولة وانقراض السعادة”. يصف الشجرة بأنها لم تكن مجرد مكان للراحة، بل كانت “رمزًا للأمل والحياة” و”أمًا حنونة” تحتضن الطلاب الذين كانوا يتحدون قسوة الطبيعة للوصول إلى العلم. جذعها الواسع وارتفاعها الشامخ الذي يزيد عن خمسين مترًا كانا شاهدين على مرور الزمن وأحلام أجيال عديدة، وكانت ملتقى لتعليم القرآن ومحطة للمسافرين على طرق التجارة القديمة والحديثة.
يختتم عبد السلام روايته بتساؤلات مؤلمة: “هل نسينا قيمة العلم والمعرفة؟ وهل فقدنا أهمية الشجر في حياتنا؟ وهل أصبحت ذكراها مجرد ذكرى مؤلمة بعد محاولات التملك بها والسطو عليها؟”. إن هذه التساؤلات ليست مجرد كلمات، بل هي صرخة لإنقاذ ما تبقى من تاريخنا وذاكرتنا الطبيعية، وتأكيد على أن حماية هذه الأشجار هي حماية لهويتنا ووجودنا.
تُعد قصة شجرتا” الأثبة و “طولقة” نموذجًا حيًا على أهمية البيئة في تشكيل الذاكرة والوعي، فكما احتضنت الطلاب الباحثين عن العلم، احتضنت أيضًا أحلامهم وطموحاتهم. كانت نقطة التقاء بين الجغرافيا والتاريخ، حيث كانت الشجرة بمثابة منارة توجه المسافرين، ومصدر إلهام يُلهم الشعراء، ورمزًا للصمود في وجه التحديات. إن رحيلها لم يكن مجرد فقدان لأوراق وأغصان، بل سوف يكون فقدانًا لـ”أم” احتضنت أجيالًا، وشاهداً على حقبة زمنية كان فيها الإنسان والبيئة نسيجًا واحدًا. إنها قصة تذكّرنا بأن التراث الطبيعي هو جزء من الهوية، وأن الحفاظ عليه هو واجب وطني وإنساني. وبيئي واجتماعي تحرمه الاتفاقيات الدولية وتجرمه القوانين اليمنية.
الفصل الـخامس: الحماية القانونية -والخلاصة والتوصيات – نداء لإنقاذ ما تبقى.
قصص الأثاب والطولقة في مديرية السياني بمحافظة إب ليست مجرد سرديات محلية، بل هي دراسات حالة تُقدم نموذجًا حيًا للعلاقة المعقدة بين الإنسان والبيئة. هذه القصص تُظهر بوضوح أن أي تدخل بشري غير مدروس في النظم البيئية يُحدث سلسلة من التداعيات السلبية التي تُغير وجه الحياة والمجتمع للأبد.
5.1. الحماية الدستورية والقانونية والقضائية: في 13 يونيو 1992، وقعت اليمن على اتفاقية التنوع البيولوجي في مؤتمر الأمم المتحدة للبيئة والتنمية. وتُعد موارد التنوع البيولوجي هي الركائز التي تُبنى عليها الحضارات، وفقدانها هو خسارة للبشرية جمعاء.
إن قصة شجرة “الأثاب” ليست مجرد حكاية محلية؛ بل هي دراسة حالة تُقدم نموذجًا حيًا للعلاقة المعقدة بين الإنسان والبيئة. هذه القصة تؤكد أن أي تدخل غير مسؤول في النظم البيئية له عواقب وخيمة لا تقتصر على الطبيعة وحدها، بل تمتد لتشمل نسيج المجتمع وهويته [3].
5.2. الاستنتاجات:
١-التدمير البيئي يولد أزمات مجتمعية: أدى قطع الشجرة إلى تدهور بيئي ومناخي، وتسبب في أزمات اقتصادية وهجرة، مما يؤكد أن حماية البيئة ليست ترفًا، بل هي أساس استقرار المجتمع.
٢-التراث الطبيعي هوية وطنية: إن أشجار مثل الأثاب والطولقة هي جزء من التراث اليمني، وحمايتها مسؤولية وطنية [20].
5.3. التوصيات:
١-تفعيل القوانين: يجب على السلطات المحلية تفعيل القوانين والتشريعات التي تحمي الأشجار المعمرة، ومعاقبة المعتدين [3].
٢-الوعي البيئي: إطلاق حملات توعية إعلامية وميدانية تستهدف الأفراد والمؤسسات، وإدراج قصص وتجارب مثل قصة الأثاب والطولقة في المناهج الدراسية [6].
٣-التوثيق: تشجيع الباحثين والمثقفين على توثيق القصص المحلية، والأهمية البيئية والثقافية للأشجار المعمرة [1].
5.4. خاتمة: نداء من قلب اليمن إلى كل اليمن والعالم
إن قصة شجرة “الأثاب” ليست مجرد حكاية محلية من قرية “إيهار” في جبال السياني؛ بل هي مرآة تعكس العلاقة المعقدة بين الإنسان والبيئة في كل مكان. لقد كانت هذه الشجرة رمزًا للحياة، والتعليم، والتراث، وملتقىً للأجيال، وشاهدًا على تاريخ حافل بالانسجام مع الطبيعة.
لكن رحيلها في عام 1967 لم يكن مجرد فقدان لشجرة، بل كان بداية لسلسلة من التداعيات البيئية والمجتمعية التي أدت إلى تدهور المناخ، وتفاقم أزمة المياه، وهجرة السكان. هذه القصة تؤكد أن أي تدخل غير مسؤول في النظم البيئية له عواقب وخيمة لا تقتصر على الطبيعة وحدها، بل تمتد لتشمل نسيج المجتمع وهويته.
لذلك، فإن حماية التراث الطبيعي، مثل أشجار الأثاب والطولقة، ليست ترفًا بيئيًا، بل هي مسؤولية وطنية وإنسانية تقع على عاتق الجميع. يجب علينا أن نتحرك لغرس الوعي بأهمية هذه الكنوز الطبيعية، وتفعيل القوانين التي تحميها، وتشجيع الأجيال القادمة على تقدير قيمة الأرض التي ننتمي إليها. ففي كل شجرة تُقطع، نفقد جزءًا من ذاكرتنا، وفي كل بذرة نزرعها، نُعيد إحياء الأمل في مستقبل أكثر استدامة.
الـمراجـــع:
13. Al-Yousifi, Abdulghani Dirham. (2025). “The Athab’s Shade: A Story of a Village and its Trees,” Abu Dhabi Environment Network website.
14. Al-Yousifi, Abdulghani Dirham. (2025). “From the Athab to the Desert: An Environmental Tale,” narrative of Brigadier General Saeed Abdul Qawi Al-Yousifi.
15. Food and Agriculture Organization (FAO). (2023). Report on “Ancient Trees and their Role in Ecosystems.”
16. Al-Yousifi, Abdulghani Dirham. (2025). “The Athab Tree: A Witness to Time.”
17. Al-Yousifi, Abdulghani Dirham. (2025). “Naming and Definitions.”
18. Al-Yousifi, Abdulghani Dirham. (2025). “Trees of Childhood and the Extinction of Happiness,” narrative of Abdul Salam Abdul Qawi.
19. Al-Yousifi, Abdulghani Dirham. (2025). “The Village’s Life After the Tree Was Uprooted.”
20. National Geographic. (2022). “The Role of Roots in Soil Stabilization.”
21. Global Botanical Encyclopedia. (2024). “Ficus Genus.”
22. Reports of the Yemeni Water Resources Authority. (2020). “Rainfall and Flood Levels in Ibb Governorate.”
23. Reports of the Food and Agriculture Organization (FAO) in Yemen. (2022). “The Impact of Vegetation Removal on Agricultural Production.”
24. List of Local Yemeni Trees. (2021). “Tree Species in the Yemeni Highlands.”
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز