شبكة بيئة ابوظبي، د. طارق قابيل (*)، القاهرة، جمهورية مصر العربية، 11 أغسطس 2025
لم يعد التغير المناخي مجرد تهديد مستقبلي بعيد المدى يُناقش في المؤتمرات الدولية، بل أصبح واقعًا ملموسًا يُترجم يوميًا إلى أرقام اقتصادية وخسائر فادحة تُثقل كاهل الميزانيات الوطنية. وأطلعت مؤخرا على تقرير “مؤشر مخاطر المناخ لعام 2025” الصادر عن منظمة “جيرمان واتش” وهي منظمة غير حكومية ألمانية مستقلة وغير ربحية، الذي يؤكد هذه الحقيقة بوضوح تام، مقدماً دليلاً دامغاً على أن الكوارث المناخية لم تعد “أحداثاً نادرة”، بل أصبحت تكاليف سنوية متجذرة في صلب الاقتصادات.
إن القراءة المتأنية لنتائج التقرير تكشف عن تحول جذري في كيفية فهمنا للمخاطر المناخية. فبينما كانت تُصنف في السابق ضمن المخاطر البيئية، باتت اليوم تُشكل “مخاطر سيادية” تُؤثر بشكل مباشر على التصنيف الائتماني للدول، وثقة المستثمرين، وحتى القدرة التنافسية في الأسواق العالمية.
هذا التقرير هو بمثابة جرس إنذار يُنبه صناع القرار في مختلف أنحاء العالم، وخاصة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (MENA)، إلى أن تكلفة التقاعس عن التكيف مع المناخ تفوق بكثير تكلفة الاستثمار في المرونة.
أرقام صادمة من منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا
يُسلط التقرير الذي أصدرته منظمة “جيرمان واتش” الضوء على الأثر المباشر والصادم للتغيرات المناخية على دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وجدير بالذكر أن منظمة “جيرمان واتش ” (Germanwatch) تأسست في عام 1991 وتعمل على قضايا تغير المناخ والعدالة العالمية. وتهدف المنظمة إلى مراقبة سياسات المناخ، وتحليل وتقييم سياسات الدول الصناعية بشأن التغير المناخي والبيئة. كما تهدف لتحقيق العدالة المناخية، والدفاع عن حقوق الدول النامية والأكثر فقراً والتي تتأثر بشكل أكبر بالتغيرات المناخية، على الرغم من مساهمتها القليلة في الانبعاثات. والزراعة المستدامة عن طريق دعم الممارسات الزراعية التي تُقلل من التأثير البيئي وتُعزز الأمن الغذائي. والتجارة العادلة عن طريق تعزيز التجارة التي تراعي الحقوق الاجتماعية والبيئية. وتوعية الجمهور من خلال نشر الوعي حول قضايا المناخ والعدالة العالمية من خلال التقارير والدراسات.
تُعرف المنظمة بشكل خاص بتقريرها السنوي: “مؤشر مخاطر المناخ”، (Climate Risk Index – CRI)، هذا التقرير يُحلل تأثير الأحداث المناخية المتطرفة (مثل العواصف والفيضانات وموجات الحر) على الدول المختلفة، ويُصنفها بناءً على الخسائر البشرية والاقتصادية. يُعد التقرير أداة مرجعية مهمة لصناع القرار والباحثين في جميع أنحاء العالم.
وبحسب التقرير فأن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا حققت أرقام صادمة في الفترة الأخير، وجاءت بيانها كالتالي:
جمهورية مصر العربية:
جاءت ضمن قائمة أكثر 30 دولة تضرراً، حيث بلغت خسائرها المناخية المباشرة 2.1 مليار دولار في عام واحد، نتيجة موجات الحر الشديد والسيول المفاجئة. هذه الخسائر ليست مجرد إحصاءات، بل هي عجز حقيقي في الميزانية يُؤثر على قدرة الدولة على تنفيذ مشاريع التنمية وتقديم الخدمات الأساسية.
المملكة العربية السعودية:
شهدت زيادة بنسبة 23% في عدد أيام الموجات الحارة منذ عام 2010. هذا الارتفاع ليس مجرد ارتفاع في درجات الحرارة، بل هو ضغط متزايد على شبكات الكهرباء نتيجة الطلب المتصاعد على التبريد، مما يُهدد استقرار الشبكة ويُؤثر على الإنتاجية الاقتصادية.
المملكة المغربية:
عانى القطاع الزراعي، الذي يُعد عصب الاقتصاد المغربي، من انخفاض في الإنتاج بنسبة 11% بسبب موجات الجفاف الشديدة. هذه الخسارة تُترجم إلى تراجع في الناتج المحلي الإجمالي، وتأثر مباشر على سبل عيش الملايين من المزارعين.
سلطنة عمان والإمارات العربية المتحدة:
أدت الأمطار الغزيرة غير المسبوقة إلى تعطيل البنية التحتية، وتعطيل التجارة، وخسائر مادية جسيمة، مما يُظهر أن دول الخليج، التي لطالما اعتُبرت بمنأى عن هذه الكوارث، ليست محصنة من آثار التغير المناخي.
حقائق يجب مواجهتها
يقدم التقرير ثلاث حقائق أساسية لا يمكن تجاهلها في عام 2025:
1. ميزانيات التكيف ليست ترفًا: لم تعد ميزانيات التكيف مع المناخ بندًا ثانويًا يمكن تأجيله. لقد أصبحت “صمام أمان اقتصادي” ضروريًا لحماية الأصول الوطنية، وضمان استمرارية الأعمال، وتفادي الخسائر الكبرى.
2. البنية التحتية المرنة وأنظمة الإنذار المبكر: الدول التي تمتلك أنظمة إنذار مبكر فعالة وبنية تحتية قادرة على الصمود في وجه الصدمات المناخية هي الأسرع في التعافي. هذه الاستثمارات هي استثمارات في الأمن القومي الاقتصادي، وليست مجرد مشاريع هندسية.
3. السوق يُكافئ الجاهزين ويُعاقب المتخاذلين: لقد بدأت الأسواق العالمية في تسعير المخاطر المناخية. سيُكافئ المستثمرون والشركاء التجاريون الاقتصادات التي تُظهر مرونة في مواجهة المناخ، بينما سيُعاقبون الاقتصادات الأخرى بخسارة الأسواق وفرص الاستثمار.
من ملف بيئي إلى استراتيجية سيادية
إن التحدي الحقيقي الذي يُواجه منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا اليوم هو كيفية تحويل “المرونة المناخية” من مجرد ملف بيئي يُناقشه المختصون، إلى استراتيجية اقتصادية وسيادية شاملة تُتبنى على أعلى المستويات. إن تجاهل هذه الحقيقة اليوم يُعادل كتابة شهادة الوفاة الاقتصادية ببطء. السؤال لم يعد ما إذا كنا سنواجه التغير المناخي، بل هل سنكون جاهزين عندما تأتي الفاتورة؟ الإجابة على هذا السؤال هي التي ستُحدد مصير اقتصادات المنطقة في العقود القادمة.
أرقام صادمة: الأثر الاقتصادي المباشر للتغير المناخي على المستوى العالمي
يقدم تقرير “مؤشر مخاطر المناخ لعام 2025” صورة أوسع وأكثر إثارة للقلق على المستوى العالمي. إن الأرقام والإحصاءات التي يستعرضها التقرير تُسلط الضوء على عمق الأزمة وتُثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن الخسائر المناخية هي تحدٍ عالمي يتطلب استجابة منسقة.
ويُظهر التقرير أن التداعيات الاقتصادية والبشرية للتغير المناخي تراكمت على مدار عقود لتصل إلى مستويات غير مسبوقة. من أبرز هذه النتائج:
● الخسائر الاقتصادية: على مدى الفترة من 1993 إلى 2022، بلغت الخسائر الاقتصادية المباشرة الناجمة عن الكوارث المناخية حوالي 4.2 تريليون دولار أمريكي (معدلة حسب التضخم). هذا المبلغ الضخم يُمثل استنزافاً هائلاً للثروات الوطنية ويُعيق التنمية المستدامة في العديد من الدول.
● الخسائر البشرية: خلال نفس الفترة، فقد أكثر من 765,000 شخص حياتهم بسبب أكثر من 9400 حدث مناخي متطرف. هذه الأرقام تُبرز البُعد الإنساني للأزمة وتُؤكد أن الفئات الأكثر ضعفاً هي الأكثر عرضة للخطر.
تصنيف الدول الأكثر تضرراً
يقيس مؤشر مخاطر المناخ (CRI) مدى تأثر الدول بالأحداث المناخية المتطرفة، مع الأخذ في الاعتبار الخسائر الاقتصادية والبشرية. كلما كانت درجة المؤشر أعلى، زاد تأثر الدولة. يوضح التقرير أن الدول النامية والفقيرة هي الأكثر تضرراً، حيث تُظهر ضعفاً في البنية التحتية والقدرة على التكيف.
وفقاً لتصنيف التقرير لعام 2022 (البيانات المتاحة للتقرير لعام 2025):
1. دومينيكا: احتلت الصدارة كأكثر دولة تأثراً بدرجة مؤشر بلغت 56.71.
2. الصين: جاءت في المرتبة الثانية بدرجة 31.32، مما يُظهر أن حتى القوى الاقتصادية الكبرى ليست بمنأى عن الأضرار.
3. هندوراس: في المركز الثالث بدرجة 29.58.
4. ميانمار: في المركز الرابع بدرجة 28.46.
5. إيطاليا: في المركز الخامس بدرجة 25.30، مما يُشير إلى أن الدول الأوروبية المتقدمة تواجه أيضاً تحديات كبيرة.
6. الهند: في المركز السادس بدرجة 20.64.
7. اليونان: في المركز السابع بدرجة 20.20.
8. إسبانيا: في المركز الثامن بدرجة 19.81.
9. فانواتو: في المركز التاسع بدرجة 19.10.
10. الفلبين: في المركز العاشر بدرجة 18.74.
توزيع الخسائر الاقتصادية حسب نوع الكارثة
يُحلل التقرير أيضاً أنواع الكوارث المناخية التي تسببت في الخسائر الاقتصادية الأكبر. يُظهر هذا التحليل أن بعض الأحداث أكثر تكلفة من غيرها على المستوى العالمي:
العواصف:
تُعتبر العواصف السبب الأكبر للخسائر، حيث تُمثل 56.5% من إجمالي الخسائر الاقتصادية العالمية. وهذا يشمل الأعاصير والزوابع والعواصف الرملية التي تُدمر البنية التحتية والممتلكات.
الفيضانات:
في المرتبة الثانية، وتُمثل 32.3% من الخسائر. تشمل فيضانات الأنهار، والسيول الجارفة، والفيضانات الساحلية.
الجفاف:
على الرغم من أن تأثيره قد يكون أقل وضوحاً في البداية، إلا أنه يُمثل 6.6% من الخسائر، مع تأثيرات طويلة الأجل على الأمن الغذائي والاقتصاد الزراعي.
حرائق الغابات:
تُشكل 3.9% من الخسائر، وتتسبب في دمار واسع للمساحات الطبيعية والمناطق السكنية.
موجات الحر:
تُعد الأقل من حيث الخسائر المباشرة وتُمثل 0.7%، لكن تأثيرها غير المباشر على الإنتاجية والصحة العامة وضغط الشبكات الكهربائية كبير جداً.
توصيات
يُؤكد تقرير “مؤشر مخاطر المناخ لعام 2025” أن المخاطر المناخية لم تعد ترفاً فكرياً أو تحدياً بيئياً يمكن تجاهله. إن الأرقام الصادمة للخسائر الاقتصادية والبشرية تُقدم دليلاً قاطعاً على أن الدول التي لا تبني استراتيجياتها الاقتصادية على أساس المرونة المناخية ستدفع الثمن غالياً في صورة خسارة أسواق وفرص استثمار، وتراجع في التصنيف الائتماني، وتهديد مباشر لاستقرارها.
بناءً على نتائج هذا التقرير، يوصى بالآتي:
1. الاستثمار الاستباقي: يجب تحويل ميزانيات التكيف مع المناخ من بند ثانوي إلى استثمار استراتيجي في البنية التحتية المرنة، مثل أنظمة الصرف الصحي المتقدمة، والسدود، وشبكات الكهرباء القادرة على تحمل الضغط.
2. تطوير أنظمة الإنذار المبكر: الدول الأكثر قدرة على التعافي هي تلك التي تستخدم أنظمة إنذار مبكر فعالة. يجب الاستثمار في التكنولوجيا المتقدمة للرصد والتنبؤ بالظواهر الجوية المتطرفة لتقليل الخسائر البشرية والاقتصادية.
3. دمج المرونة المناخية في السياسات الاقتصادية: يجب أن تصبح المرونة المناخية جزءاً لا يتجزأ من كل قرار اقتصادي، من التخطيط العمراني إلى سياسات الأمن الغذائي.
4. التعاون الإقليمي والدولي: نظراً للطبيعة العابرة للحدود للتغير المناخي، فإن التعاون الإقليمي والدولي في تبادل المعرفة والخبرات والتمويل هو أمر ضروري لتعزيز القدرة الجماعية على الصمود.
دعوة للعمل
يُؤكد التقرير أن المخاطر المناخية ليست مجرد ظاهرة طبيعية، بل هي نتيجة مباشرة لتراكم الانبعاثات الكربونية. إن الإحصاءات العالمية تُسلط الضوء على الحاجة المُلحة ليس فقط لتخفيف الانبعاثات، بل أيضاً لبناء مجتمعات واقتصادات أكثر مرونة وقدرة على الصمود في وجه الصدمات المستقبلية.
إن الاستثمار في البنية التحتية المرنة، وتطوير أنظمة الإنذار المبكر، وتخصيص ميزانيات كافية للتكيف، لم تعد مجرد خيارات سياسية، بل هي استراتيجيات حتمية لضمان الاستقرار الاقتصادي والسيادي على المدى الطويل، سواء في الدول الغنية أو الفقيرة.
إن السؤال لم يعد “هل نواجه التغير المناخي؟”، بل “هل سنكون جاهزين؟”. إن الإجابة على هذا السؤال اليوم ستحدد مصير الاقتصادات والمجتمعات في العقود القادمة.
الكاتب: د. طارق قابيل
– أكاديمي، خبير التقنية الحيوية، كاتب ومحرر ومترجم علمي، ومستشار في الصحافة العلمية والتواصل العلمي.
– أستاذ جامعي متفرغ، وعضو هيئة التدريس بقسم التقنية الحيوية – كلية العلوم – جامعة القاهرة.
– مقرر لجنة الآداب والفنون والعلوم الاجتماعية والثقافة العلمية والدراسات الاستراتيجية ومؤشرات العلوم والتكنولوجي، وزميل أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، وزارة التعليم العالي – مصر.
– أمين مجلس بحوث الثقافة والمعرفة، أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، وزارة التعليم العالي – مصر.
– الباحث الرئيسي لمشروع خارطة طريق “مستقبل التواصل العلمي في مصر ودوره في الاعلام العلمي”، أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، مصر.
– السفير الإقليمي للاقتصاد الدائري والمواد المستدامة لمنظمة “سستينابلتي جلوبال” (Sustainability Global)، فينا، النمسا.
– عضو المجموعة الاستشارية العربية للعلوم والتكنولوجيا، التابعة للمكتب الإقليمي للأمم المتحدة للحد من مخاطر الكوارث للدول العربية.
https://orcid.org/0000-0002-2213-8911
http://scholar.cu.edu.eg/tkapiel
tkapiel@sci.cu.edu.eg
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز