شبكة بيئة ابوظبي، د. طارق قابيل (*)، القاهرة، جمهورية مصر العربية، 26 أغسطس 2026
يُعدّ الذكاء الاصطناعي، أو “AI” (Artificial Intelligence) كما يُعرف اختصارًا، محركًا أساسيًا للثورة التكنولوجية الحديثة. مع تغلغله في حياتنا اليومية، يبرز تساؤل مهم حول أثره البيئي، خاصةً فيما يتعلق بـاستهلاك الطاقة وانبعاثات الكربون. فبينما يتجه العالم نحو الطاقة المتجددة، تُثير مراكز البيانات الضخمة التي تُشغل نماذج الذكاء الاصطناعي قلقًا بشأن بصمتها الكربونية. وفي خضم هذا الجدل، تُقدم “جوجل” بيانات جديدة حول أداة الذكاء الاصطناعي الخاصة بها، “جمناي” (Gemini)، لتقدم رؤية مختلفة ومُفعمة بالأمل.
من القلق إلى الأمل: تحول في معادلة الطاقة والذكاء الاصطناعي
كانت العلاقة بين الذكاء الاصطناعي واستهلاك الطاقة مصدر قلق دائم. تُشير التقديرات إلى أن استعلامًا واحدًا على نماذج مثل “شات جي بي تي” (ChatGPT) قد يستهلك طاقة تعادل تشغيل مصباح كهربائي منزلي لمدة 20 ثانية. أما الاستعلامات الأكثر تعقيدًا، فقد تتطلب 100 ضعف هذه الكمية.
لكن تقرير “جوجل” الأخير حول أداء “جمناي” يُظهر أرقامًا أكثر إيجابية. فمتوسط عملية البحث باستخدام “جمناي” يستهلك حوالي 0.24 واط/ساعة وهو ما يُعادل مشاهدة التلفزيون لمدة تسع ثوانٍ تقريبًا. وتُقدر الانبعاثات الكربونية بحوالي 0.03 جرام من مكافئ ثاني أكسيد الكربون.
الأكثر إثارة للاهتمام هو مسار التحسين في كفاءة “جمناي”. فقد أكدت “جوجل” أن استهلاك الطاقة لكل استعلام نصي انخفض بنسبة تصل إلى 97% خلال العام الماضي، بينما تراجعت انبعاثات الكربون بنسبة 98%. هذا الانفصال بين استهلاك الطاقة والانبعاثات يُعد مؤشرًا قويًا على وجود مسار واعد نحو الذكاء الاصطناعي الأخضر (Green AI).
ما وراء الأرقام: الاستراتيجية المزدوجة لجوجل
تعتمد “جوجل” في تحقيق هذه المكاسب على محورين أساسيين: الأول هو استخدام الطاقة النظيفة، والثاني هو تحسين كفاءة الشرائح ونماذج التشغيل.
1. الطاقة النظيفة: استثمار ضخم نحو المستقبل
تتبع “جوجل” نهجًا مباشرًا وفعالًا، حيث تستثمر بشكل كبير في شراء الطاقة المتجددة لتشغيل عملياتها. وقد وقعت الشركة عقودًا لشراء 8 غيغاواط (Gigawatts) من الطاقة النظيفة خلال العام الماضي، وهو ما يُعادل سعة 2400 توربينة رياح. كما تمتد طموحاتها للاستثمار في تقنيات المستقبل الواعدة مثل الاندماج النووي.
2. الكفاءة التكنولوجية: ثورة في الرقائق ونماذج التشغيل
بينما يركز المفهوم التقليدي للكفاءة على تقليل الاستهلاك المباشر، تُحقق “جوجل” مكاسبها الأكبر من داخل منظومة الذكاء الاصطناعي نفسها. فقد ابتكرت شرائحها الخاصة، والتي تُعرف باسم “وحدات معالجة الموترات” (Tensor Processing Units) أو “TPUs”، كبديل لوحدات معالجة الرسوميات (Graphics Processing Units) أو “GPUs”.
تُعدّ هذه الشرائح (TPUs) أكثر كفاءة في استهلاك الطاقة، حيث أصبحت أكثر إنتاجية بنحو 30 مرة منذ عام 2018. تكمن كفاءتها في أنها مصممة خصيصًا لتسريع عمليات الذكاء الاصطناعي، مما يقلل بشكل كبير من الطاقة اللازمة لإجراء الحسابات المعقدة.
بالإضافة إلى تحسين الأجهزة، تعمل “جوجل” على تحسين نماذجها من خلال تقنيات جديدة تُغير طريقة معالجة الاستعلامات، مما يقلل من القوة الحوسبية المطلوبة. كما أعلنت الشركة مؤخرًا عن برنامج يهدف إلى تحويل الطلب على مراكز البيانات إلى أوقات يكون فيها الضغط على شبكة الكهرباء أقل.
تحديات ومستقبل القطاع
النجاح الذي حققته “جوجل” في خفض بصمة “جمناي” الكربونية يفتح الباب أمام تساؤل مهم لكل الشركات المستثمرة في الذكاء الاصطناعي: هل يمكن أن تستمر مكاسب الكفاءة هذه؟
يُعد استمرار هذا المسار انتصارًا كبيرًا للجهود المناخية، خاصةً إذا لم يتجاوز معدل الزيادة في استخدام الذكاء الاصطناعي معدل الزيادة في كفاءته. ولهذه المكاسب آثار كبيرة على قطاع الطاقة، حيث تراهن الشركات على بناء مصادر جديدة لتوليد الكهرباء بناءً على توقعات بزيادة الطلب. لكن نتائج “جوجل” يجب أن تدفع صناع القرار للتفكير في “المجهول المعلوم” (known unknown potential)، وهو ذلك المزيج من التطور التكنولوجي غير المتوقع والطلب المتزايد الذي قد يُغير المشهد بأكمله.
على الرغم من المخاوف المبررة بشأن الأثر البيئي للذكاء الاصطناعي، فإن الابتكارات التي تُقدمها شركات مثل “جوجل” تُقدم بصيصًا من الأمل. إن الجهود المبذولة لتطوير رقائق أكثر كفاءة، وتحسين نماذج التشغيل، والاعتماد على الطاقة النظيفة، تُظهر أن التكنولوجيا التي تُساهم في التحدي البيئي يمكن أن تكون جزءًا من الحل. إن استمرار هذا الابتكار يمثل مفتاحًا حاسمًا لمستقبل مستدام، حيث لا يتعارض فيه التقدم التكنولوجي مع حماية كوكبنا، بل يسير الاثنان جنبًا إلى جنب نحو مستقبل أكثر إشراقًا وخضرة.
الكاتب: د. طارق قابيل
– أكاديمي، خبير التقنية الحيوية، كاتب ومحرر ومترجم علمي، ومستشار في الصحافة العلمية والتواصل العلمي.
– أستاذ جامعي متفرغ، وعضو هيئة التدريس بقسم التقنية الحيوية – كلية العلوم – جامعة القاهرة.
– مقرر لجنة الآداب والفنون والعلوم الاجتماعية والثقافة العلمية والدراسات الاستراتيجية ومؤشرات العلوم والتكنولوجي، وزميل أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، وزارة التعليم العالي – مصر.
– أمين مجلس بحوث الثقافة والمعرفة، أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، وزارة التعليم العالي – مصر.
– الباحث الرئيسي لمشروع خارطة طريق “مستقبل التواصل العلمي في مصر ودوره في الاعلام العلمي”، أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، مصر.
– السفير الإقليمي للاقتصاد الدائري والمواد المستدامة لمنظمة “سستينابلتي جلوبال” (Sustainability Global)، فينا، النمسا.
– عضو المجموعة الاستشارية العربية للعلوم والتكنولوجيا، التابعة للمكتب الإقليمي للأمم المتحدة للحد من مخاطر الكوارث للدول العربية.
https://orcid.org/0000-0002-2213-8911
http://scholar.cu.edu.eg/tkapiel
tkapiel@sci.cu.edu.eg
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز