ضمن سلسلة مقالات ثقافية علمية عن البيوتكنولوجيا الزراعية (12)
شبكة بيئة أبوظبي، بقلم الدكتور قاسم زكي (*)، جامعة المنيا، جمهورية مصر العربية، 7 سبتمبر 2025م
منذ ظهور تقنيات الهندسة الوراثية في الزراعة في أوائل التسعينيات، انقسم العالم بين دول تبنت هذه التكنولوجيا على نطاق واسع، ودول أخرى اتخذت موقفًا حذرًا أو رافضًا لها. وفي هذا السياق، يُعد الاتحاد الأوروبي أحد أبرز الكيانات التي وضعت سياسات صارمة تجاه زراعة المحاصيل المعدلة وراثيًا، مستندًا إلى مبدأ “الحيطة والحذر” وإلى حساسية الرأي العام الأوروبي تجاه قضايا البيئة والصحة.
الإطار التشريعي: قوانين صارمة منذ البداية
اعتمد الاتحاد الأوروبي منذ عام 1990م إطارًا تشريعيًا دقيقًا ينظم إنتاج وتسويق واستخدام المحاصيل المعدلة وراثيًا. هذه القوانين، التي تطورت على مدى العقود، تشترط:
1. تقييم شامل للمخاطر قبل الموافقة على أي محصول معدل، يشمل تأثيره على الصحة البشرية والحيوانية والبيئة.
2. إجراءات موافقة معقدة تتطلب مراجعة من قبل “الهيئة الأوروبية لسلامة الغذاء” (EFSA) وموافقة الدول الأعضاء.
3. حق الدول الأعضاء في الرفض: حتى إذا حصل محصول معدل على موافقة على مستوى الاتحاد، يمكن لأي دولة منع زراعته على أراضيها لأسباب بيئية أو اجتماعية.
هذه السياسات تعكس موقفًا يتجاوز مجرد التقييم العلمي، ليأخذ في الاعتبار البعد الاجتماعي والسياسي.
الزراعة التجارية للمحاصيل المعدلة: استثناء نادر
حتى اليوم، هناك محصول واحد فقط يُزرع على نطاق تجاري في الاتحاد الأوروبي، وهو الذرة المعدلة وراثيًا MON810، التي طورتها شركة مونسانتو (حاليًا باير). هذه الذرة مقاومة لآفة دودة الحشد الأوروبية، وقد تمت الموافقة عليها عام 1998م.
لكن زراعتها تقتصر على دول قليلة، أبرزها إسبانيا والبرتغال، بينما حظرتها معظم الدول الأخرى مثل فرنسا وألمانيا وإيطاليا والنمسا وبولندا، استنادًا إلى مخاوف بيئية أو ضغوط شعبية. ووفق الإحصاءات، تمثل المساحة المزروعة بالمحاصيل المعدلة في الاتحاد أقل من 0.1% من إجمالي الأراضي الزراعية، وهي نسبة ضئيلة مقارنة بدول مثل الولايات المتحدة أو البرازيل.
التوسيم والشفافية: حق المستهلك في المعرفة
من أكثر ما يميز الموقف الأوروبي إلزامية التوسيم الواضح للمنتجات المعدلة وراثيًا. أي منتج غذائي يحتوي على مكونات معدلة بنسبة تزيد عن 0.9% يجب أن يُوسم بعبارة “معدل وراثيًا” أو “منتج من محاصيل معدلة وراثيًا”.
هذا النظام يعكس فلسفة الاتحاد في إعطاء المستهلك حق الاختيار، ويعزز الشفافية في الأسواق. وفي المقابل، يفرض تحديات على الشركات المنتجة والمستوردة، إذ يتطلب فصل سلاسل الإمداد بين المنتجات المعدلة وغير المعدلة.
المخاوف البيئية والصحية
المعارضون لزراعة المحاصيل المعدلة في أوروبا يستندون إلى عدد من المخاوف، منها:
• التأثير على التنوع البيولوجي: خشية انتقال الجينات المعدلة إلى النباتات البرية، مما قد يؤدي إلى ظهور أعشاب مقاومة أو التأثير على الكائنات غير المستهدفة.
• الشكوك حول الآثار طويلة المدى على الصحة: رغم عدم وجود دليل علمي قاطع يثبت ضرر المحاصيل المعدلة على الإنسان، فإن بعض الجماعات البيئية والصحية تطالب بالمزيد من الدراسات المستقلة.
• الاعتماد على الشركات متعددة الجنسيات: يخشى البعض من أن يؤدي انتشار هذه المحاصيل إلى احتكار البذور والتحكم في النظام الغذائي من قبل عدد محدود من الشركات العالمية.
الأبحاث والتجارب الميدانية
رغم الحذر الشديد في الزراعة التجارية، فإن الاتحاد الأوروبي لا يغلق الباب أمام البحث العلمي في المجال. تُجرى تجارب ميدانية محدودة على محاصيل معدلة وراثيًا تحت إشراف صارم، بهدف تقييم إمكانياتها وفهم تأثيراتها البيئية. وقد اتيحت لي الفرصة للانخراط في احدى هذه التجارب والخاصة بتعديل الموز وراثيا في معمل المحاصيل الاستوائية بجامعة لوڤن الكاثوليكية ببلجيكا في النصف الأول من العام 2001م، حيث كنت أستاذ زائر بمنحة من هيئة الطاقة الذرية.
كما يموّل الاتحاد أبحاثًا في تقنيات الجيل الجديد من التعديل الوراثي، مثل CRISPR، التي قد تُعامل مستقبلاً بشكل مختلف عن المحاصيل المعدلة التقليدية إذا أثبتت أنها أقل خطورة وأكثر دقة.
الاستيراد: براجماتية اقتصادية
ورغم القيود الصارمة على الزراعة، يعتمد الاتحاد الأوروبي على استيراد كميات كبيرة من المحاصيل المعدلة وراثيًا، خصوصًا فول الصويا المستخدم في تغذية الماشية والدواجن. تأتي هذه الواردات أساسًا من الولايات المتحدة والبرازيل والأرجنتين، وهي دول تزرع أغلب محاصيلها بتقنيات الهندسة الوراثية.
هذا التناقض الظاهري يعكس براجماتية اقتصادية، حيث يوازن الاتحاد بين تلبية احتياجات الإنتاج الحيواني والحفاظ على السياسات البيئية الداخلية.
المستقبل: نحو إعادة تقييم الموقف؟
في السنوات الأخيرة، تصاعد النقاش داخل الاتحاد الأوربي حول ما إذا كان ينبغي تخفيف القيود على المحاصيل المعدلة، خاصة مع التحديات التي يفرضها التغير المناخي وضرورة تعزيز الأمن الغذائي. بعض الخبراء والمسؤولين يرون أن التقنيات الحديثة، مثل التعديل الجيني الدقيق، قد تقدم حلولاً آمنة ومستدامة.
لكن في المقابل، تظل المعارضة الشعبية قوية، ويستبعد المراقبون حدوث تحول جذري في الموقف الأوروبي على المدى القصير، إلا إذا أثبتت التجارب أن هذه المحاصيل يمكن أن تُزرع دون الإضرار بالبيئة أو التنوع البيولوجي.
وفي الختام
موقف الاتحاد الأوروبي من المحاصيل المعدلة وراثيًا يجمع بين الحذر العلمي والحرص البيئي والسياسي. ورغم أنه يسمح بالاستيراد والاستخدام في بعض المجالات، فإن الزراعة الفعلية لهذه المحاصيل على أراضيه تظل محدودة للغاية. هذا الموقف يعكس فلسفة ترى أن الابتكار يجب أن يسير جنبًا إلى جنب مع حماية البيئة وحقوق المستهلك، وأن أي تكنولوجيا جديدة ينبغي أن تُعتمد فقط بعد التأكد من سلامتها على المدى الطويل.
وفي النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا: هل سيدفع تغير المناخ والضغوط الاقتصادية الاتحاد الأوروبي إلى إعادة النظر في قيوده، أم سيظل نموذجًا عالميًا في التشدد تجاه المحاصيل المعدلة وراثيًا؟
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز