شبكة بيئة ابوظبي، بقلم د. حسام حاضري مستشار التطوير الاستراتيجي واستشراف المستقبل 01 يونيو 2026
أضحت التعقيداتُ الجيوسياسية، وتشعباتُ التقنيةِ المتطورة، وتشابكُ المصالح، جزءاَ لا يتجزأُ من الحياة اليومية، والتي أفرزت الكثيرَ من التناقضاتِ في رداتِ الفعل، واتخاذِ القرارات على مختلف المستويات، والتي وصلت في كثيرٍ من الأحيانِ إلى اتخاذ إجراءٍ معينٍ، ثم اتخاذ عكسه في زمنٍ قياسي قد لا يتجاوزُ أياماَ معدودة، ولم يعد كافياً متابعة المتغيراتِ أو التكيف معها بعد وقوعها، بل أصبح مطلوباً الانطلاقُ منها لتكوين رؤيةٍ استباقيةٍ مختلفةٍ عما قبلها تُمكنُ من فهم المستقبل والتأثير في تشكيلهِ. ومن هنا تبرزُ أهميةُ استشراف المستقبل باعتبارهِ منهجية تجمعُ بين التوقع والصناعة، وبينَ قراءةِ الاحتمالاتِ وصياغةِ الخيارات.
ولمّا كانَ الاستشرافُ يعتمدُ على ثلاثةِ أركانٍ أساسيةٍ تتمثلُ في : تجاربِ الماضي، ومتغيراتِ الحاضر، واتجاهاتِ التوجهِ المستقبلي؛ فإنّ التوقعَ ومحاولةَ استشرافِ ما قد يحدثُ مستقبلاً بالاعتمادِ على تحليلِ البياناتِ والمؤشراتِ والاتجاهاتِ القائمة.، هو نشاطٌ ضروريٌ يساعدُ صناعَ القرار على فهم البيئةِ المحيطةِ، واستكشافِ الفرص والتحدياتِ المحتملة. غيرَ أنّ التوقعَ بحدِ ذاتهِ يبقى مرتبطاً بالاحتمالات، لأنّ المستقبلَ بطبيعتهِ لا يخضعُ لمسارٍ واحدٍ أو نتيجةٍ حتميةٍ. فالتحولاتُ الكبرى غالباً ما تنشأُ من أحداثٍ غير متوقعة أو ابتكاراتٍ قد تُغير قواعدَ اللعبةِ بالكامل.
وهنا يظهرُ البعدُ الثاني في المعادلة والمتعلق بصناعةِ المستقبل. فالمؤسساتُ الرائدةُ لا تنظر إلى المستقبل بوصفهِ حدثاً ينتظرُ الاكتشاف، بل فرصةً تستحقُ التشكيل، أي امتلاك رؤيةٍ واضحةٍ لما ينبغي أن يكونَ عليهِ الغد، ومن ثّم العمل على تحويل هذه الرؤية إلى واقعٍ مترجمٍ بسياساتٍ ومبادراتٍ واستثماراتٍ وابتكاراتٍ. وبعبارةٍ أخرى الانتقالُ من عقليةِ التفاعلِ مع التغيير إلى عقليةِ قيادة التغيير.
إنّ العلاقةَ بين التوقعِ والصناعةِ ليست علاقة تنافسٍ أو تعارضٍ، بل علاقة تكاملٍ. فالتوقعُ يُوفرُ المعرفة والرؤية، بينما تُوفرُ الصناعةُ الإرادةَ والفعل، والخللُ في أحدهما يُؤثرُ سلباَ على الآخر. ومن دونِ فهمٍ عميقٍ للاتجاهاتِ المستقبليةِ قد تصبحُ القراراتُ مجرد مغامراتٍ غيرَ محسوبة، كما أنّ الاكتفاءَ بالتوقع دونَ اتخاذِ إجراءاتٍ عمليةٍ، يُحوّلُ المعرفةَ إلى قيمةٍ معطلةٍ لا تحققُ أثراً حقيقياً.
لذا لا بدًَّ من الاستثمار في وحداتِ الاستشراف الاستراتيجي، والدراساتِ المستقبلية، وبرامج الابتكار، وتطوير السيناريوهات البديلة، بهدفِ تعزيز الجاهزيةِ والقدرةِ على التأثير في مساراتِ المستقبل. ولم يعد النجاحُ يُقاسُ بسرعةِ الاستجابة للمتغيرات، بل بمدى القدرةِ على استباقها وصناعةِ البدائل المناسبة لها.
وخلاصةُ القول: إنّ المستقبلَ لا يُبنى بالتوقع وحدهُ، ولا يُصنعُ بالرغباتِ المجردة، وإنما هو خلطةٌ متفردةٌ تتشكلُ من خلال الجمع بين فهم ما يمكن أن يحدثَ، والعملِ المنظم لتحقيق ما نريدُ أن يحدث. وبين هذين البعدين تتجلى القيمةُ الحقيقيةُ لاستشراف المستقبل بوصفهِ أداة لقراءةِ الغد وصناعتهِ في آنٍ واحد.
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز