دليل حساب البصمة الكربونية للمنتجات للشركات الصغيرة والمتوسطة (01 – 02)

بالتعاون مع (PACT) الشراكة من أجل شفافية الكربون

شبكة بيئة ابوظبي، بقلم المهندس عماد سعد (*) خبير الاستدامة والتغير المناخي، 04 يوليو 2026

المقدمة
يمثل فهم انبعاثات غازات الدفيئة عبر سلسلة القيمة النطاق الثالث (Scope 3)، والعمل على خفضها، أحد أهم المحركات الرئيسة لتغيير مسار الانبعاثات العالمية ودعم جهود إزالة الكربون وتحقيق الحياد المناخي.
وفي الوقت الذي تتزايد فيه توقعات العملاء والمستثمرين والجهات التنظيمية بشأن تعزيز الشفافية في الإفصاح عن الآثار البيئية للمنتجات على امتداد دورة حياتها، أصبحت البصمة الكربونية للمنتج (PCF) أداةً علميةً فعالة لا تقتصر على قياس هذه الآثار كمياً، بل تساعد أيضاً في تحديد المجالات التي يمكن أن تحقق تحسينات تشغيلية، وخفضاً في التكاليف، وتقليلاً لانبعاثات غازات الدفيئة.
وقد يبدو البدء في تطبيق محاسبة الكربون على مستوى المنتجات عملية معقدة، ولا سيما بالنسبة للشركات الصغيرة والمتوسطة ذات الموارد المحدودة. لذلك يقدم هذا الدليل المفاهيم الأساسية والخطوات العملية التي تمكّن هذه الشركات من البدء في تقييم وإدارة البصمة الكربونية لمنتجاتها بطريقة منهجية وقابلة للتطبيق.

ما المقصود بالبصمة الكربونية للمنتج (PCF)؟
تُعرَّف البصمة الكربونية للمنتج بأنها مقياس لإجمالي انبعاثات غازات الدفيئة الناتجة طوال دورة حياة المنتج، ويُعبَّر عنها عادةً بوحدة مكافئ ثاني أكسيد الكربون (CO₂e).
ويتيح احتساب البصمة الكربونية للمنتج توفير مؤشر موحد وقابل للمقارنة لتقييم الأثر البيئي للمنتجات وتحسين أدائها المناخي. كما توفر هذه البصمة رؤية كمية واضحة لما يلي:
• إجمالي انبعاثات غازات الدفيئة عبر مختلف مراحل دورة حياة المنتج.
• كثافة الكربون المرتبطة بإنتاج وحدة واحدة من المنتج، معبراً عنها بمؤشر موحد مثل كيلوغرام مكافئ ثاني أكسيد الكربون لكل وحدة منتج (kg CO₂e/unit).

أهمية البصمة الكربونية للمنتجات
بالنسبة للشركات الصغيرة والمتوسطة، تمثل البصمة الكربونية للمنتج أداة استراتيجية فعّالة، لأنها تساعد على:
• تحديد مصادر الانبعاثات الرئيسة داخل دورة حياة المنتج، وترتيب أولويات إجراءات خفض الانبعاثات بما يحقق أكبر أثر ممكن.
• تعزيز الشفافية في تبادل بيانات الانبعاثات مع العملاء والموردين، بما يسهم في بناء الثقة والمصداقية بشأن الأداء البيئي للمنتجات.
• تهيئة الشركات لمتطلبات المستقبل المتعلقة بالتشريعات البيئية، والإفصاحات المناخية، ومعايير المشتريات المستدامة.
• تحفيز الابتكار في تصميم المنتجات، واختيار المواد الخام، وسلاسل التوريد، والعمليات التشغيلية، بما يسهم في تحسين الكفاءة وتقليل الانبعاثات.

ما هي البيانات اللازمة لحساب البصمة الكربونية للمنتج؟
لا يشترط إعداد البصمة الكربونية للمنتج توافر بيانات كاملة أو مثالية منذ البداية؛ إذ يُعد استخدام التقديرات العلمية الموثوقة نقطة انطلاق مقبولة ومتعارفاً عليها في الممارسات الدولية.
ويعتمد احتساب البصمة الكربونية لأي منتج على عنصرين أساسيين:

أولاً: بيانات الأنشطة (Activity Data)
تشير بيانات الأنشطة إلى المعلومات الكمية التي تصف مستوى النشاط المسبب لانبعاثات غازات الدفيئة أو لإزالتها. وهي تعكس حجم الطاقة أو المواد أو عمليات النقل المستخدمة في إنتاج المنتج.
ومن أمثلة بيانات الأنشطة:
• كمية الكهرباء المستهلكة أثناء عمليات الإنتاج.
• كمية الوقود المستخدمة في النقل أو التشغيل.
• كميات المواد الخام الداخلة في تصنيع وحدة واحدة من المنتج.
وتعد بيانات الأنشطة الأساس الذي تُبنى عليه جميع حسابات البصمة الكربونية، لأنها تعكس الاستخدام الفعلي للموارد والأنشطة التشغيلية.

ثانياً: معاملات الانبعاث (Emission Factors)
تمثل معاملات الانبعاث القيم المرجعية التي تُستخدم لتحويل بيانات الأنشطة إلى كمية مكافئة من انبعاثات غازات الدفيئة.
وتُعبّر هذه المعاملات عن كمية الانبعاثات الناتجة عن كل وحدة من النشاط، وغالباً ما تُقاس بوحدة:
كيلوغرام مكافئ ثاني أكسيد الكربون لكل وحدة نشاط (kg CO₂e/unit)
ومن الأمثلة على ذلك:
• كمية الانبعاثات الناتجة عن كل كيلوواط/ساعة من الكهرباء المستهلكة.
• كمية الانبعاثات الناتجة عن كل لتر من الوقود.
• كمية الانبعاثات المرتبطة بإنتاج كل كيلوغرام من مادة خام معينة.
وتصدر معاملات الانبعاث عادةً عن قواعد بيانات وطنية أو دولية معتمدة، ويتم تحديثها بصورة دورية لضمان دقة الحسابات.

كيف تُحسب البصمة الكربونية للمنتج؟
يتم احتساب البصمة الكربونية للمنتج من خلال ضرب بيانات الأنشطة في معامل الانبعاث المقابل لكل نشاط أو مادة مستخدمة، ثم جمع جميع النتائج عبر مختلف مراحل دورة حياة المنتج.
ويمكن التعبير عن ذلك بالمعادلة التالية:
قيمة البصمة الكربونية للمنتج = مجموع (بيانات النشاط × معامل الانبعاث)
PCF = Σ (Activity Data × Emission Factor)
وتضمن هذه المنهجية احتساب الانبعاثات الناتجة عن مختلف العمليات، والمدخلات، ومصادر الطاقة، بطريقة موحدة ومتسقة، بما يتيح إجراء المقارنات بين المنتجات المختلفة، وتحديد فرص التحسين وخفض الانبعاثات بصورة علمية وموثوقة.

مصادر البيانات الأولية والثانوية
تُعد الشراكة من أجل شفافية الكربون (Partnership for Carbon Transparency – PACT) مبادرة عالمية تهدف إلى تمكين الشركات من احتساب البصمة الكربونية للمنتجات، وتبادل بياناتها، والاستفادة منها بطريقة موحدة وقابلة للمقارنة على امتداد سلاسل القيمة.
وتوصي منصة SME Climate Hub الشركات الصغيرة والمتوسطة باعتماد منهجية PACT، لما توفره من أدوات وإرشادات تساعد المؤسسات، بمختلف أحجامها، على مشاركة بيانات البصمة الكربونية للمنتجات بين الموردين والعملاء، مع تحسين دقة هذه البيانات تدريجياً بمرور الوقت.
وتصنف منهجية PACT البيانات المستخدمة في حساب البصمة الكربونية إلى نوعين رئيسيين:

أولاً: البيانات الأولية (Primary Data)
وهي البيانات الخاصة بالشركة أو بالمورد، والتي يتم قياسها أو جمعها أو احتسابها بصورة مباشرة.
ومن أمثلتها:
• استهلاك الطاقة الفعلي في المصنع.
• بيانات العمليات الإنتاجية الخاصة بالمورد.
• القياسات المباشرة للوقود والطاقة.
• سجلات الإنتاج الخاصة بالموقع.
وتتميز البيانات الأولية بأنها تعكس الأداء الحقيقي للمنشأة، ولذلك فهي الأكثر دقة والأعلى موثوقية في حساب البصمة الكربونية.

ثانياً: البيانات الثانوية (Secondary Data)
وهي بيانات لا ترتبط مباشرة بشركة أو موقع إنتاج محدد، وإنما يتم الحصول عليها من مصادر خارجية معتمدة، مثل:
• متوسطات القطاعات الصناعية.
• قواعد البيانات الدولية.
• القيم المرجعية المنشورة.
• البيانات البديلة (Proxy Data).
وتُستخدم هذه البيانات عندما لا تكون البيانات الأولية متاحة، خاصة في المراحل الأولى من إعداد البصمة الكربونية.

المنهجية الموصى بها للشركات الصغيرة والمتوسطة
توصي منهجية PACT الشركات الصغيرة والمتوسطة بالبدء باستخدام البيانات الثانوية المتاحة، ثم العمل تدريجياً على استبدالها ببيانات أولية خاصة بالشركة أو بالموردين، خصوصاً في العمليات التي تمثل أكبر مصادر الانبعاثات.
ويُعد هذا النهج عملياً وواقعياً، لأنه يسمح للشركات بالشروع في قياس البصمة الكربونية دون انتظار اكتمال جميع البيانات، مع تحسين جودة النتائج تدريجياً كلما نضج نظام إدارة البيانات لديها.
ومن المهم الإشارة إلى أن معظم دراسات البصمة الكربونية تعتمد على مزيج من البيانات الأولية والثانوية، حيث توفر منهجية PACT تسلسلاً واضحاً لأولويات استخدام البيانات، يساعد المؤسسات على رفع مستوى دقة القياسات بمرور الوقت من خلال زيادة الاعتماد على البيانات الأولية الخاصة بالموردين والمنشآت.

أين نرسم حدود البصمة الكربونية؟
ليست جميع دراسات البصمة الكربونية للمنتجات تغطي المراحل نفسها من دورة حياة المنتج، إذ يعتمد نطاق الدراسة على الهدف منها، وعلى متطلبات الجهة المستخدمة للبيانات.
وتوجد ثلاثة مناهج رئيسية لتحديد حدود الدراسة:

أولاً: من البوابة إلى البوابة (Gate-to-Gate)
يركز هذا النهج على الانبعاثات الناتجة داخل المنشأة فقط، أي جميع العمليات التي تتم داخل حدود المصنع دون احتساب المراحل السابقة أو اللاحقة.
ويُستخدم هذا النهج غالباً لتحليل أداء العمليات الصناعية الداخلية وتحسين كفاءتها التشغيلية.

ثانياً: من المهد إلى البوابة (Cradle-to-Gate)
يشمل هذا النهج جميع الانبعاثات بدءاً من استخراج المواد الخام، مروراً بعمليات النقل والتصنيع، وحتى خروج المنتج من بوابة المصنع.
ويتميز هذا النهج بأنه:
• يغطي الجزء الأكبر من الانبعاثات بالنسبة لمعظم المنتجات.
• يوفر مستوى عالياً من الدقة مع بقاء عملية الحساب قابلة للتطبيق بالنسبة للشركات الصغيرة والمتوسطة.
• يُعد المنهج القياسي الذي تعتمد عليه منهجية PACT.
• يمثل نقطة الانطلاق الموصى بها لمعظم المؤسسات عند إعداد البصمة الكربونية للمنتجات.

ثالثاً: من المهد إلى القبر (Cradle-to-Grave)
يُعد هذا النهج الأكثر شمولاً، إذ يغطي دورة الحياة الكاملة للمنتج، ابتداءً من استخراج المواد الخام، ومروراً بالإنتاج، والتوزيع، والاستخدام، وحتى التخلص النهائي من المنتج أو إعادة تدويره.
ويُستخدم هذا النهج عندما يكون الهدف تقييم الأثر البيئي الكامل للمنتج طوال دورة حياته.

 

(*) المهندس عماد سعد:
استشاري أول في إدارة المشاريع البيئية والاستدامة والمسؤولية المجتمعية والتغير المناخي. خبير دولي ومحاضر معتمد في التنمية المستدامة، والمسؤولية المجتمعية، والإعلام البيئي. رئيس شبكة بيئة أبوظبي | مدير عام شركة نايا للاستشارات بالإمارات. (00971506979645)abudhabienv@gmail.com

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

كيف تطلق أنهار العالم مليارات الأطنان من الكربون “القديم”

هذه التدوينة للضيف 19 يونيو 202511:00 بواسطة: الدكتور جوشوا دين ، أستاذ مشارك في الكيمياء …

اترك تعليقاً