أول مشروع وطني لسوريا مع صندوق المناخ الأخضر GCF

عماد سعد:
• اعتماد أول مشروع ممول من صندوق المناخ الأخضر يفتح صفحة جديدة في مسار العمل المناخي والتنمية المستدامة في سوريا الجديدة
• يعتبر هذا الانجاز أكثر من مجرد تمويل بقيمة 27.7 مليون دولار؛ فهو إعلان عن بداية مرحلة جديدة من الانخراط في منظومة العمل المناخي العالمية

شبكة بيئة ابوظبي، بقلم المهندس عماد سعد (*)، خبير الاستدامة والتغير المناخي، رئيس شبكة بيئة ابوظبي، 04 يوليو 2026
تتجاوز أهمية اعتماد أول مشروع وطني للجمهورية العربية السورية من قبل صندوق المناخ الأخضر (Green Climate Fund – GCF) مجرد الحصول على تمويل دولي بقيمة 27.7 مليون دولار أمريكي، لتشكل نقطة تحول استراتيجية في مسار انخراط سورية في منظومة التمويل المناخي العالمية. فهذا القرار يعكس اعترافاً دولياً بأولوية دعم قدرة البلاد على التكيف مع تغير المناخ، ويفتح الباب أمام مرحلة جديدة يمكن أن تنتقل فيها السياسات البيئية من الاستجابة للآثار المباشرة للأزمات إلى بناء منظومة وطنية متكاملة لإدارة المخاطر المناخية وتعزيز التنمية المستدامة.

ويأتي هذا التطور في توقيت بالغ الحساسية، إذ تواجه سورية تحديات مركبة تتمثل في تراجع الموارد المائية، وتزايد موجات الجفاف، وتدهور الأراضي الزراعية، وتراجع الإنتاج الغذائي، إلى جانب الضغوط الاقتصادية والاجتماعية الناتجة عن سنوات طويلة من الأزمات. لذلك فإن المشروع لا يمثل مجرد استثمار في قطاع المياه، بل يعد استثماراً في الأمن المائي والغذائي والاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.

تغير المناخ في سورية… من تحدٍ بيئي إلى قضية أمن وطني
شهدت سورية خلال العقدين الأخيرين تغيرات مناخية متسارعة انعكست في ارتفاع متوسط درجات الحرارة، وتراجع كميات الهطل المطري، وزيادة تكرار موجات الجفاف، الأمر الذي أثر بصورة مباشرة في الموارد المائية والزراعة والأمن الغذائي. وتشير تقارير الأمم المتحدة والبنك الدولي إلى أن منطقة شرق المتوسط تُعد من أكثر مناطق العالم هشاشة أمام آثار تغير المناخ، وأن سورية تقع ضمن الدول المعرضة لمخاطر مرتفعة تتعلق بندرة المياه وتدهور الأراضي.

وأصبحت ندرة المياه قضية تتجاوز بعدها البيئي لتلامس الأمن الوطني، نظراً لارتباطها بإنتاج الغذاء، واستقرار المجتمعات الريفية، والصحة العامة، والطاقة، والتنمية الاقتصادية. ومن هنا فإن أي مشروع يهدف إلى تعزيز القدرة على إدارة الموارد المائية يمثل استثماراً في استقرار الدولة على المدى الطويل.

صندوق المناخ الأخضر… الآلية المالية الأكبر للعمل المناخي
يُعد صندوق المناخ الأخضر، الذي أنشئ بموجب اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، أكبر آلية دولية مخصصة لدعم الدول النامية في التكيف مع تغير المناخ والتخفيف من آثاره. وقد موّل منذ تأسيسه مئات المشاريع في أكثر من 130 دولة، مع التركيز على الفئات الأكثر هشاشة والقطاعات ذات الأولوية مثل المياه والزراعة والطاقة والبنية التحتية والأنظمة البيئية.
ولا يقتصر دور الصندوق على توفير التمويل، بل يمتد إلى نقل المعرفة، وبناء القدرات، وتعزيز الحوكمة البيئية، ورفع كفاءة المؤسسات الوطنية، وهو ما يجعل الانضمام الفاعل إلى برامجه خطوة استراتيجية تتجاوز قيمة المشروع الواحد.

أهمية المشروع الوطني الأول
يمثل المشروع المعتمد أول بوابة رسمية لسورية إلى منظومة التمويل المناخي الدولية، ويحمل دلالات تتجاوز قيمته المالية. فهو يؤسس لعلاقة مؤسسية مع الصندوق، ويتيح اكتساب الخبرات في إعداد المشاريع المناخية وفق المعايير الدولية، ويعزز ثقة الجهات المانحة بقدرة المؤسسات الوطنية على إدارة التمويل وتنفيذ البرامج.

كما يمهد الطريق لإعداد حزمة من المشاريع المستقبلية في مجالات إدارة المياه، والزراعة الذكية مناخياً، والطاقة المتجددة، وحماية التنوع البيولوجي، وإدارة النفايات، والتكيف الحضري.

المياه بوصفها محوراً للتكيف المناخي
اختيار المياه موضوعاً لأول مشروع وطني يعكس فهماً صحيحاً لأولويات المرحلة. فالمياه تمثل القاسم المشترك بين معظم القطاعات التنموية، وأي تحسن في إدارتها ينعكس مباشرة على الزراعة والصحة والطاقة والصناعة والبيئة.
وسيكون نجاح المشروع مرهوناً بمدى دمجه لتقنيات الإدارة الذكية للمياه، مثل أنظمة المراقبة الرقمية، وإعادة استخدام المياه المعالجة، وتقليل الفاقد، وتعزيز كفاءة الري، واستخدام البيانات المناخية في التخطيط.

من مشروع منفرد إلى برنامج وطني للتمويل المناخي
ينبغي النظر إلى هذا المشروع باعتباره بداية لمسار طويل، وليس غاية بحد ذاته. فالدول التي نجحت في الاستفادة من التمويل المناخي لم تكتف بمشروع واحد، بل أنشأت برامج وطنية متكاملة، ووحدات متخصصة لإعداد المشاريع، وقواعد بيانات للمخاطر المناخية، وأنظمة للرصد والإبلاغ والتحقق (MRV)، بما مكنها من جذب تمويلات متتالية.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى تأسيس منظومة وطنية لإدارة التمويل المناخي، تتولى تحديد الأولويات، وإعداد المشاريع، والتنسيق مع الجهات الدولية، ومتابعة التنفيذ وقياس الأثر.

فرص التمويل المستقبلية
يمكن لسورية، في ضوء هذا الإنجاز، أن تتوسع في إعداد مشاريع جديدة في مجالات متعددة، منها:
• الزراعة الذكية مناخياً.
• حصاد مياه الأمطار وإعادة تغذية المياه الجوفية.
• الطاقة الشمسية في الريف.
• استعادة الغابات ومكافحة التصحر.
• حماية المناطق الرطبة.
• الإدارة المستدامة للنفايات والاقتصاد الدائري.
• تعزيز الإنذار المبكر للكوارث المناخية.
• بناء المدن القادرة على التكيف مع تغير المناخ.

دور القطاع الخاص والمجتمع المدني
نجاح العمل المناخي لا يعتمد على المؤسسات الحكومية وحدها، بل يتطلب مشاركة فاعلة من القطاع الخاص، والجامعات، ومراكز البحث العلمي، ومنظمات المجتمع المدني. فهذه الجهات قادرة على ابتكار الحلول، وتنفيذ المبادرات، ونقل المعرفة إلى المجتمعات المحلية، وتعزيز الوعي البيئي، بما يضمن استدامة نتائج المشاريع.

رؤية مستقبلية
إذا أُحسن استثمار هذا المشروع، فقد يشكل بداية لمرحلة جديدة يصبح فيها التمويل المناخي أحد محركات التنمية في سورية، وليس مجرد مصدر لتمويل مشاريع منفردة. ومن الممكن أن تتحول البلاد إلى نموذج إقليمي في ربط التعافي وإعادة الإعمار بالاستدامة، من خلال دمج الاعتبارات المناخية في التخطيط العمراني، وإدارة الموارد الطبيعية، والسياسات الاقتصادية والاجتماعية.

وسيكون من المهم تطوير استراتيجية وطنية للتمويل المناخي، تحدد أولويات الاستثمار، وآليات الشراكة، ومصادر التمويل، ومؤشرات الأداء، بما يضمن الاستفادة القصوى من الفرص التي تتيحها الصناديق الدولية.

خاتمة
يمثل اعتماد أول مشروع وطني لسورية من صندوق المناخ الأخضر أكثر من مجرد تمويل بقيمة 27.7 مليون دولار؛ فهو إعلان عن بداية مرحلة جديدة من الانخراط في منظومة العمل المناخي العالمية. وتكمن القيمة الحقيقية لهذا الإنجاز في قدرته على فتح آفاق واسعة لبناء مؤسسات أكثر جاهزية، وسياسات أكثر مرونة، ومشاريع أكثر تأثيراً في مواجهة تحديات تغير المناخ.

إن نجاح هذا المشروع يجب أن يكون نقطة الانطلاق نحو بناء محفظة وطنية متكاملة من المشاريع المناخية، تستند إلى العلم والابتكار والشراكات الدولية، وتسهم في تعزيز الأمن المائي والغذائي، ودعم التعافي الاقتصادي، وتحقيق أهداف التنمية المستدامة، بما يضمن مستقبلاً أكثر قدرة على الصمود للأجيال القادمة.

(*) المهندس عماد سعد:
استشاري أول في إدارة المشاريع البيئية والاستدامة والمسؤولية المجتمعية والتغير المناخي. خبير دولي ومحاضر معتمد في التنمية المستدامة، والمسؤولية المجتمعية، والإعلام البيئي. رئيس شبكة بيئة أبوظبي | مدير عام شركة نايا للاستشارات بالإمارات. (00971506979645) (abudhabienv@gmail.com).

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

الإمارات العربية المتحدة ونموذج التعايش الإنساني في عالم مضطرب

بمناسبة اليوم الدولي للحوار بين الحضارات 10 يونيو / حزيران 2026 كيف تحولت الدولة إلى …

اترك تعليقاً