كيف ترسم “استراتيجية شركات الإمارات من أجل الخير 2031” نموذجاً عالمياً جديداً للتنمية المستدامة؟
شبكة بيئة ابوظبي، بقلم المهندس عماد سعد (*)، خبير الاستدامة والمسؤولية المجتمعية، 04 يوليو 2026
مقدمة
في الوقت الذي لا تزال فيه كثير من دول العالم تنظر إلى المسؤولية المجتمعية للشركات باعتبارها نشاطاً خيرياً أو مساهمة تطوعية تُمارس على هامش الأعمال، تمضي دولة الإمارات العربية المتحدة في اتجاه أكثر تقدماً يقوم على تحويل المسؤولية المجتمعية إلى جزء أصيل من النموذج الاقتصادي الوطني. ويجسد إطلاق سمو الشيخ منصور بن زايد آل نهيان، نائب رئيس الدولة، نائب رئيس مجلس الوزراء، رئيس ديوان الرئاسة، “استراتيجية شركات الإمارات من أجل الخير 2031” هذا التحول، إذ تؤسس الاستراتيجية لإطار وطني يجعل قياس الأثر المجتمعي والبيئي جزءاً من منظومة التنافسية الاقتصادية، ويعزز دور القطاع الخاص شريكاً أساسياً في تحقيق التنمية المستدامة.
إن أهمية هذا القرار لا تكمن في إطلاق استراتيجية جديدة فحسب، بل في أنه يعكس رؤية وطنية ترى أن نجاح الشركات لا يُقاس فقط بحجم الأرباح، وإنما أيضاً بحجم القيمة التي تضيفها للمجتمع والبيئة وجودة الحياة.
من المسؤولية المجتمعية إلى اقتصاد الأثر
شهد مفهوم المسؤولية المجتمعية تطوراً كبيراً خلال العقود الماضية. ففي بداياته ارتبط بالأعمال الخيرية والتبرعات، ثم تطور إلى برامج تنموية أكثر استدامة، قبل أن ينتقل اليوم إلى مفهوم “اقتصاد الأثر”، الذي يركز على النتائج القابلة للقياس في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية.
ومن هنا تأتي أهمية الاستراتيجية الإماراتية، لأنها لا تشجع الشركات على تنفيذ مبادرات خيرية فحسب، بل تدعوها إلى دمج المسؤولية المجتمعية ضمن استراتيجياتها المؤسسية، وربطها بالحوكمة والابتكار والاستدامة وقياس الأداء، وهو ما يتوافق مع أفضل الممارسات الدولية في مجالات ESG وأهداف التنمية المستدامة.
الإمارات… نموذج عالمي في المسؤولية المجتمعية
لم يكن إطلاق “استراتيجية شركات الإمارات من أجل الخير 2031” خطوة معزولة، بل يمثل امتداداً لمسيرة طويلة رسخت خلالها دولة الإمارات ثقافة العطاء والعمل الإنساني والاستدامة باعتبارها جزءاً من هويتها الوطنية.
فقد استطاعت الإمارات أن تبني نموذجاً متكاملاً يجمع بين التنمية الاقتصادية، والاستثمار في الإنسان، وحماية البيئة، والعمل الإنساني، والشراكة بين الحكومة والقطاع الخاص والمجتمع المدني، وهو ما جعلها تتصدر العديد من المؤشرات الدولية في مجالات التنمية والعمل الخيري والاستدامة.
واليوم تضيف الدولة بعداً جديداً يتمثل في تحويل المسؤولية المجتمعية إلى رافعة للتنافسية الاقتصادية، بحيث تصبح الشركات أكثر قدرة على خلق قيمة مشتركة للمجتمع والمستثمرين في آن واحد.
لماذا يمثل القرار محطة استراتيجية؟
تكمن القيمة الحقيقية للاستراتيجية في أنها تقدم إطاراً وطنياً واضحاً يوجه مساهمات القطاع الخاص نحو الأولويات الوطنية، ويشجع الشركات على قياس أثرها البيئي والاجتماعي والاقتصادي بصورة علمية وشفافة.
كما تعزز الاستراتيجية ثقافة الشراكة بين المؤسسات الحكومية والقطاع الخاص والمؤسسات الأكاديمية ومنظمات المجتمع المدني، بما ينسجم مع رؤية “نحن الإمارات 2031″، ويحول المسؤولية المجتمعية من مبادرات متفرقة إلى منظومة وطنية متكاملة ذات أثر مستدام.
القطاع الخاص شريك في صناعة المستقبل
تؤكد التجارب العالمية أن الحكومات وحدها لا تستطيع تحقيق أهداف التنمية المستدامة، بل يتطلب الأمر مشاركة فاعلة من القطاع الخاص. ولذلك فإن الاستراتيجية الإماراتية تعيد تعريف دور الشركات، من مجرد مؤسسات اقتصادية إلى مؤسسات تنموية تسهم في تحسين جودة الحياة، وتعزيز الابتكار، وخلق فرص العمل، ودعم الاقتصاد الأخضر، وخفض الانبعاثات، وترسيخ مبادئ الحوكمة.
وهذا التحول يجعل الاستثمار في المسؤولية المجتمعية استثماراً طويل الأجل في استقرار الاقتصاد وتعزيز ثقة المجتمع والمستثمرين.
وسام الأثر المجتمعي… ثقافة جديدة للتميز
يشكل “وسام الأثر المجتمعي” بعداً مهماً في هذه المنظومة، لأنه لا يكرم حجم الإنفاق، بل يكرم جودة الأثر وقابليته للقياس واستدامته. كما أن اعتماد “مؤشر الأثر” لتقييم الشركات يعكس انتقال الإمارات إلى مرحلة جديدة تقوم على المؤشرات والنتائج، بما يعزز الشفافية والتنافس الإيجابي بين المؤسسات.
انعكاسات إقليمية ودولية
من المتوقع أن تشكل هذه الاستراتيجية مرجعاً مهماً للدول العربية الراغبة في تطوير منظوماتها الوطنية للمسؤولية المجتمعية، لأنها تقدم نموذجاً عملياً يربط بين التنمية الاقتصادية والعمل الإنساني والاستدامة البيئية.
كما يمكن أن تسهم في تعزيز مكانة الإمارات كمركز إقليمي وعالمي لتبادل الخبرات في مجالات المسؤولية المجتمعية، والاستثمار المؤثر، والحوكمة البيئية والاجتماعية، واقتصاد الأثر.
رؤية مستقبلية
إن “استراتيجية شركات الإمارات من أجل الخير 2031” لا تمثل برنامجاً زمنياً حتى عام 2031 فحسب، بل تؤسس لثقافة مؤسسية جديدة ترى أن النجاح الحقيقي للشركات يُقاس بقدرتها على تحقيق قيمة اقتصادية واجتماعية وبيئية في الوقت نفسه.
ومن المرجح أن نشهد خلال السنوات المقبلة تطوراً في أدوات قياس الأثر، وزيادة في تقارير الاستدامة، وتوسعاً في الشراكات التنموية، بما يجعل الإمارات من أوائل الدول التي تبني اقتصاداً قائماً على الأثر المستدام.
الخاتمة
إن إطلاق “استراتيجية شركات الإمارات من أجل الخير 2031” يمثل محطة مفصلية في تطور المسؤولية المجتمعية على المستويين العربي والدولي. فهو يعكس رؤية قيادية تؤمن بأن التنمية لا تُقاس بالنمو الاقتصادي وحده، وإنما بقدرتها على تحسين حياة الإنسان، وحماية البيئة، وتعزيز الشراكات، وترك أثر إيجابي مستدام للأجيال القادمة.
وبهذا النهج، تؤكد دولة الإمارات أنها لا تكتفي بقيادة المبادرات الإنسانية، بل تقود أيضاً تطوير نموذج اقتصادي جديد، يجعل اقتصاد الأثر ركيزة أساسية للتنمية المستدامة، ويعزز مكانتها نموذجاً عالمياً في المسؤولية المجتمعية والاستدامة.
(*) المهندس عماد سعد:
استشاري أول في إدارة المشاريع البيئية والاستدامة والمسؤولية المجتمعية والتغير المناخي. خبير دولي ومحاضر معتمد في التنمية المستدامة، والمسؤولية المجتمعية، والإعلام البيئي. رئيس شبكة بيئة أبوظبي | مدير عام شركة نايا للاستشارات بالإمارات. (00971506979645)abudhabienv@gmail.com

بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز