شبكة بيئة ابوظبي، بقلم المهندس طارق حسان، خبير البيئة والتغيرات المناخية 14 يوليو 2026
في قلب أوروبا، وعلى ضفاف نهر الراين الهادئة، استضافت مدينة بون الألمانية في يونيو 2026 الدورة الرابعة والستين للهيئات الفرعية لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ (UNFCCC SB64). لم تكن هذه الدورة مجرد تجمع روتيني للدبلوماسيين والخبراء؛ بل كانت محطة مفصلية تعكس بوضوح التحديات الجيوسياسية والاقتصادية التي تعصف بالعالم. فبينما كانت أزمة مضيق هرمز تلقي بظلالها على استقرار أسواق الطاقة العالمية وتؤجج نيران التضخم، كانت تحذيرات المنظمة العالمية للأرصاد الجوية من قوة ظاهرة النينيو المتوقعة تزيد من القلق بشأن تفاقم الظواهر المناخية المتطرفة. في هذا المشهد المعقد، كان المجتمع الدولي يترقب من بون أن تترجم الوعود المناخية إلى أفعال ملموسة، وهو طموح اصطدم بواقع الانقسامات العميقة بين الدول.
لقد كان الجمود حول الهدف العالمي للتكيف (GGA) هو النقطة المحورية التي كشفت عن عمق هذه الانقسامات، وألقت بظلالها على كامل مسار المفاوضات. فبعد أن اتفقت الأطراف في مؤتمر الأطراف الثلاثين (COP30) على ضرورة مضاعفة تمويل التكيف ثلاث مرات بحلول عام 2035، ظلت التفاصيل الجوهرية لهذا الالتزام معلقة في الهواء. من أين سيأتي هذا التمويل؟ وما هي آليات احتسابه؟ وكيف سيتم توزيعه؟ هذه الأسئلة ظلت بلا إجابات واضحة، لتتحول إلى حجر عثرة أمام أي تقدم حقيقي.
في قاعات التفاوض ببون، رفعت مجموعات الدول النامية، وفي مقدمتها المجموعة الأفريقية ودول الجزر الصغيرة النامية (AOSIS) وأقل البلدان نمواً (LDCs) ومجموعة الـ 77 والصين، صوتها عالياً مطالبةً بإدراج هذا الالتزام التمويلي صراحةً ضمن نص الهدف العالمي للتكيف. لقد كان منطقهم واضحاً ومباشراً: لا يمكن تحقيق التكيف مع آثار تغير المناخ دون توفير الموارد المالية اللازمة، خاصة وأن مشاريع التكيف تعتمد بشكل كبير على التمويل العام القائم على المنح بدلاً من الاستثمار الخاص. في المقابل، أبدت دول متقدمة مثل كندا والنرويج واليابان تحفظها على هذا الإدراج، مفضلةً معالجة قضايا التمويل في سياقات تفاوضية أخرى، مما أدى إلى طريق مسدود.
هذا التباين في المواقف أدى إلى فشل الأطراف في التوصل إلى أي اتفاق بشأن الهدف العالمي للتكيف. ونتيجة لذلك، تم ترحيل هذا الملف الشائك إلى مؤتمر الأطراف الحادي والثلاثين (COP31) في أنطاليا، بموجب ما يعرف بـ “المادة 16″، وهي آلية إجرائية تعني عدم وجود نص متفق عليه يمكن البناء عليه. وقد عبرت العديد من الوفود، وعلى رأسها AOSIS، عن خيبة أملها العميقة، واصفةً النتيجة بأنها “غير مقبولة على الإطلاق”.
لم يقتصر الجمود على الهدف العالمي للتكيف فحسب، بل امتد ليشمل برنامج عمل التخفيف (MWP)، حيث واجهت المفاوضات صعوبات بالغة في التوصل إلى توافق حول سبل تعزيز خفض الانبعاثات العالمية. كما كانت قضايا التمويل بشكل عام، بما في ذلك التزامات الدول المتقدمة بتقديم الدعم المالي للدول النامية، نقطة خلاف رئيسية أثرت على جميع مسارات التفاوض. وشهدت النقاشات أيضاً خلافات حول مستقبل صندوق التكيف وكيفية انتقاله لخدمة اتفاق باريس حصرياً، بالإضافة إلى قضايا البحث والمراقبة المنهجية التي لم تحرز تقدماً يذكر.
وسط هذا المشهد الضبابي، لم تكن بون خالية تماماً من بصيص الأمل. فقد شهد المؤتمر توافقاً على استمرار برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP) في استضافة مركز تكنولوجيا المناخ (CTC)، مما يضمن استمرار تدفق الدعم التكنولوجي الحيوي للدول النامية. كما أحرزت المفاوضات تقدماً ملموساً في برنامج عمل الانتقال العادل (JTWP)، حيث تم وضع إطار عمل يحدد وظائف وطرائق آلية الانتقال العادل المستقبلية، والتي تهدف إلى ترجمة الالتزامات السياسية إلى دعم عملي للعمال والمجتمعات والبلدان التي تسعى للانتقال نحو اقتصادات أكثر استدامة.
في هذا السياق المعقد، برزت المجموعة العربية كلاعب محوري، حاملةً لواء العدالة والواقعية في مفاوضات المناخ. لقد كانت المجموعة العربية، بكتلتها التفاوضية الموحدة، صوتاً قوياً يدافع عن مصالح الدول النامية ويؤكد على مبدأ “المسؤولية المشتركة، ولكن المتباينة”، وهو المبدأ الذي يقر بمسؤولية الدول المتقدمة التاريخية في التسبب بتغير المناخ. لم تتردد المجموعة العربية في التنديد بالمعاملة غير المتكافئة التي واجهتها في مفاوضات التكنولوجيا، مشيرةً إلى تجاهل مقترحاتها النصية وعدم إدراجها في الوثائق النهائية. لقد كان هذا الموقف بمثابة رسالة واضحة بضرورة احترام جميع الأصوات والمساهمات في صياغة الحلول العالمية. كما كان التمويل هو حجر الزاوية في الموقف العربي، حيث أصرت الدول العربية على أن الالتزامات المالية ليست مجرد أرقام على الورق، بل هي شريان الحياة الذي يغذي جهود التكيف والتخفيف. وقد عبرت الشبكة العربية للعمل المناخي عن هذا الموقف بوضوح لا لبس فيه: “التنفيذ بدون تمويل هو مجرد خيال”.
ولم يقتصر الدور العربي على المطالبة بالتمويل، بل امتد ليشمل صياغة رؤى عملية لمستقبل العمل المناخي. فقد لعبت دول مثل المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة دوراً قيادياً في تطوير مفهوم “الانتقال العادل”، مؤكدةً على ضرورة أن تكون عملية التحول نحو اقتصادات منخفضة الكربون شاملة ومنصفة، وتأخذ في الاعتبار الظروف الوطنية الخاصة لكل دولة، وتضمن عدم الإضرار بمسارات التنمية الاقتصادية. كما شددت المجموعة العربية على أهمية توفير الوضوح حول كيفية تنفيذ الانتقال بعيداً عن الوقود الأحفوري، خاصة بالنسبة للدول النامية التي ترغب في تسريع هذا التحول، ولكنها تفتقر إلى الدعم الحقيقي للقيام بذلك.
رأي تحليلي: بين الواقعية السياسية وضرورة العمل المناخي
إن مخرجات SB64 في بون تكشف عن توتر جوهري بين الواقعية السياسية التي تحكم المفاوضات الدولية وضرورة العمل المناخي العاجل. فبينما يتفق الجميع على حجم التحدي وخطورة التداعيات، تظل المصالح الوطنية والاعتبارات الاقتصادية حجر عثرة أمام التوصل إلى اتفاقات طموحة وملزمة. إن الجمود حول الهدف العالمي للتكيف، وهو أحد الركائز الأساسية لمواجهة آثار تغير المناخ، يبعث برسالة مقلقة حول مدى استعداد الدول المتقدمة للوفاء بالتزاماتها التاريخية والمالية.
في هذا السياق، يبرز الموقف العربي كنموذج للواقعية الممزوجة بالمسؤولية. فالدول العربية، التي تعتمد اقتصاداتها بشكل كبير على الوقود الأحفوري، تدرك تماماً التحديات الاقتصادية والاجتماعية لعملية الانتقال. ومع ذلك، فإنها لم تتنصل من مسؤوليتها المناخية، بل سعت إلى صياغة مسار انتقال عادل ومنصف، يضمن التنمية المستدامة دون التضحية بالنمو الاقتصادي. إن إصرار المجموعة العربية على ربط التنفيذ بالتمويل العادل ونقل التكنولوجيا ليس مجرد مطالب تفاوضية، بل هو دعوة لاستعادة الثقة في النظام متعدد الأطراف، والتأكيد على أن العمل المناخي يجب أن يكون شراكة حقيقية لا عبئاً يقع على عاتق الدول النامية وحدها.
إن الطريق إلى COP31 في أنطاليا سيكون محفوفاً بالتحديات. ولكن الدرس المستفاد من بون واضح: لا يمكن تحقيق تقدم حقيقي دون معالجة جذور الانقسام، وهي قضية التمويل والعدالة المناخية. على الدول المتقدمة أن تدرك أن استمرار الجمود لن يؤدي إلا إلى تقويض مصداقية العملية المناخية برمتها، وأن الاستثمار في التكيف والتخفيف في الدول النامية هو استثمار في مستقبل الكوكب بأسره. أما الدول العربية، فستظل مطالبة بمواصلة دورها الفاعل، وأن تكون صوتاً للواقعية والعدالة، وأن تساهم في صياغة حلول عملية توازن بين الطموح المناخي والضرورات التنموية.
المراجع
[1] Earth Negotiations Bulletin. (2026, June 8-18). Summary report, 8–18 June 2026. Retrieved from
[2] Carbon Brief. (2026, June 19). Bonn climate talks: Key outcomes from the June 2026 UN climate conference. Retrieved from
[3] Climate Action Network. (2026, June 18). SB64 exposes growing gap between implementation rhetoric and delivery. Retrieved from
[4] Earth Negotiations Bulletin. (2026, June 17). Daily report for 17 June 2026. Retrieved from
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز