من الاستعراض الدولي إلى المساءلة الوطنية – المنطقة العربية حاضرة ب 8 تقارير طوعية
شبكة بيئة ابوظبي، بقلم، هلا صبحي مراد، خبيرة في سياسات البيئة والمناخ، المملكة الأردنية الهاشمية، 15 يوليو / حزيران 2026
يقدم وفد الأردن الخامس عشر من تموز 2026 مراجعته الوطنية الطوعية الثالثة أمام المنتدى السياسي الرفيع المستوى المعني بالتنمية المستدامة في نيويورك. وتأتي هذه المراجعة في مرحلة مفصلية، مع اقتراب عام 2030، وتزايد الحاجة إلى تقييم النتائج الفعلية لا الاكتفاء بعرض الخطط والالتزامات.
المراجعة الوطنية الطوعية ليست تقريرا بروتوكوليا يقدم أمام المجتمع الدولي، بل يفترض أن تكون مسارا وطنيا لتقييم التقدم، وكشف الفجوات، وتصحيح السياسات، وتعزيز المشاركة والمساءلة، وتزداد قيمتها عندما تكون بياناتها متاحة، ومنهجيتها واضحة، ونتائجها قابلة للنقاش قبل العرض الدولي وبعده.
لكن حتى الرابع عشر من تموز، أي عشية تقديم الأردن لمراجعته، لم يكن التقرير الكامل متاحا للجمهور، واقتصر المنشور على وثيقة من صفحتين تتضمن الرسائل الرئيسية، ولا يثبت ذلك ضعفا في مضمون التقرير الذي لم ينشر بعد، لكنه يكشف ضعفا واضحا في الإتاحة والشفافية، ويحد من قدرة المجتمع المدني والباحثين والإعلام والبرلمان على قراءة البيانات ومقارنتها بالمراجعتين السابقتين وتقديم ملاحظات مستندة إلى الأدلة.
وتكتسب هذه الملاحظة أهمية إضافية في السياق العربي للمنتدى، فوفق التحديث المنشور، تشارك ثماني دول عربية في تقديم مراجعاتها الوطنية الطوعية لعام 2026، وكانت التقارير الكاملة لخمس دول متاحة، هي السعودية وتونس والصومال والبحرين والجزائر، بينما بقيت تقارير الإمارات والأردن ومصر غير منشورة في التحديث المتاح حتى الرابع عشر من تموز. ويؤكد ذلك أن التأخر لم يكن حالة أردنية منفردة، لكنه ظل محصورا في أقلية من الدول العربية المشاركة، كما يثبت أن النشر المسبق كان ممكنا وقد التزمت به غالبية الدول.
ويجب التمييز هنا بين مجرد نشر التقرير وبين نشره في وقت يسمح بمراجعته فعليا، فالتقرير الذي يصبح متاحا بعد اكتمال العرض يفقد جزءا من قيمته كأداة للمشاركة العامة، ويتحول إلى وثيقة للتلقي اللاحق بدلا من أن يكون أساسا لنقاش وطني يسبق العرض الدولي.
تشير الرسائل الرئيسية للمراجعة الثالثة إلى تنظيم أهداف التنمية المستدامة ضمن خمسة محاور مرتبطة برؤية التحديث الاقتصادي، تشمل رأس المال البشري، والتحول الاقتصادي، والمناخ والمياه، والبنية التحتية، والحوكمة. كما تبرز الحماية الاجتماعية، والأمن الغذائي، والتعليم، وفرص العمل، والتحول الرقمي، والطاقة المتجددة، والمدن المستدامة، والتمويل التنموي.
يمثل هذا الربط بين الأهداف العالمية والأولويات الوطنية خطوة مهمة، لكنه يحمل مخاطرة منهجية تتمثل في تحول المراجعة إلى عرض لتنفيذ رؤية التحديث الاقتصادي، بدلا من استخدامها كأداة مستقلة لتقييم نتائج السياسات الوطنية، فوجود استراتيجية أو برنامج أو مشروع لا يمثل نتيجة تنموية بحد ذاته. النتيجة تقاس بالتغير الذي تحقق في حياة الناس، وبانخفاض الفقر والبطالة، وتحسن جودة الخدمات، وتراجع الفجوات بين المحافظات والفئات الاجتماعية.
وتظهر هذه الإشكالية بوضوح في قطاع المياه، والذي اصدرنا تقرير الراصد العربي حوله مؤخرا ، اذ تشير الرسائل الرئيسية المنشورة في الموجز إلى وصول خدمات المياه إلى نحو 99 في المئة من السكان، وإلى مشروع الناقل الوطني الذي يستهدف توفير ما يصل إلى 300 مليون متر مكعب سنويا، غير أن الوصول إلى الشبكة لا يعكس وحده انتظام التزويد، وجودة المياه، وقدرة الأسر على تحمل الكلفة، والتفاوت بين المحافظات والأحياء، والاعتماد على شراء المياه من الصهاريج ، وتحتاج المراجعة إلى الانتقال من مؤشرات التغطية العامة إلى مؤشرات الجودة والعدالة والاستمرارية.
وفي المقابل، تقدم المراجعة المحلية الطوعية الثانية لمدينة عمان تجربة أكثر تفصيلا في ربط المؤشرات بالمشروعات والسياسات، فقد جمعت بين البيانات، ومحفظة المشروعات، والاستراتيجيات المؤسسية، وانتهت إلى توصيات مرتبطة بجهات مسؤولة، ومؤشرات تنفيذ، ومسارات تمويل، كما شاركت في إعدادها مؤسسات حكومية ومجتمع مدني وأكاديميون وقطاع خاص وشركاء أمميون.
لكن هذه التجربة تكشف أيضا مشكلة أخرى تتعلق بتمركز الاهتمام الدولي والأممي في العاصمة، وليس من الدقة وصف هذا التمركز بأنه تحيز مقصود، إلا أن من المشروع وصفه بأنه اختلال مؤسسي وجغرافي في توزيع الدعم والاهتمام، فقد حظيت عمان بدعم فني ومؤسسي متقدم من الإسكوا وموئل الأمم المتحدة، بينما لا تزال مدن ومحافظات أخرى أقل حضورا في مسارات المراجعات المحلية، رغم أنها تواجه فجوات أكبر في الخدمات والبيانات والتمويل والقدرة المؤسسية، نأمل ان لا نصل الى عام 2030 ونحن بنفس النهج والعمل.
الا انه قد يكون لهذا التركز أسباب عملية، منها توفر البيانات، ووجود مرصد حضري، وارتفاع القدرة المؤسسية لأمانة عمان، وسهولة التنسيق مع العاصمة، لكن النتيجة تظل غير متوازنة. فتركيز الموارد الفنية والظهور الدولي في المدينة الأكثر قدرة قد يعمق الفجوة بينها وبين البلديات الأقل قدرة، بدلا من استخدام المراجعات الطوعية لتقليص هذه الفجوة.
كما أن عمان، رغم ثقلها السكاني والاقتصادي، لا تمثل الأردن برمته، ولا يمكن بناء صورة وطنية متوازنة من خلال العاصمة وحدها، في ظل التفاوت بين الشمال والوسط والجنوب، وبين المدن والريف والبادية، وبين البلديات الكبرى والصغرى، ولذلك ينبغي أن يتحول دعم المنظمات الأممية من نموذج يتركز في العاصمة إلى برنامج وطني لتطوير المراجعات المحلية الطوعية في محافظات وبلديات متعددة، مع أولوية للمناطق الأقل قدرة والأكثر تعرضا للفجوات التنموية والمناخية.
ويتطلب ذلك وضع إطار وطني لتوطين أهداف التنمية المستدامة، وتوفير دعم فني وتمويلي متوازن للبلديات، وتعزيز المراصد المحلية، ونشر بيانات مفصلة حسب المحافظة والجنس والعمر والدخل والإعاقة ومكان السكن، كما ينبغي ربط المراجعات المحلية بالمراجعة الوطنية من الأسفل إلى الأعلى، بحيث تصبح المحافظات والبلديات منتجة للبيانات والسياسات، لا مجرد جهات تتلقى نتائج التقرير الوطني.
وتبقى القيمة الحقيقية للمراجعة الثالثة مرتبطة بما سيحدث بعد نيويورك. فالمطلوب نشر التقرير الكامل وبياناته، وعقد نقاش وطني وبرلماني حول نتائجه، وإصدار تقارير متابعة سنوية حتى 2030، وربط كل التزام بجهة مسؤولة، ومؤشر أداء، ومخصص مالي، وجدول زمني.
نجاح المراجعة لن يقاس بجودة العرض الدولي وحده، بل بقدرتها على التحول إلى أداة وطنية للمساءلة وتصحيح المسار. فالتنمية المستدامة ليست رواية رسمية عن الإنجازات، بل عملية عامة يملك المجتمع حق الاطلاع عليها، والمشاركة فيها، ومراجعة نتائجها، والمطالبة بتوزيع أكثر عدالة للفرص والموارد والاهتمام بين جميع مناطق الأردن.
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز