بمناسبة اليوم العالمي للعمل الإنساني 19 أغسطس 2026
عماد سعد:
• الإمارات رسخت نموذجاً إنسانياً ينتقل من الاستجابة للأزمات إلى بناء قدرة المجتمعات على الصمود
• مستقبل العمل الإنساني يتطلب الانتقال من الإغاثة إلى بناء المرونة ودمج المناخ والبيئة والمسؤولية المجتمعية في صناعة الأثر المستدام
• حماية الإنسان لا تنفصل عن حماية البيئة.. والمسؤولية المجتمعية شريك أساسي في بناء القدرة على مواجهة الأزمات
شبكة بيئة أبوظبي، بقلم المهندس عماد سعد، خبير الاستدامة والعمل المناخي والمسؤولية المجتمعية، 19 أغسطس 2026
أكد المهندس عماد سعد، خبير الاستدامة والتغير المناخي والمسؤولية المجتمعية، مؤسس ورئيس شبكة بيئة أبوظبي، أن اليوم العالمي للعمل الإنساني يمثل مناسبة عالمية لتجديد التقدير للعاملين والمتطوعين في ميادين العمل الإنساني، واستحضار قيم التضامن والتكافل وصون الكرامة الإنسانية، لكنه يمثل أيضاً فرصة لإعادة التفكير في مستقبل العمل الإنساني في عالم تتزايد فيه المخاطر البيئية والمناخية وتتداخل فيه الأزمات الإنسانية مع تحديات التنمية.
وقال سعد إن العالم يشهد تحولاً عميقاً في طبيعة الأزمات الإنسانية؛ إذ لم تعد الكوارث والمخاطر البيئية والتغير المناخي وشح المياه وتدهور الأراضي وفقدان التنوع الحيوي وانعدام الأمن الغذائي قضايا منفصلة، بل أصبحت عوامل مترابطة تؤثر بصورة مباشرة في حياة الإنسان وسبل عيشه واستقرار المجتمعات وقدرتها على الصمود.
وأضاف أن هذا الواقع يفرض الانتقال من المفهوم التقليدي للعمل الإنساني، القائم بصورة رئيسية على الاستجابة بعد وقوع الأزمات، إلى مقاربة أكثر استباقية تجمع بين العمل الإنساني والتنمية المستدامة والعمل المناخي والحد من مخاطر الكوارث وبناء القدرة على الصمود.
الإمارات.. من العطاء إلى صناعة الأثر
وأشار رئيس شبكة بيئة أبوظبي إلى أن دولة الإمارات العربية المتحدة قدمت نموذجاً متقدماً في العمل الإنساني، يقوم على الجمع بين سرعة الاستجابة للأزمات وبين دعم التنمية وتمكين المجتمعات، انطلاقاً من رؤية تعتبر الإنسان محوراً أساسياً للتنمية وغايتها النهائية.
وقال: «لقد أرسى المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، مدرسة إنسانية متفردة جعلت العطاء والتضامن مع الإنسان، دون تمييز بسبب الجغرافيا أو العرق أو الثقافة، جزءاً أصيلاً من قيم دولة الإمارات ورسالتها الحضارية، وهي المسيرة التي تواصلها الدولة بقيادة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله».
وأضاف أن القيمة الحقيقية للعمل الإنساني لا ينبغي أن تقاس فقط بحجم المساعدات المقدمة، وإنما أيضاً بحجم الأثر المستدام الذي تتركه هذه المساعدات في حياة الإنسان، وقدرتها على تمكين المجتمعات وتقليل هشاشتها وتعزيز قدرتها على مواجهة الأزمات المستقبلية.
لا أمن إنسانياً من دون أمن بيئي
وأوضح سعد أن أحد أهم التحولات التي ينبغي أن يشهدها العمل الإنساني خلال المرحلة المقبلة يتمثل في الاعتراف بالعلاقة الوثيقة بين سلامة البيئة وأمن الإنسان.
وقال: «لا يمكن أن نتحدث عن حماية الإنسان بينما تتدهور الأراضي التي توفر غذاءه، أو تتناقص المياه التي يعتمد عليها، أو تتراجع النظم البيئية التي تحمي مصادر رزقه. فالإنسان والبيئة ليسا مسارين منفصلين، وحماية الطبيعة أصبحت في جوهرها شكلاً من أشكال حماية الإنسان».
وأكد أن الاستثمار في استعادة النظم البيئية، والإدارة المستدامة للمياه، والزراعة الذكية مناخياً، والأمن الغذائي، والطاقة النظيفة، والحلول القائمة على الطبيعة، والاقتصاد الدائري، يمثل استثماراً مباشراً في الحد من الهشاشة الاجتماعية والاقتصادية وبناء مجتمعات أكثر قدرة على مواجهة الصدمات.
تغير المناخ يغير خريطة الاحتياجات الإنسانية
وأشار سعد إلى أن تغير المناخ يضيف أبعاداً جديدة للعمل الإنساني، خصوصاً بالنسبة للمجتمعات الأكثر هشاشة، التي تتحمل في كثير من الأحيان تداعيات بيئية ومناخية تفوق قدرتها على التكيف معها.
وأكد أن موجات الحرارة والجفاف والفيضانات وحرائق الغابات وتدهور الأراضي والضغط المتزايد على الموارد المائية والغذائية أصبحت تضاعف المخاطر القائمة، الأمر الذي يستدعي تطوير أدوات العمل الإنساني بحيث تصبح أكثر استباقية، وتعتمد بصورة أكبر على الإنذار المبكر والبيانات والعلوم والتكنولوجيا والتخطيط المبني على المخاطر.
وقال: «المطلوب اليوم ألا ننتظر الأزمة كي نتحرك؛ بل أن نستثمر قبل وقوعها في قدرة الإنسان والمجتمع والنظم البيئية على الصمود.»
المسؤولية المجتمعية من التبرع إلى الشراكة
وفي سياق متصل، أكد مؤسس ورئيس شبكة بيئة أبوظبي أن القطاع الخاص يتحمل مسؤولية متزايدة في دعم العمل الإنساني والتنموي، مشيراً إلى ضرورة الانتقال بالمسؤولية المجتمعية من نموذج التبرعات والمبادرات الموسمية إلى شراكة مؤسسية طويلة الأمد تسهم في معالجة جذور التحديات وتحقيق أثر اجتماعي وبيئي قابل للقياس.
وأضاف أن المسؤولية المجتمعية الحديثة ينبغي أن ترتبط باستراتيجية المؤسسة وقراراتها الاستثمارية وسلاسل الإمداد وإدارة الموارد وسياساتها المناخية والبيئية، بحيث يصبح الأثر الإيجابي جزءاً من طريقة ممارسة الأعمال، وليس نشاطاً منفصلاً عنها.
وقال: «المؤسسة المسؤولة ليست فقط التي تقدم المساعدة عند وقوع الأزمة، وإنما التي تسأل أيضاً عن أثر أعمالها في الإنسان والمجتمع والبيئة، وتعمل بصورة استباقية على تقليل المخاطر وتعظيم القيمة المشتركة».
من الإغاثة إلى المرونة والاستدامة
وشدد سعد على أن مستقبل العمل الإنساني يتطلب تكاملاً أكبر بين الحكومات والمؤسسات الإنسانية والقطاع الخاص والمجتمع المدني والجامعات ومراكز البحث العلمي والمنظمات الدولية والمجتمعات المحلية.
وأكد أن الانتقال من الإغاثة إلى التعافي، ومن التعافي إلى التمكين، ومن التمكين إلى بناء القدرة على الصمود ينبغي أن يشكل مساراً متكاملاً للعمل الإنساني المستدام.
وأضاف أن المعرفة والابتكار والذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات والاستشعار عن بعد وأنظمة الإنذار المبكر يمكن أن تؤدي دوراً متنامياً في تحديد المناطق والمجتمعات الأكثر عرضة للمخاطر، وتحسين كفاءة توجيه الموارد، ورفع جاهزية المجتمعات قبل وقوع الأزمات.
وأشار إلى أن شبكة بيئة أبوظبي، من خلال رسالتها الإعلامية والمعرفية والمجتمعية، تؤمن بأهمية نشر الوعي بالعلاقة بين البيئة والتنمية والعمل الإنساني، وتعزيز الشراكات وتبادل المعرفة والممارسات التي تسهم في بناء مجتمعات أكثر استدامة ومرونة وقدرة على مواجهة تحديات المستقبل.
الإنسان في قلب الاستدامة
واختتم المهندس عماد سعد تصريحه قائلاً: «في اليوم العالمي للعمل الإنساني، نوجه تحية تقدير لكل من اختار أن يقف إلى جانب الإنسان في أوقات الشدة، ولكل العاملين والمتطوعين في ميادين الإغاثة والتنمية حول العالم. لكن مسؤوليتنا اليوم تتجاوز الاستجابة للأزمة إلى العمل على منع تحول المخاطر إلى أزمات إنسانية جديدة.»
وأضاف: «العمل الإنساني الأكثر استدامة هو الذي يحفظ كرامة الإنسان، ويحمي بيئته وموارده الطبيعية، ويعزز قدرته على الاعتماد على ذاته، ويترك للمجتمع بعد انتهاء المساعدة قدرة أكبر على الصمود مما كانت لديه قبلها. فالإنسان هو محور الاستدامة، ولا يمكن أن نحمي الإنسان من دون أن نحمي البيئة التي تمنحه الماء والغذاء والهواء وسبل الحياة.»
هذه الصياغة، برأيي، تمنح تصريح شبكة بيئة أبوظبي هوية مختلفة تماماً عن تصريح أمين عام الجائزة: الأول يصبح صوتاً متخصصاً في الإنسان–البيئة–المناخ–المسؤولية المجتمعية–المرونة، بينما يبقى تصريح الجائزة أقرب إلى الأمن الغذائي والزراعة والتمكين والابتكار الزراعي. وهذا الفصل بين الرسالتين مهم إعلامياً حتى لا تبدوا المادتان نسختين من خطاب واحد.
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز