مصطفى بنرامل:
• ما بعد موجات الحر… المتوسط أمام مناخ جديد
• حين تصبح الـ50 درجة واقعاً… المغرب في مواجهة عصر الحرارة القصوى
• موجات الحر القياسية التي تشهدها منطقة البحر المتوسط في صيف 2026: الأسباب والتداعيات – المغرب نموذجاً
شبكة بيئة أبوظبي، مصطفى بنرامل (*) خبير بيئي، رئيس جمعية المنارات الإيكولوجية من أجل التنمية والمناخ، المملكة المغربية 18 أغسطس / غشت 2026
يشهد حوض البحر المتوسط خلال صيف 2026 تصاعداً لافتاً في شدة موجات الحر وتواترها ومدتها، في سياق مناخي يتسم بارتفاع خط الأساس الحراري، ودفء استثنائي لسطح البحر، وتكرر حالات الضغط الجوي المرتفع التي تؤدي إلى تشكل ما يعرف بـ«القبة الحرارية (Heat Dome)، فضلاً عن جفاف التربة وتراجع الرطوبة السطحية، وهي عوامل تعمل بصورة متزامنة على تضخيم الحرارة وتطويل أمدها. وتكتسب الظاهرة أهمية خاصة بالنسبة للمغرب، باعتباره بلداً متوسطياً وشمال إفريقياً شديد الحساسية للتغيرات المناخية ولتقلبات الموارد المائية.
تشير المعطيات المنشورة خلال صيف 2026 إلى أن المغرب عرف، خلال فترة لا تتجاوز ثلاثة أشهر، أربع موجات حر على الأقل، وصلت خلالها درجات الحرارة في بعض المناطق إلى مستويات تقارب 49-50 درجة مئوية، مع تسجيل انحرافات حرارية بلغت في بعض الحالات نحو 12 درجة مئوية فوق المعدلات الموسمية. وخلال موجة الحر التي بدأت في 20 يوليوز 2026، تراوحت درجات الحرارة في جنوب وجنوب شرق المملكة بين 44 و47 درجة مئوية.
وفي الوقت نفسه، سجل البحر الأبيض المتوسط ظروفاً بحرية حرارية استثنائية؛ إذ استمرت موجة حر بحرية قوية في غرب المتوسط حتى غشت، بينما بلغت درجات حرارة سطح البحر في المتوسط خلال ذروة الصيف مستويات قياسية، مع تسجيل قيم محلية تقارب 33°C. وتؤدي هذه الظاهرة إلى تقليص التبريد الليلي في المناطق الساحلية وزيادة الرطوبة والإجهاد الحراري، كما تضيف ضغوطاً جديدة على النظم البحرية والساحلية.
وتخلص الدراسة إلى أن موجات الحر في المغرب لم تعد مجرد أحداث جوية استثنائية منفصلة، بل أصبحت جزءاً من تحول مناخي أوسع يتطلب الانتقال من إدارة الطوارئ إلى سياسات استباقية للتكيف المناخي، وإدارة الطلب على المياه، وحماية الصحة العامة، وإعادة التفكير في التخطيط الحضري والزراعي والغابوي.
الكلمات المفتاحية: موجات الحر؛ التغير المناخي؛ القبة الحرارية؛ الإجهاد الحراري؛ التكيف المناخي.
مقدمة
أصبح التطرف الحراري أحد أبرز مظاهر التغير المناخي في منطقة البحر المتوسط وشمال إفريقيا. فارتفاع درجات الحرارة لم يعد يظهر فقط من خلال تحطيم الأرقام القياسية القصوى، وإنما كذلك من خلال زيادة مدة موجات الحر، وارتفاع درجات الحرارة الدنيا ليلاً، وتواتر تتابع الموجات الحرارية، واتساع رقعتها الجغرافية. وتكتسي سنة 2026 أهمية خاصة في هذا السياق. فقد شهدت أوروبا الغربية في يونيو 2026 أكثر أشهر يونيو حرارة على الإطلاق بالنسبة للمنطقة الغربية الأوروبية، بمتوسط بلغ 20.74°C، أي أعلى ب °C ـ3.06 من متوسط الفترة 1991–2020. كما سجلت موجات حر واسعة النطاق درجات قياسية في مناطق مختلفة من أوروبا.
وفي يوليوز، استمرت الظروف الحرارية غير الاعتيادية، بينما أظهرت بيانات خدمة كوبرنيكوس لتغير المناخ أن يوليوز 2026 كان من بين أكثر أشهر يوليوز حرارة عالمياً، مع تسجيل أعلى درجة حرارة لسطح البحار في يوليوز على الإطلاق وفق المعطيات التي نشرت خلال غشت.
ولا يمكن فصل هذه الظاهرة عن السياق المناخي طويل المدى. فالمناخ المتوسطي أصبح أكثر دفئاً وجفافاً، وهو ما يجعل موجات الحر أكثر قابلية للتشكل والاستمرار، بينما تؤدي التربة الجافة والنباتات المتعطشة للماء إلى تقليص التبريد الطبيعي عبر التبخر-النتح، فتتحول نسبة أكبر من الطاقة الشمسية إلى تسخين مباشر للهواء والسطح.
ومن هنا تطرح موجات حر صيف 2026 سؤالاً أساسياً: هل نحن أمام سلسلة من الأحداث الجوية الاستثنائية، أم أمام تعبير جديد عن مناخ متوسطي آخذ في التحول؟

1- صيف 2026: موجات حر متعددة في الحوض المتوسطي
شهد صيف 2026 تزامناً بين موجات حر برية وموجات حر بحرية، الأمر الذي جعل الظاهرة أكثر تعقيداً من مجرد ارتفاع مؤقت في درجات حرارة الهواء.
ففي أوروبا الغربية، جعلت موجات الحر المتكررة من يونيو 2026 أكثر شهور يونيو حرارة في السجل الحديث للمنطقة، بينما سجلت أجزاء من إسبانيا والبرتغال وفرنسا وإيطاليا درجات حرارة تجاوزت 40°C في عدة مناسبات. ويرتبط جزء كبير من هذه الأحداث بأنظمة ضغط جوي مرتفع مستقرة تعمل على احتجاز الهواء الساخن ومنع تبادل الكتل الهوائية، وهي الظاهرة التي يشار إليها إعلامياً وعلمياً في بعض الحالات باسم Heat Dome أو القبة الحرارية.
وفي غرب المتوسط، لم تقتصر الاستثنائية على اليابسة. فقد أفادت بيانات كوبرنيكوس بأن ظروف موجة حر بحرية استمرت في غرب البحر المتوسط خلال صيف 2026، وأن درجات حرارة سطح البحر ظلت مرتفعة بصورة غير معتادة حتى 13 غشت 2026.
وهذا التزامن بين سخونة اليابسة وسخونة البحر مهم للغاية؛ لأن البحر الدافئ يقلل قدرة السواحل على التخلص من الحرارة خلال الليل، كما يزيد من الرطوبة، وبالتالي قد ترتفع درجة الإجهاد الحراري التي يتعرض لها الإنسان حتى عندما لا تكون درجة حرارة الهواء وحدها قياسية.
2- المغرب: نموذج مكثف للتطرف الحراري المتوسطي
يقدم المغرب خلال صيف 2026 مثالاً واضحاً على التداخل بين التغير المناخي والتطرف الحراري والإجهاد المائي. فوفق المعطيات المنشورة في يوليوز 2026، شهد المغرب أربع موجات حر خلال ثلاثة أشهر، ووصلت درجات الحرارة في بعض المناطق إلى مستويات تقترب من 50°C، بينما بلغت الانحرافات عن المعدلات الموسمية في بعض الفترات حوالي 12°C. وخلال موجة الحر التي بدأت في 20 يوليوز، سجلت مناطق الجنوب والجنوب الشرقي درجات تراوحت بين °C. 44و47 وتظهر أهمية هذه الأرقام عندما توضع في سياق التكرار الزمني. فالمشكلة لا تتمثل فقط في تسجيل °C 45 أو 47 أو 48، بل في تكرار الوصول إلى هذه المستويات خلال فترات قصيرة، بما لا يسمح للأنظمة الطبيعية والاجتماعية بالعودة إلى ظروفها الحرارية المعتادة.
وهذا التحول من «حدث حراري» إلى «سلسلة من الأحداث الحرارية» يمثل أحد أخطر أبعاد الأزمة المناخية؛ لأن المخاطر تتراكم مع الزمن. فالإنسان الذي يتعرض لموجة حر أولى ثم ثانية وثالثة لا يواجه المخاطر نفسها التي يواجهها عند وقوع موجة واحدة معزولة.
3- لماذا أصبحت موجات الحر أكثر شدة؟
1.3 الاحترار العالمي وارتفاع خط الأساس الحراري
العامل الأساسي هو ارتفاع متوسط درجة حرارة النظام المناخي العالمي نتيجة تراكم غازات الدفيئة في الغلاف الجوي. عندما يصبح خط الأساس الحراري أعلى، فإن موجة الحر التي كانت نادرة في الماضي يمكن أن تصبح أكثر احتمالاً وشدة في المناخ الحالي. وهذا لا يعني أن تغير المناخ «يصنع» كل موجة حر بشكل مباشر، وإنما يعني أنه يضيف إليها درجات حرارية ويرفع احتمالية تجاوز العتبات القصوى.
وقد أكدت خدمة كوبرنيكوس أن التغير المناخي يجعل موجات الحر الأوروبية أكثر تواتراً وشدة، حتى عندما يكون السبب المباشر للحدث هو نمط جوي طبيعي محدد.
2.3 القبة الحرارية والضغط الجوي المرتفع
تعتبر أنظمة الضغط المرتفع المستقرة من أهم الآليات الجوية التي تسمح بتشكل موجات الحر. فعندما يستقر مرتفع جوي قوي فوق منطقة واسعة، فإنه يؤدي إلى:
• هبوط الهواء وتسخينه؛
• سماء صافية وزيادة الإشعاع الشمسي؛
• ضعف حركة الرياح؛
• الحد من دخول الكتل الهوائية الباردة؛
• استمرار الحرارة لعدة أيام.
وفي صيف 2026، أشارت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية إلى أن أنظمة الضغط المرتفع المستمرة عملت على حبس الحرارة، وأن تأثيرها تضاعف بسبب دفء البحار وجفاف التربة وارتفاع خط الأساس الحراري.
3.3 البحر المتوسط كمضخم حراري
يشكل البحر المتوسط عنصراً مركزياً في فهم موجات الحر الحالية. فالبيانات المنشورة في غشت 2026 أظهرت استمرار موجة حر بحرية في غرب المتوسط، في حين سجل المتوسط درجات حرارة سطح بحرية مرتفعة جداً، وصلت في بعض المناطق إلى حوالي 33°C.
ويؤدي ارتفاع حرارة البحر إلى مجموعة من الآثار المتداخلة:
1. زيادة الرطوبة في الطبقات السفلى من الغلاف الجوي؛
2. الحد من التبريد الليلي للمناطق الساحلية، رفع الإحساس الحراري؛
3. الضغط على الكائنات البحرية،التأثير على الصيد وتربية الأحياء المائية؛
4. تغيير توزيع الأنواع البحرية.
وقد أظهرت خبرة السنوات السابقة أن ارتفاع حرارة غرب المتوسط يمكن أن يزيد الرطوبة ويحد من انخفاض الحرارة ليلاً، وهو ما يرفع مخاطر الإجهاد الحراري على الإنسان.

4- جفاف التربة: الحلقة المفقودة في تفسير شدة الحرارة
لا يمكن تفسير موجات الحر في شمال إفريقيا دون إدخال رطوبة التربة في التحليل. فعندما تكون التربة رطبة، يذهب جزء مهم من الطاقة الشمسية إلى تبخير الماء، وبالتالي يساهم التبخر-النتح في تبريد السطح. أما عندما تصبح التربة جافة، فإن هذه الآلية تتراجع، وتتحول نسبة أكبر من الطاقة إلى حرارة محسوسة.
وهكذا يتشكل ما يمكن تسميته حلقة التغذية الراجعة الحرارية–المائية:
الحرارة زيادة التبخر انخفاض المياه جفاف التربة ضعف التبريد الطبيعي ارتفاع إضافي للحرارة زيادة الطلب على المياه.
وهذا ما يجعل منطقة البحر المتوسط وشمال إفريقيا شديدة الحساسية للتغير المناخي. وتشير الدراسات الحديثة حول شمال إفريقيا إلى أن موجات الحر أصبحت أطول وأكثر شدة، وأنها تتقاطع بصورة متزايدة مع الجفاف والإجهاد المائي وضعف قدرة الأنظمة الحضرية على الاستجابة.
5- التداعيات المائية في المغرب
تعد المياه المجال الأكثر حساسية لموجات الحر المتكررة. صحيح أن المغرب دخل سنة 2026 بوضعية مائية أفضل بكثير من السنوات السابقة، بعد تساقطات مهمة ساهمت في ارتفاع ملء السدود، حيث بلغ معدل الملء حوالي 75.94% في أواخر مايو 2026. لكن ارتفاع المخزون لا يعني انتهاء الخطر المائي. فخلال فصل الصيف، تؤدي الحرارة المرتفعة إلى زيادة التبخر، بالتزامن مع ارتفاع الطلب على مياه الشرب والري والصناعة.
وأظهرت معطيات منشورة خلال يوليوز أن خزانات السدود المغربية فقدت حوالي 158.6 مليون متر مكعب خلال الأيام العشرة الأولى من يوليوز في سياق تزامن موجات الحر مع ارتفاع الطلب المائي. وبذلك فإن التحدي المغربي يتحول تدريجياً من مجرد تعبئة المياه إلى سؤال أكثر تعقيداً يتعلق بـــــــــــ كمية المياه التي يمكن الاحتفاظ بها واستعمالها بكفاءة في ظل ارتفاع درجات الحرارة؟ وهذا يفرض إدماج الحرارة والتبخر في التخطيط المائي، وليس الاعتماد فقط على كميات التساقطات أو نسب ملء السدود.
6- الزراعة والأمن الغذائي
القطاع الزراعي هو من أكثر القطاعات تعرضاً لتداعيات موجات الحر، لأنه يجمع بين الحساسية الحرارية والاعتماد على المياه. وفي المغرب، تتزامن الحرارة مع زيادة حاجات الري، وتراجع رطوبة التربة، وتراجع الموارد العلفية، وهو ما يزيد الضغط على الزراعات والثروة الحيوانية. وقد أشارت تحليلات منشورة في 2026 إلى أن المحاصيل البعلية تأثرت، بينما ارتفعت احتياجات الري في وقت أصبحت فيه المياه أكثر ندرة، كما تراجعت الموارد العلفية وأصبح قطاع تربية الماشية أكثر هشاشة. وتكشف هذه الوضعية عن مفارقة استراتيجية: كلما ارتفعت الحرارة زادت حاجة الزراعة للمياه، بينما يؤدي ارتفاع الحرارة والجفاف في الوقت نفسه إلى تقليص الموارد المائية المتاحة. ومن ثم فإن الأمن الغذائي في المغرب أصبح مرتبطاً بشكل متزايد بالأمن المائي والقدرة على التكيف المناخي.
7- الحرائق والغابات
تزيد الحرارة الشديدة وجفاف النباتات والتربة وسرعة الرياح من قابلية النظم الغابوية للاشتعال. وبحسب معطيات الوكالة الوطنية للمياه والغابات، سجل المغرب بين بداية السنة و20 يوليوز 2026 حوالي 310 حرائق غابوية، أدت إلى احتراق حوالي 1,850 هكتاراً، منها 832 هكتاراً من الغابات و1,018 هكتاراً من الأعشاب والغطاء النباتي الثانوي. ولا يمكن اختزال مخاطر الحرائق في ارتفاع درجة الحرارة وحدها؛ إذ تنتج الخطورة القصوى من اجتماع:
الحرارة + الجفاف + رياح قوية + نباتات جافة + تدخل بشري.

وبالتالي، فإن ارتفاع الحرارة يعمل كمضاعف للمخاطر وليس كسبب وحيد للحرائق.
8- التأثيرات الصحية والاجتماعية
تعتبر موجات الحر من أخطر الظواهر المناخية على الصحة العامة، خصوصاً عندما ترتفع درجات الحرارة ليلاً ولا يستطيع الجسم استعادة توازنه الحراري. ويزداد الخطر بالنسبة إلى:
• كبار السن؛
• الأطفال؛
• الأشخاص الذين يعملون في الهواء الطلق؛
• العمال الزراعيين؛
• عمال البناء؛
• الأشخاص في وضعية هشاشة اجتماعية؛
• سكان المدن ذات الجزر الحرارية؛
• الأشخاص الذين لا يتوفرون على وسائل تبريد مناسبة.
ويُعد ارتفاع الحرارة الليلية مؤشراً مهماً، لأن انخفاض درجات الحرارة ليلاً يمثل آلية طبيعية لاستعادة الجسم قدرته على التكيف. كما أن الإجهاد الحراري لا يرتبط بدرجة الحرارة وحدها، بل يتأثر بالرطوبة والرياح والإشعاع الشمسي ودرجة حرارة الأسطح المحيطة. ولذلك فإن مؤشرات مثل UTCI أكثر فائدة في تقييم الخطر الصحي من درجة حرارة الهواء وحدها. وتستخدم كوبرنيكوس مثلاً عتبات 32°C و38°C و46°C للدلالة على مستويات متزايدة من الإجهاد الحراري وفق مؤشر UTCI.
9- المدن المغربية والجزر الحرارية الحضرية
تتضاعف آثار موجات الحر في المدن بسبب ظاهرة الجزيرة الحرارية الحضرية Urban Heat Island. فالأسطح الإسمنتية والإسفلتية تمتص الحرارة خلال النهار وتعيد إطلاقها ليلاً، بينما يؤدي ضعف الغطاء النباتي إلى تقليل التبريد بالتبخر. وتتطلب هذه الوضعية إعادة النظر في التخطيط الحضري المغربي من خلال:
• زيادة المساحات الخضراء؛
• التشجير الحضري؛
• حماية الأشجار القائمة؛
• استخدام أسطح ومواد عاكسة للحرارة؛
• تطوير ممرات هوائية داخل المدن؛
• توفير فضاءات تبريد عمومية؛
• إعادة تصميم المدارس والمرافق العمومية؛
• اعتماد معايير بناء متكيفة مع المناخ المستقبلي.
وهذا مهم خصوصاً في مدن مثل القنيطرة والرباط والدار البيضاء ومراكش وفاس ومكناس، حيث تتقاطع الكثافة العمرانية مع ارتفاع الحرارة والطلب المتزايد على المياه والطاقة.
10- البعد الاقتصادي
لم تعد موجات الحر قضية بيئية فقط، بل أصبحت قضية اقتصادية. فالحرارة المفرطة تؤدي إلى:
انخفاض الإنتاج الزراعي ارتفاع تكاليف الري ارتفاع تكاليف الغذاء خسائر للفلاحين ضغط على الأسر زيادة الإنفاق العمومي على الطوارئ.
كما تؤثر الحرارة في إنتاجية العمال، خصوصاً في القطاعات التي تعتمد على العمل الخارجي.
وتظهر التجربة الأوروبية لعام 2026 حجم التأثيرات الاقتصادية الممكنة؛ فقد أدت موجات الحر والجفاف إلى أضرار زراعية كبيرة واضطرابات في النقل النهري وإنتاج الطاقة، إضافة إلى ارتفاع تكاليف الاستجابة للحرائق والصحة والبنية التحتية.
وبالنسبة للمغرب، فإن التأثيرات الاقتصادية لا ينبغي أن تقاس فقط بالخسائر المباشرة، وإنما كذلك بتكلفة الإنتاجية المفقودة، واستهلاك الطاقة الإضافي، والضغط على المياه، والتأمين، والصحة، والحرائق، والسياحة.
11- هل يمثل صيف 2026 «الوضع الطبيعي الجديد»؟
من الناحية العلمية، ينبغي الحذر من استعمال عبارة «الوضع الطبيعي الجديد» بصورة قطعية قبل اكتمال التحليل المناخي طويل الأمد. لكن المؤشرات المتاحة تسمح بطرح فرضية قوية: المناخ الذي تتحرك داخله موجات الحر أصبح أكثر دفئاً من الماضي، وبالتالي فإن الأحداث التي كانت نادرة أصبحت أكثر احتمالاً.
وتظهر هذه النزعة بوضوح في منطقة البحر المتوسط، التي تعد من أكثر مناطق العالم حساسية للتغير المناخي. وقد أظهرت دراسات الإسناد المناخي السابقة، بما فيها دراسات مرتبطة بموجات الحر في حوض المتوسط وشمال إفريقيا، أن تغير المناخ البشري المنشأ يمكن أن يزيد احتمال وشدة موجات الحر بدرجات كبيرة. وفي دراسة إسناد لموجة حر سابقة في إسبانيا والبرتغال والمغرب والجزائر، قدر الباحثون أن التغير المناخي جعل الحدث أكثر احتمالاً بما لا يقل عن 100 مرة، مع درجات حرارة تصل إلى 3.5°C أعلى مما كانت ستؤول إليه في عالم دون التأثير البشري على المناخ.
وهذا لا يعني أن موجة 2026 تحديداً تحمل الرقم نفسه؛ وإنما يوضح قوة العلاقة العلمية بين الاحترار العالمي وتطرف الحرارة في المنطقة.
12- مؤشر تركيبي للتطرف الحراري في المغرب – 2026
يمكن تلخيص وضعية صيف 2026 في المغرب من خلال مجموعة من المؤشرات:

13- من إدارة موجات الحر إلى إدارة المخاطر المناخية
تكشف تجربة صيف 2026 أن الاستجابة لا ينبغي أن تقتصر على إصدار نشرات الإنذار بعد ارتفاع درجات الحرارة. المطلوب هو بناء منظومة وطنية متكاملة لإدارة مخاطر الحرارة القصوى تقوم على أربعة مستويات:
أولاً: الإنذار المبكر
تطوير نظام إنذار حراري متعدد المؤشرات لا يعتمد على درجة الحرارة وحدها، وإنما يدمج:
• درجة الحرارة القصوى؛
• درجة الحرارة الدنيا؛
• الرطوبة؛
• سرعة الرياح؛
• رطوبة التربة؛
• درجة حرارة سطح البحر؛
• مؤشر الإجهاد الحراري.
ثانياً: حماية الصحة
اعتماد خطط «الصحة الحرارية» للمدن، تشمل فتح فضاءات تبريد، وتوجيه السكان، وحماية العمال، وتعديل ساعات العمل في فترات الذروة.
ثالثاً: الأمن المائي
الانتقال من إدارة العرض إلى إدارة الطلب، عبر:
• تقليص تسربات شبكات المياه، رفع كفاءة الري؛
• إعادة استعمال المياه العادمة؛
• توسيع تحلية مياه البحر؛
• حماية المياه الجوفية؛
• إعادة استخدام مياه الأمطار؛
• دراسة تقنيات الحد من تبخر مياه السدود؛
• اعتماد محاصيل أقل استهلاكاً للمياه.
رابعاً: التكيف الحضري
إدماج المناخ المستقبلي في وثائق التعمير، وليس فقط المناخ التاريخي، مع اعتماد التشجير، والأسطح الخضراء، والمواد العاكسة للحرارة، والممرات الهوائية، والمساحات المائية حيث تكون مستدامة.
14- نحو استراتيجية مغربية لمواجهة «عصر الحرارة القصوى «
إن الدرس الأساسي لصيف 2026 هو أن المياه والحرارة والصحة والغذاء والطاقة والغابات ليست أزمات منفصلة.
إنها عناصر مترابطة داخل نظام مناخي واحد. فالحرارة ترفع الطلب على الماء والكهرباء، وتزيد تبخر السدود، وتضعف الزراعة، وتجفف الغطاء النباتي، وتزيد خطر الحرائق، وترفع الضغط على الصحة العامة. وفي المقابل، فإن ندرة المياه تقلل القدرة على التبريد الطبيعي، وتضعف الغطاء النباتي، وتزيد جفاف التربة، وهو ما يعزز بدوره موجات الحرارة. لذلك ينبغي للمغرب أن ينتقل من مقاربة »التعامل مع موجة الحر« إلى مقاربة »إدارة مخاطر الحرارة في مناخ متغير«. وهذا التحول يقتضي تطوير مؤشرات وطنية جديدة مثل:
مؤشر الإجهاد الحراري الوطني، مؤشر مخاطر الجفاف الحراري، مؤشر مخاطر حرائق الغابات، مؤشر الضغط الحراري على المياه، ومؤشر هشاشة المدن أمام الحرارة.

خاتمة
تكشف موجات الحر التي شهدها حوض البحر المتوسط والمغرب خلال صيف 2026 عن تحول نوعي في طبيعة المخاطر المناخية. فالمشكلة لم تعد تتمثل في تسجيل رقم قياسي منفرد، وإنما في تكرار موجات الحر، وطول مدتها، وتزامنها مع موجات حر بحرية، وجفاف التربة، وارتفاع الطلب على المياه، وحرائق الغابات، والإجهاد الصحي والاقتصادي.
وفي المغرب، تبرز المفارقة بوضوح: فقد دخلت البلاد سنة 2026 بوضعية مائية أفضل بعد موسم مطير مكّن السدود من استعادة جزء مهم من مخزونها، غير أن موجات الحر الصيفية أعادت بسرعة طرح سؤال الاستدامة المائية، مع ارتفاع التبخر والطلب على المياه.
إن هذه الوضعية تؤكد أن النجاح في تدبير المياه لا يقاس فقط بكمية المياه التي يتم تخزينها، وإنما بقدرة الدولة والمجتمع والاقتصاد على حماية هذا المخزون من الضياع والاستهلاك غير الكفء في ظروف مناخية أكثر حرارة.
وعليه، فإن صيف 2026 ينبغي أن يكون مناسبة لإعادة تقييم السياسات العمومية في مجالات الماء، والزراعة، والغابات، والصحة، والتعمير والطاقة، على أساس سيناريوهات مناخية أكثر تطرفاً.
إن المغرب لا يواجه فقط «موجات حر»، بل يواجه تحولاً في نظام المخاطر المناخية. والاستجابة الأكثر فعالية لن تكون في انتظار الرقم القياسي القادم، بل في بناء القدرة على الصمود قبل وصوله.
المراجع
1. Copernicus Climate Change Service (C3S/ECMWF), 2026. Surface air temperature for June 2026. المعطيات الخاصة بحرارة أوروبا الغربية وموجات الحر خلال يونيو 2026.
2. Copernicus Climate Change Service, 2026. Highest July 2026 global ocean surface temperatures as exceptionally hot and dry conditions fuel extremes. معطيات يوليوز 2026 حول حرارة المحيطات والظروف الحرارية والجافة.
3. World Meteorological Organization (WMO), 2026. Record-breaking heat and extreme weather continue. معطيات أغسطس 2026 حول استمرار الحرارة القياسية عالمياً وأوروبياً.
4. World Meteorological Organization, 2026. معطيات وتحليل أسباب موجات الحر في أوروبا خلال صيف 2026، بما في ذلك دور الضغط الجوي المرتفع ودفء البحار وجفاف التربة.
5. Copernicus Climate Change Service, 2026. بيانات موجة الحر البحرية في غرب المتوسط واستمرار ارتفاع حرارة سطح البحر خلال صيف 2026.
6. Le Monde, 26 July 2026. Morocco faces repeated heatwaves and fears water shortages. معطيات حول أربع موجات حر في المغرب خلال ثلاثة أشهر، والانحرافات الحرارية ودرجات 44–47°C في الجنوب والجنوب الشرقي.
7. National Agency for Water and Forests (ANEF), 2026, المعطيات المنشورة حول حرائق الغابات في المغرب حتى 20 يوليوز 2026، والتي تشير إلى 310 حرائق و1,850 هكتاراً محترقاً.
8. World Weather Attribution / Mediterranean climate attribution studies. دراسات إسناد سابقة تبين الزيادة الكبيرة في احتمال وشدة موجات الحر في منطقة المغرب وشمال إفريقيا نتيجة تغير المناخ.
9. Copernicus Climate Change Service. الأدبيات والبيانات الخاصة بالإجهاد الحراري، ومؤشر UTCI، وتأثير ارتفاع حرارة البحر المتوسط على الحرارة الليلية والصحة.
10. FAO/WMO. الأدلة العلمية حول تأثير الحرارة القصوى على الزراعة، والثروة الحيوانية، والإنتاجية الزراعية والأمن الغذائي.
(*) مصطفى بنرامل
خبير واستشاري في مجالات البيئة والمناخ والتنمية المستدامة، يمتلك خبرة مهنية وميدانية تتجاوز خمسة وعشرين عاماً في التخطيط البيئي، وبناء القدرات، وتصميم البرامج والمشاريع التنموية، وقيادة المبادرات الرامية إلى تعزيز الاستدامة والقدرة على التكيف مع التغيرات المناخية. حاصل على دبلوم الدراسات العليا المعمقة في المجال البيئي من جامعة ابن طفيل بالقنيطرة، وشهادة مكون المكونين (Training of Trainers) المعتمدة من جامعة أوريغن الأمريكية، إضافة إلى شهادة في تدبير الكوارث الطبيعية من الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر، وشهادة مكون المكونين في الإسعافات الأولية من الهلال الأحمر المغربي، وشهادة تكوين المكونين في المجال البيئي والمحافظة على الثروات الطبيعية من كتابة الدولة المكلفة بالتنمية المستدامة، فضلاً عن شهادة مكون تربوي من وزارة التربية الوطنية. وأسهم في إعداد الدراسات والأبحاث العلمية، وتطوير الأدلة والحقائب التكوينية، وتأطير البرامج الوطنية والدولية في مجالات التربية البيئية والعمل المناخي والحوكمة البيئية وإدارة مخاطر الكوارث.
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز