• باحث وأكاديمي موسوعي ترك إرثاً علمياً في توثيق أصناف النخيل وزراعتها وخدمتها في دولة الإمارات
• من رواد البحث الزراعي العرب الذين جمعوا بين الأكاديمية والميدان والتأليف والتوثيق
شبكة بيئة أبوظبي، بقلم المهندس عماد سعد، 30 أغسطس 2026
حين نتحدث عن تاريخ البحث العلمي المتخصص في نخيل التمر في العالم العربي، فإن الوفاء للذاكرة العلمية يقتضي أن نتوقف عند أسماء أسهمت، منذ وقت مبكر، في بناء المعرفة العلمية حول هذه الشجرة المباركة، ونقلتها من الخبرة الزراعية المتوارثة إلى البحث والتصنيف والتوثيق والإرشاد العلمي. ومن بين هذه الأسماء يبرز المرحوم الأستاذ حسام حسن علي غالب، الباحث والأكاديمي والموسوعي المتخصص في نخيل التمر، الذي ترك وراءه إرثاً معرفياً يستحق أن يُستعاد ويُعرّف به للأجيال الجديدة من الباحثين والمهندسين الزراعيين.
لم يكن حسام حسن علي غالب (طيب الله ثراه) مجرد متخصص في زراعة النخيل، بل كان ينتمي إلى جيل مبكر من الباحثين العرب الذين تعاملوا مع نخلة التمر بوصفها موضوعاً علمياً متكاملاً، يمتد من التصنيف النباتي والمورفولوجيا والتشريح، إلى الأصناف، والممارسات الزراعية، والإرشاد، والتوثيق.
بدايات أكاديمية مبكرة
بدأ ارتباطه بالبحث العلمي الزراعي في مرحلة مبكرة، وأكمل دراساته العليا في الولايات المتحدة الأمريكية، وكان عضواً في جمعية علوم البستنة الأمريكية منذ عام 1966، وهو ما أتاح له الاطلاع على المدارس الحديثة في علوم البستنة والبحث الزراعي في مرحلة كانت فيها الدراسات العربية المتخصصة في هذا المجال ما تزال في طور النمو.
ومع تأسيس كلية الزراعة في جامعة البصرة عام 1971، كان من أوائل الأساتذة الذين أسهموا في مسيرتها الأكاديمية، حيث عمل مدرساً لمادة النبات، وشغل عضوية مجلس الكلية خلال الفترة 1971–1978، كما عمل معاوناً لعميد الكلية خلال الفترة 1972–1974.
وتكتسب تجربته في البصرة دلالة خاصة، فهذه المدينة ارتبط اسمها تاريخياً بواحد من أهم مواطن النخيل والتمور في المنطقة العربية، الأمر الذي أتاح له الجمع بين المعرفة الأكاديمية والاحتكاك المباشر ببيئة غنية بالتنوع الوراثي والزراعي لنخيل التمر.
الإمارات… مرحلة جديدة من العطاء
لاحقاً، انتقلت خبرته العلمية والمهنية إلى دولة الإمارات العربية المتحدة، حيث عمل في إدارة الإرشاد والتسويق الزراعي والثروة الحيوانية التابعة لدائرة بلدية أبوظبي وتخطيط المدن، وكانت تلك المرحلة واحدة من المحطات المهمة في مسيرته المهنية والعلمية.
ففي الوقت الذي كانت فيه دولة الإمارات تشهد توسعاً كبيراً في التنمية الزراعية وزراعة النخيل، كانت الحاجة متزايدة إلى تحويل المعرفة الزراعية المتخصصة إلى أدلة ومراجع ونشرات إرشادية يستطيع المزارع والمهندس والباحث الرجوع إليها.
وهنا برزت إحدى السمات المهمة في شخصية الأستاذ حسام: قدرته على الجمع بين الباحث والأكاديمي والخبير الميداني والكاتب الإرشادي.
فالمعرفة بالنسبة إليه لم تكن لتبقى حبيسة الكتب أو المؤسسات الأكاديمية، وإنما كان ينبغي أن تصل إلى الحقل والمزارع، وأن تتحول إلى ممارسة تساعد على تحسين الإنتاج وجودة الثمار والعناية بأشجار النخيل.
أربعة أعمال تحفظ جانباً من ذاكرة النخيل الإماراتية
ولعل أفضل ما يدل على حجم عطائه هو الإرث العلمي والتوثيقي الذي تركه، وفي مقدمته مجموعة من الكتب والمراجع المتخصصة التي تناولت نخيل التمر من زوايا مختلفة، وقد أصبحت اليوم جزءاً من الذاكرة المكتوبة لتطور المعرفة الزراعية المتعلقة بالنخيل في دولة الإمارات.
ومن أبرز مؤلفاته خلال فترة عمله في بلدية أبوظبي:
1. أطلس أصناف نخيل التمر في دولة الإمارات العربية المتحدة
وهو عمل موسوعي صدر في ستة أجزاء عن نادي تراث الإمارات ومركز زايد للتراث والتاريخ، وتصفه إحدى قواعد الفهرسة الإماراتية بأنه عمل موسوعي يضم قاعدة بيانات علمية وعملية واسعة لأصناف نخيل التمر. ولا تكمن أهمية الأطلس في حجمه فقط، وإنما في الفكرة التي قام عليها: توثيق أصناف النخيل وحفظ المعرفة المرتبطة بها، وهي مهمة تزداد أهميتها اليوم في ظل الاهتمام العالمي بصون الموارد الوراثية والتنوع البيولوجي الزراعي.
2. التقويم السنوي لزراعة وخدمة أشجار نخيل التمر
وهو مؤلف تطبيقي يجسد جانباً آخر من شخصية حسام حسن علي غالب العلمية؛ إذ ينقل المعرفة من الوصف والدراسة إلى تنظيم الممارسات الزراعية المرتبطة بالنخلة على مدار العام. وتؤكد الفهرسة المنشورة نسبة الكتاب إليه وصدوره عن بلدية مدينة أبوظبي.
3. التصنيف النباتي والوصف المورفولوجي والتركيب التشريحي لنخلة التمر
ويمثل الجانب الأكثر تخصصاً في إنتاجه العلمي، حيث يتناول النخلة من منظور علم النبات والتصنيف والوصف المورفولوجي والتركيب التشريحي، بما يعكس الخلفية الأكاديمية للباحث واهتمامه بدراسة النخلة باعتبارها كائناً نباتياً متكاملاً، وليس محصولاً اقتصادياً فحسب. كما تدرج الفهارس المتاحة هذا العنوان ضمن مؤلفاته.
4. أشجار نخيل التمر من واقع دولة الإمارات العربية المتحدة
ويكتسب هذا المؤلف أهمية خاصة من ارتباطه المباشر بالواقع الزراعي الإماراتي، إذ يعكس تجربة ميدانية ومعرفية تراكمت من خلال العمل مع النخيل في البيئة المحلية، وهو الآخر موثق ضمن قائمة مؤلفات الأستاذ حسام حسن علي غالب.
وعند النظر إلى هذه المؤلفات مجتمعة، نلاحظ أنها لم تكرر الموضوع نفسه، بل شكّلت حلقات متكاملة: التصنيف العلمي للنخلة، توثيق الأصناف، الممارسات الزراعية السنوية، ثم قراءة واقع نخيل التمر في دولة الإمارات. وهذا تحديداً ما يمنح إنتاجه صفة المشروع المعرفي، وليس مجرد مجموعة كتب منفصلة.
حين تصبح الذاكرة المهنية شهادة شخصية
ولعل الكتابة عن الأستاذ حسام حسن علي غالب تحمل بالنسبة لي بُعداً شخصياً يتجاوز علاقتي بهذه الكتب والمراجع كباحث ومهتم بقضايا البيئة والزراعة والاستدامة؛ فقد كان لي شرف العمل إلى جانبه في إدارة الإرشاد الزراعي في بلدية أبوظبي خلال الفترة من عام 1998 إلى عام 2012، قبل سفر المرحوم إلى الولايات المتحدة الأمريكية.
كانت سنوات طويلة من الزمالة والعمل المشترك أتاحت لي أن أعرف الأستاذ حسام عن قُرب، ليس فقط كباحث متخصص، وإنما كإنسان وصاحب معرفة وخبرة تراكمية واسعة في نخيل التمر.
وتشرفت خلال تلك الفترة بأن أكون ضمن فريق عمله في إعداد وإنتاج عدد من الكتب والنشرات الإرشادية المتعلقة بشجرة نخيل التمر، وهي تجربة مهنية لا تزال حاضرة في ذاكرتي؛ لأنها أتاحت لي أن أرى عن قرب كيف تتحول الخبرة العلمية والميدانية إلى مادة معرفية مكتوبة يمكن أن يستفيد منها المزارع والمهندس والباحث.
شريك في صناعة “المرشد الزراعي”
ولم تتوقف علاقتنا المهنية عند الكتب والنشرات الإرشادية. فقد كان المرحوم الأستاذ حسام حسن علي غالب أحد الكتّاب الرئيسيين في مجلة “المرشد الزراعي” التي كانت تصدر عن إدارة الإرشاد الزراعي في بلدية أبوظبي، في الوقت الذي كنت أتولى فيه مسؤولية مدير تحرير المجلة.
وكانت المجلة في ذلك الوقت إحدى الأدوات المهمة لنقل المعرفة والإرشاد الزراعي إلى الجمهور المستهدف على مستوى دولة الإمارات العربية المتحدة بشكل عام ومزارعي إمارة أبوظبي بشكل خاص، وكان حضور الأستاذ حسام فيها امتداداً طبيعياً لرسالته العلمية؛ فهو لم يكن ينظر إلى الكتابة الزراعية باعتبارها نشاطاً جانبياً، بل جزءاً من مسؤولية الباحث في نقل المعرفة إلى المجتمع.
وقد تعلمت من خلال العمل معه أن قيمة المعرفة الزراعية لا تكتمل بمجرد إنتاجها، وإنما بقدرتنا على تبسيطها وإيصالها إلى من يحتاجها وتحويلها إلى ممارسة في الحقل.
من الإرشاد الزراعي إلى حفظ الذاكرة العلمية
بعد مرور سنوات طويلة، تبدو أهمية ما أنجزه الأستاذ حسام أكثر وضوحاً. فما كان في ذلك الوقت كتاباً إرشادياً أو أطلساً للأصناف أصبح اليوم وثيقة يمكن الرجوع إليها لفهم جانب من تاريخ النخيل والزراعة في دولة الإمارات العربية المتحدة، وما كان وصفاً لصنف من أصناف التمور أصبح جزءاً من عملية أوسع لحفظ التنوع الزراعي والموارد الوراثية.
ولهذا فإن إعادة قراءة مؤلفات الرواد لا ينبغي أن تكون عملاً احتفالياً أو عاطفياً فحسب، وإنما جزءاً من حفظ الذاكرة العلمية الزراعية لدولة الإمارات والمنطقة العربية.
فالمؤسسات تتطور، والتكنولوجيا تتغير، وأدوات البحث تصبح أكثر تقدماً، لكن البيانات والملاحظات والصور والتوصيفات التي جمعها الباحثون الأوائل تظل نقطة مرجعية لا غنى عنها لفهم ما تغير وما بقي وما ينبغي المحافظة عليه.
إرث باقٍ ما بقيت النخلة
إن الحديث عن المرحوم الأستاذ حسام حسن علي غالب هو في جوهره حديث عن جيل من العلماء والباحثين العرب الذين خدموا الزراعة بصمت، وتركوا معرفتهم في الكتب والحقول والجامعات وبين أيدي الأجيال التي عملت معهم وتعلمت منهم.
وبالنسبة لي، فإن استعادة ذكراه اليوم تحمل الكثير من الوفاء لزميل عمل تشرفت بأن أكون ضمن فريقه، وأن أشاركه سنوات من العمل في خدمة الإرشاد الزراعي والشجرة المباركة ونشر المعرفة المتعلقة بنخيل التمر.
وإذا كانت حياة الإنسان محدودة بالسنوات، فإن حياة الباحث يمكن أن تمتد أبعد من ذلك بكثير؛ تمتد في كتاب يُقرأ، ومعلومة يستفيد منها باحث، وصنف نخيل جرى توثيقه، ومزارع اهتدى بتوصية علمية، وجيل جديد يبني على ما أنجزه من سبقه.
رحم الله الأستاذ حسام حسن علي غالب، وجزاه خيراً عما قدمه للعلم والزراعة ونخيل التمر، وسيظل ما تركه من معرفة ومؤلفات شاهداً على مسيرة عالم وباحث آمن بأن خدمة النخلة هي في الوقت ذاته خدمة للإنسان والأرض والذاكرة الزراعية العربية.
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز