من المبادرات المؤسسية إلى بناء مجتمعات أكثر مرونة وقدرة على مواجهة المستقبل
• الشبكة الإقليمية للمسؤولية الاجتماعية. صاحبة المبادرة في ترسيخ 25 سبتمبر يوماً عالمياً للمسؤولية المجتمعية
• علي آل إبراهيم. من الفكرة إلى الحضور الدولي: مسيرة في تأسيس وترسيخ اليوم العالمي للمسؤولية المجتمعية
شبكة بيئة أبوظبي، بقلم عماد سعد، خبير الاستدامة والمسؤولية المجتمعية والتغير المناخي، 17 سبتمبر 2026
يأتي الاحتفال بـاليوم العالمي للمسؤولية المجتمعية في 25 سبتمبر 2026 هذا العام تحت مظلة الهدف الحادي عشر من أهداف التنمية المستدامة 2030، المتعلق بـ**”مدن ومجتمعات محلية مستدامة”**، ليعيد طرح سؤال جوهري حول الدور الذي يمكن أن تؤديه المؤسسات في صناعة مستقبل المدن والمجتمعات التي تعمل فيها.
فالمسؤولية المجتمعية لم تعد، في مفهومها الحديث، مجموعة من المبادرات الخيرية أو الأنشطة التطوعية الموسمية التي تنفذها المؤسسات على هامش أعمالها، وإنما أصبحت جزءاً من منظومة أوسع تربط أداء المؤسسة بالتحديات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية المحيطة بها، وتقيس نجاحها بقدرتها على صناعة قيمة مشتركة وأثر مستدام لأصحاب المصلحة.
وتزداد أهمية هذا التحول مع تسارع التحضر عالمياً، وتزايد الضغوط على المدن نتيجة تغير المناخ والنمو السكاني واستهلاك الموارد والطاقة، وارتفاع الطلب على الخدمات والبنية التحتية والإسكان والنقل والمياه والغذاء، إلى جانب اتساع الحاجة إلى بناء مجتمعات أكثر شمولاً وعدالة وقدرة على الصمود.
ومن هنا، فإن الربط بين المسؤولية المجتمعية واستدامة المدن لا يمثل اختياراً لموضوع سنوي فحسب، وإنما يعكس تحولاً أعمق في مفهوم المسؤولية المؤسسية ذاتها: من مسؤولية المؤسسة تجاه المجتمع إلى شراكتها معه في صناعة المستقبل.
المدن في قلب تحديات التنمية المستدامة
تمثل المدن اليوم مركزاً للنشاط الاقتصادي والاجتماعي والابتكار، لكنها في الوقت نفسه من أكثر النظم البشرية تعرضاً للتحديات البيئية والمناخية والاجتماعية.
فالمدينة الحديثة منظومة مترابطة تشمل الطاقة والمياه والنقل والإسكان والغذاء والنفايات والصحة والتعليم والبنية التحتية والاقتصاد والخدمات الرقمية. وأي خلل في أحد هذه المكونات يمكن أن يمتد أثره إلى بقية المنظومة.
وتزداد هذه المخاطر في ظل تغير المناخ، حيث تواجه المدن موجات حر أكثر شدة، وفيضانات وأمطاراً متطرفة، وضغوطاً على المياه والطاقة، ومخاطر مرتبطة بالأمن الغذائي والصحة العامة، فضلاً عن التكاليف الاقتصادية والاجتماعية المتزايدة للكوارث والظواهر المناخية المتطرفة.
لذلك جاء الهدف الحادي عشر من أهداف التنمية المستدامة ليضع قضية المدن والمستوطنات البشرية ضمن الأولويات العالمية، من خلال الدعوة إلى جعلها أكثر شمولاً وأماناً ومرونة واستدامة.
لكن تحقيق هذا الهدف لا يمكن أن يكون مسؤولية الحكومات والبلديات وحدها.
فالقطاع الخاص يستخدم الموارد والطاقة، ويشغل المباني والمنشآت، ويوفر الوظائف والخدمات والمنتجات، ويؤثر في أنماط الاستهلاك، كما يمتلك التكنولوجيا والتمويل والخبرة والقدرة على الابتكار. وفي المقابل، تتمتع الجامعات والمجتمع المدني ووسائل الإعلام والمؤسسات المهنية بقدرات معرفية ومجتمعية لا تقل أهمية. وهنا تحديداً تظهر المسؤولية المجتمعية بوصفها منصة للشراكة وليس مجرد أداة للعطاء.
من مبادرة عربية إلى يوم عالمي للمسؤولية المجتمعية
ولا تكتمل قراءة اليوم العالمي للمسؤولية المجتمعية من دون التوقف عند الجهود التي بذلتها الشبكة الإقليمية للمسؤولية الاجتماعية في إطلاق هذه المبادرة والعمل على ترسيخها وتوسيع حضورها، بما أسهم في جعل 25 سبتمبر من كل عام محطة سنوية لتسليط الضوء على المسؤولية المجتمعية ودورها في مواجهة تحديات التنمية وتعزيز مساهمة المؤسسات في خدمة الإنسان والمجتمع والبيئة.
وقد لعبت الشبكة، عبر برامجها وشراكاتها وفعالياتها المهنية والعلمية، دوراً في نقل المناسبة من مجرد فكرة إلى مساحة للتوعية والحوار وتبادل الخبرات، وربطها سنوياً بقضايا وأولويات تنموية تعكس التحولات التي يشهدها مفهوم المسؤولية المجتمعية عالمياً.
وفي قلب هذه المسيرة يبرز الدور الذي اضطلع به الدكتور علي آل إبراهيم، نائب رئيس مجلس إدارة الشبكة الإقليمية للمسؤولية الاجتماعية، من خلال جهوده في تبني الفكرة والدفع بها وتطوير حضورها المؤسسي، والعمل على تعزيز الاعتراف بها ونشر رسالتها عبر الشراكات والفعاليات والبرامج التي تخاطب المؤسسات والخبراء والممارسين في عدد من الدول.
من المسؤولية المجتمعية التقليدية إلى صناعة الأثر
لفترة طويلة ارتبط مفهوم المسؤولية المجتمعية لدى العديد من المؤسسات بالتبرعات والرعاية والأنشطة التطوعية والمبادرات الموسمية.
ولا شك في أهمية هذه الممارسات، لكنها لا تكفي وحدها لمواجهة تعقيدات التنمية الحضرية في القرن الحادي والعشرين.
فالمدينة المستدامة تحتاج إلى مؤسسات تعيد النظر في تأثير عملياتها وسلاسل إمدادها ومنتجاتها واستثماراتها ومواردها البشرية على المجتمع والبيئة. وهذا يعني أن السؤال لم يعد: كم أنفقت المؤسسة على المسؤولية المجتمعية؟ بل: ما الأثر الذي أحدثته المؤسسة؟
وهنا يظهر الفرق بين قياس المخرجات Outputs وقياس النتائج Outcomes والأثر Impact.
فليس المهم مثلاً عدد الأشجار التي زرعتها المؤسسة فقط، وإنما نسبة بقائها، وقدرتها على تحسين البيئة المحلية وخفض الحرارة وزيادة التنوع الحيوي. وليس المهم عدد المستفيدين من برنامج تدريبي فقط، وإنما مدى مساهمته في توفير فرص عمل أو تحسين الدخل أو تطوير المهارات.
وليس المهم عدد حملات التوعية البيئية، وإنما مقدار التغير الفعلي في السلوك الذي أحدثته.
وهذه النقلة من النشاط إلى الأثر تمثل أحد أهم التحولات التي تحتاجها المسؤولية المجتمعية الحديثة.
كيف تساهم المسؤولية المجتمعية في بناء المدن المستدامة؟
تفتح المدن مجالاً واسعاً أمام المؤسسات لتحويل المسؤولية المجتمعية إلى تدخلات عملية ذات أثر قابل للقياس.
ويأتي العمل المناخي في مقدمة هذه المجالات، من خلال دعم خفض الانبعاثات، وكفاءة الطاقة، والطاقة المتجددة، والتشجير الحضري، والحلول القائمة على الطبيعة، وبرامج التكيف مع ارتفاع درجات الحرارة والمخاطر المناخية.
كما يمثل الاقتصاد الدائري مجالاً بالغ الأهمية، حيث تستطيع المؤسسات إعادة تصميم عملياتها للحد من الهدر، وتقليل استخدام المواد الخام، وإعادة الاستخدام والتدوير، وتحويل النفايات إلى موارد اقتصادية جديدة.
ويشكل الماء محوراً آخر، خصوصاً في المدن الواقعة في المناطق الجافة وشبه الجافة، حيث يمكن للمؤسسات الاستثمار في كفاءة استخدام المياه وإعادة استخدامها ونشر التقنيات الذكية وترشيد الاستهلاك.
كما تستطيع المسؤولية المجتمعية دعم التنقل المستدام عبر تشجيع النقل الجماعي، والمركبات منخفضة الانبعاثات، والعمل المرن، والمشي والدراجات حيثما تسمح البيئة الحضرية بذلك.
أما اجتماعياً، فإن المدن المستدامة لا يمكن اختزالها في المباني الخضراء أو الطاقة النظيفة؛ فالاستدامة الحقيقية تعني أيضاً مدينة يستطيع مختلف أفراد المجتمع الوصول إلى فرصها وخدماتها.
ومن هنا تأتي أهمية برامج المسؤولية المجتمعية المرتبطة بالتعليم، وتنمية المهارات، وتمكين الشباب والمرأة وأصحاب الهمم، ودعم ريادة الأعمال، وتعزيز الصحة وجودة الحياة، والحد من الفجوات الرقمية والاجتماعية.
المرونة.. البعد الجديد للمسؤولية المجتمعية
إذا كانت الاستدامة تسأل: كيف نستمر؟ فإن المرونة تضيف سؤالاً آخر: كيف نستمر عندما تحدث الصدمات؟
وهذا البعد أصبح أكثر أهمية في عالم تتداخل فيه المخاطر المناخية والاقتصادية، والصحية، والتكنولوجية، والجيوسياسية.
فالمدينة المستدامة ليست فقط مدينة تستهلك موارد أقل، وإنما مدينة تستطيع توقع المخاطر والاستعداد لها والاستجابة للصدمات والتعافي منها والتعلم منها.
وهنا يمكن أن تنتقل المسؤولية المجتمعية إلى مستوى أكثر تقدماً عبر دعم المرونة المجتمعية Community Resilience. ويمكن للمؤسسات أن تساهم في أنظمة الإنذار المبكر، وبرامج الاستعداد للكوارث، وحماية الفئات الأكثر عرضة للمخاطر، واستمرارية الخدمات الأساسية، وتعزيز الأمن الغذائي والمائي، ودعم البنية التحتية المجتمعية، وبناء قدرات المجتمعات المحلية.
وبذلك تتحول المسؤولية المجتمعية من معالجة نتائج المشكلة بعد حدوثها إلى المساهمة في منع الخطر وتقليل آثاره قبل وقوعه.
التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي يفتحان مرحلة جديدة
ومن التحولات المهمة أيضاً دخول الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة وإنترنت الأشياء والاستشعار عن بعد والتوأم الرقمي إلى إدارة المدن.
فيمكن للبيانات أن تساعد المؤسسات والمدن على تحديد المناطق الأكثر احتياجاً، ورصد جودة الهواء، وتحسين استهلاك الطاقة والمياه، وإدارة حركة المرور والنفايات، والتنبؤ بالمخاطر البيئية، وقياس أثر البرامج المجتمعية بصورة أكثر دقة.
وهذا يفتح الباب أمام مفهوم جديد يمكن وصفه بـالمسؤولية المجتمعية الذكية، حيث تصبح القرارات أكثر اعتماداً على البيانات والأدلة، وتنتقل البرامج من الاستجابة العامة للاحتياجات إلى تصميم تدخلات أكثر دقة واستباقية.
لكن هذا التحول يفرض في الوقت ذاته مسؤوليات أخلاقية جديدة تتعلق بخصوصية البيانات، والأمن السيبراني، والشفافية، والتحيز الخوارزمي، والعدالة في الوصول إلى التكنولوجيا.
فالمدينة الذكية ليست بالضرورة مدينة مستدامة، ما لم تكن التكنولوجيا فيها في خدمة الإنسان والمجتمع والبيئة.
الشراكة شرط أساسي لصناعة الأثر
ربما تكون إحدى أهم الرسائل التي ينبغي أن يحملها اليوم العالمي للمسؤولية المجتمعية لعام 2026 هي أن المشكلات المعقدة لا تستطيع مؤسسة واحدة حلها منفردة.
فالعمل المناخي والأمن الغذائي والمياه والنقل والإسكان والنفايات وجودة الحياة قضايا مترابطة تحتاج إلى شراكات بين الحكومات والقطاع الخاص والجامعات والمجتمع المدني والإعلام والمجتمعات المحلية.
ولهذا ينبغي أن تنتقل المسؤولية المجتمعية من نموذج: المؤسسة ← المستفيد
إلى نموذج: المؤسسة + الحكومة + المجتمع + المعرفة + التكنولوجيا ← أثر مشترك.
وهنا يصبح نجاح المؤسسة مرتبطاً ليس فقط بما تستطيع تنفيذه بنفسها، وإنما أيضاً بقدرتها على بناء الشراكات وتحريك الموارد وتبادل المعرفة وتوسيع نطاق الأثر.
وهذا يتوافق أيضاً مع روح الهدف السابع عشر من أهداف التنمية المستدامة، الذي يؤكد أهمية الشراكات في تحقيق بقية الأهداف.
المنطقة العربية أمام فرصة مهمة
تكتسب هذه القضية أهمية خاصة في المنطقة العربية، التي تضم مدناً تشهد نمواً عمرانياً وسكانياً سريعاً، بالتزامن مع تحديات تتعلق بندرة المياه وارتفاع درجات الحرارة والتصحر والأمن الغذائي والضغط على البنية التحتية وتفاوت القدرات الاقتصادية والاجتماعية. وفي المقابل، تشهد المنطقة استثمارات كبيرة في المدن الذكية والطاقة المتجددة والبنية التحتية الخضراء والتحول الرقمي والاقتصاد الدائري.
وهذه البيئة توفر فرصة لإعادة تعريف المسؤولية المجتمعية العربية بحيث تصبح أكثر ارتباطاً بأولويات المدن والمجتمعات المحلية.
فبدلاً من البرامج المتفرقة، يمكن بناء محافظ استثمار مجتمعي استراتيجية مرتبطة بمؤشرات واضحة مثل خفض استهلاك الطاقة والمياه، وتقليل النفايات، وزيادة الوظائف الخضراء، وتحسين جودة الحياة، ورفع قدرة المجتمعات على التكيف مع تغير المناخ.
من الاحتفال إلى الالتزام
إن الاحتفال باليوم العالمي للمسؤولية المجتمعية لا ينبغي أن يقتصر على الشعارات والمؤتمرات والفعاليات الإعلامية، بل يجب أن يمثل محطة سنوية لمراجعة أثر المؤسسات على المجتمعات التي تعمل فيها.
ومن المفيد أن تسأل كل مؤسسة نفسها في هذه المناسبة: هل ترتبط استراتيجية مسؤوليتنا المجتمعية باحتياجات المجتمع الفعلية؟ وهل لدينا أهداف قابلة للقياس؟ وهل نعرف الأثر الذي أحدثته برامجنا؟ وهل نستمع إلى أصحاب المصلحة؟ وهل تساهم مبادراتنا في مواجهة التحديات المناخية والبيئية والاجتماعية؟ وهل نستثمر التكنولوجيا والبيانات بصورة مسؤولة؟ وهل نبني شراكات تسمح بتوسيع نطاق الأثر؟
هذه الأسئلة هي التي تميز المسؤولية المجتمعية القائمة على الأثر عن المسؤولية المجتمعية القائمة على النشاط.
نحو مسؤولية مجتمعية تصنع المستقبل
إن اختيار “مدن ومجتمعات محلية مستدامة” محوراً لليوم العالمي للمسؤولية المجتمعية لعام 2026 يحمل رسالة واضحة: مستقبل المسؤولية المجتمعية سيكون أكثر ارتباطاً بمستقبل المدن نفسها.
فنحن بحاجة إلى مؤسسات لا تسأل فقط عما تستطيع تقديمه للمجتمع اليوم، وإنما عن نوع المجتمع الذي تساهم في بنائه للغد. مؤسسات تقلل أثرها البيئي، وتستخدم مواردها بكفاءة، وتستثمر في الإنسان، وتحمي الطبيعة، وتوظف التكنولوجيا بمسؤولية، وتستعد للمخاطر، وتبني الشراكات، وتقيس أثرها بشفافية.
وعندما تتحول هذه المبادئ إلى جزء من استراتيجية المؤسسة وقراراتها واستثماراتها وثقافتها، فإن المسؤولية المجتمعية تنتقل من كونها برنامجاً مؤسسياً إلى أن تصبح قدرة تنموية تسهم في صناعة مدن أكثر استدامة ومرونة وإنسانية.
فالمدن المستدامة لا تُبنى بالإسمنت والتكنولوجيا وحدهما، وإنما تبنى أيضاً بالمؤسسات المسؤولة، والمجتمعات المشاركة، والقيادات الواعية، والشراكات الفاعلة، والقرارات التي تنظر إلى أثر اليوم باعتباره جزءاً من مسؤوليتنا تجاه أجيال الغد.
وهنا تكمن الرسالة الأعمق لليوم العالمي للمسؤولية المجتمعية 2026: نحفظ مواردنا، ونمكّن إنساننا، ونبني معاً مجتمعات قادرة على صناعة غدٍ أفضل.
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز