من تمويل المخاطر إلى بناء اقتصاد قادر على الصمود أمام تغير المناخ
شبكة بيئة أبوظبي، مصطفى بنرامل (*) ، خبير بيئي، رئيس جمعية المنارات الإيكولوجية من أجل التنمية والمناخ، المملكة المغربية، 18 سبتمبر 2026
الملخص
أصبح الاستثمار الأخضر وتمويل التكيف المناخي من القضايا المركزية في الاقتصاد العالمي المعاصر، في ظل تزايد تواتر وشدة موجات الجفاف والفيضانات والحرائق وموجات الحر وارتفاع مستوى سطح البحر. ولم يعد التكيف مجرد تكلفة إضافية تتحملها الدول لحماية السكان والبنية التحتية، وإنما أصبح استثماراً وقائياً في رأس المال الطبيعي والبشري والاقتصادي، يهدف إلى تقليل الخسائر المستقبلية والمحافظة على استمرارية النشاط الاقتصادي وتعزيز قدرة المجتمعات على الصمود.
وتبرز الفجوة التمويلية باعتبارها أحد أكبر عوائق الانتقال من التخطيط المناخي إلى التنفيذ. فقد ارتفعت تدفقات التمويل العام الدولي الموجهة للتكيف في البلدان النامية من نحو 22 مليار دولار سنة 2021 إلى 28 مليار دولار سنة 2022، إلا أن فجوة تمويل التكيف ظلت تقدر بنحو 187–359 مليار دولار سنوياً (UNEP, 2024). وتشير أحدث تقديرات برنامج الأمم المتحدة للبيئة إلى أن الاحتياجات قد تبلغ نحو 310 مليارات دولار سنوياً في 2035 وفق التكاليف النموذجية، وترتفع إلى نحو 365 مليار دولار عندما تستند إلى الاحتياجات المعبر عنها في المساهمات المحددة وطنياً وخطط التكيف الوطنية (UNEP, 2025).
وفي هذا السياق، يكتسب المغرب أهمية خاصة باعتباره من البلدان المعرضة بدرجة كبيرة لمخاطر الإجهاد المائي والجفاف والفيضانات. وقد أدرج المغرب ملف التكيف والصمود ضمن توجهاته المناخية، كما أودع لدى اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ المساهمة المحددة وطنياً الثالثة NDC 3.0 في سبتمبر 2025، للفترة 2026–2035 (UNFCC 2025).
يناقش هذا المقال العلاقة بين الاستثمار الأخضر وتمويل التكيف، ويحلل الأدوات المالية الممكنة، من السندات الخضراء والتمويل المختلط والتأمين المناخي إلى الموازنات المناخية والحلول القائمة على الطبيعة، كما يستعرض تجارب دولية مثل هولندا والصين وبنغلاديش، ويقترح إطاراً عملياً لتعزيز تمويل الصمود المناخي في المغرب.
الكلمات المفتاحية: الاستثمار الأخضر؛ التمويل المناخي؛ التكيف؛ الصمود المناخي؛ التمويل المستدام؛ المغرب؛ السندات الخضراء؛ التأمين المناخي؛ البنية التحتية المرنة؛ الحلول القائمة على الطبيعة.
مقدمة: لماذا أصبح التكيف استثماراً وليس تكلفة؟
كان التعامل التقليدي مع الكوارث المناخية يقوم في الغالب على منطق التدخل بعد وقوع الضرر: حدوث الفيضان، ثم إصلاح الطرق والمنازل؛ وقوع الجفاف، ثم تقديم مساعدات طارئة؛ اندلاع الحرائق، ثم تمويل عمليات الإخماد وإعادة التأهيل. غير أن تصاعد المخاطر المناخية جعل هذا النموذج أكثر كلفة وأقل كفاءة على المدى الطويل.
لذلك أصبح السؤال الاقتصادي الأكثر أهمية ليس فقط: كم يكلفنا التكيف مع تغير المناخ؟ بل أيضاً: كم ستكلفنا عدم الاستجابة للمخاطر المناخية؟
وتشير الأدبيات الدولية إلى أن الاستثمار المبكر في المرونة يمكن أن يحقق منافع اقتصادية واجتماعية واسعة من خلال تجنب الخسائر وحماية سلاسل الإنتاج والبنية التحتية واستقرار الوظائف والدخل. وقد خلصت اللجنة العالمية للتكيف إلى أن استثمارات بقيمة 1.8 تريليون دولار في خمس مجالات رئيسية، من بينها أنظمة الإنذار المبكر والبنية التحتية المقاومة للمناخ والزراعة والموارد المائية وحماية النظم البيئية، يمكن أن تحقق منافع اقتصادية مباشرة وغير مباشرة تصل إلى نحو 7.1 تريليون دولار خلال الفترة 2020–2030 (Global Commission on Adaptation, 2019). ومن ثم، فإن التكيف ينبغي النظر إليه بوصفه شكلاً من الاستثمار الوقائي، أي استثمار يقلل احتمال وقوع الخسائر أو يقلل حجمها عندما تقع الصدمة المناخية.
1- الاستثمار الأخضر: مفهوم يتجاوز الطاقة المتجددة
غالباً ما يرتبط مفهوم الاستثمار الأخضر بالطاقة الشمسية وطاقة الرياح والنقل الكهربائي، غير أن المفهوم أوسع بكثير. فهو يشمل كل استثمار يسهم في تقليل الضغط على الموارد الطبيعية، والحد من التلوث والانبعاثات، وحماية النظم البيئية، ورفع كفاءة استخدام المياه والطاقة والمواد، وتعزيز قدرة المجتمعات والاقتصادات على التكيف مع المخاطر المناخية. ومن هذا المنظور، فإن محطة لمعالجة المياه العادمة، أو شبكة لتقليل تسرب المياه، أو مشروع لاستعادة الأراضي الرطبة، أو نظام للإنذار المبكر بالفيضانات، يمكن أن يكون استثماراً أخضر حتى وإن لم ينتج كيلوواط واحداً من الكهرباء. ويكتسب هذا التعريف أهمية خاصة في البلدان التي تتقاطع فيها مخاطر المناخ مع أزمات الماء والزراعة والتوسع الحضري، كما هي الحال في المغرب.
2- من التخفيف إلى التكيف: مساران متكاملان
يميز العمل المناخي بين مسارين رئيسيين. يركز التخفيف Mitigation على معالجة أسباب تغير المناخ، من خلال خفض انبعاثات غازات الدفيئة، بينما يركز التكيف Adaptation على تقليل آثار تغير المناخ والاستعداد لمخاطره الحالية والمستقبلية (IPCC, 2022). وتندرج ضمن التخفيف مشاريع الطاقة المتجددة وكفاءة الطاقة والنقل منخفض الكربون، بينما تشمل مشاريع التكيف إدارة المياه، والري الذكي، وأنظمة الإنذار المبكر، وحماية المدن من الفيضانات، والأصناف الزراعية المقاومة للجفاف، واستعادة الغابات والمناطق الرطبة. غير أن الفصل الحاد بين المسارين قد يكون مضللاً في بعض الحالات؛ فمشروع معالجة المياه بالطاقة الشمسية، مثلاً، قد يجمع بين التكيف والتخفيف، كما يمكن لاستعادة الغابات أن تسهم في تخزين الكربون وحماية التربة وتنظيم المياه في الوقت نفسه.
3- فجوة تمويل التكيف: المشكلة العالمية الكبرى
تكشف البيانات الدولية عن اختلال واضح بين حجم المخاطر وحجم التمويل المتاح. فقد ارتفع التمويل العام الدولي للتكيف في البلدان النامية من 22 مليار دولار سنة 2021 إلى 28 مليار دولار سنة 2022، لكن برنامج الأمم المتحدة للبيئة قدر فجوة التمويل السنوية بنحو 187–359 مليار دولار. وحتى تحقيق هدف مضاعفة تمويل التكيف وفق ميثاق غلاسكو لن يؤدي، وفق تقدير التقرير، إلا إلى تقليص هذه الفجوة بنحو 5% تقريباً (UNEP, 2024).
وتؤكد المعطيات الأحدث استمرار المشكلة. فقد بلغت تدفقات التمويل العام الدولي للتكيف إلى البلدان النامية نحو 26 مليار دولار في 2023، في حين قدرت الاحتياجات السنوية في 2035 بين 310 و365 مليار دولار، أي أن الاحتياجات تزيد بنحو 12 إلى 14 مرة على التدفقات الحالية وفق منهجية التقرير (UNEP, 2025). ولا تكمن المشكلة في نقص الأموال فقط، بل في طبيعة المشاريع أيضاً؛ فالكثير من مشاريع التكيف لا يوفر تدفقات مالية مباشرة يمكن للمستثمر الخاص تحصيلها، رغم أنها تمنع خسائر اقتصادية ضخمة.
4- مشكلة «العائد غير المرئي» على الاستثمار المناخي
تكمن إحدى الخصائص الاقتصادية للتكيف في أن نجاح المشروع قد يظهر في صورة حدث لم يقع. فإذا استثمرت مدينة في نظام متطور لتصريف مياه الأمطار، ثم مرت سنوات دون فيضان مدمر، فقد يبدو المشروع من الناحية المحاسبية أقل إنتاجية من مشروع تجاري يحقق إيرادات مباشرة. إلا أن القيمة الاقتصادية الحقيقية قد تتمثل في الخسائر التي تم تجنبها. ولهذا السبب ينبغي الانتقال من مفهوم العائد المالي التقليدي إلى مفهوم أوسع هو العائد على الصمود Resilience Return on Investment، الذي يقيس قيمة الخسائر التي تم تجنبها، وعدد السكان المحميين، واستمرارية النشاط الاقتصادي، وحماية الأصول الطبيعية والبشرية.
5- المغرب: التكيف المناخي كضرورة اقتصادية
يمثل المغرب حالة واضحة لأهمية هذا التحول. فقد انخفض نصيب الفرد من الموارد المائية المتجددة من نحو 2,560 متراً مكعباً سنوياً سنة 1960 إلى حوالي 620 متراً مكعباً في 2020 أقل من 500 متراً مكعباً سنة 2025، حيث وصل لعتبة الندرة المطلقة المقدرة بـ500 متر مكعب للفرد سنوياً. كما سجل المغرب نحو 20 حدث فيضان رئيسياً خلال العقدين السابقين، مع أضرار تقدر بنحو 450 مليون دولار سنوياً في المتوسط وفق معطيات البنك الدولي (World Bank, 2022/2023).
كما خلص تقرير المناخ والتنمية الخاص بالمغرب إلى أن تحقيق مسار منخفض الكربون وقادر على الصمود حتى منتصف القرن يتطلب استثمارات إجمالية تقدر بنحو 78 مليار دولار بالقيمة الحالية، مع إمكانية تحمل القطاع الخاص جزء مهم من هذه الاستثمارات إذا توافرت السياسات والحوافز المناسبة (World Bank, 2022).
وتشير هذه المعطيات إلى أن تمويل التكيف في المغرب ليس ملفاً بيئياً محدوداً، بل يرتبط مباشرة بالأمن المائي والغذائي والاستقرار الاقتصادي والتنمية الترابية.
5-1 الماء: المجال الأكثر استراتيجية للاستثمار المناخي في المغرب
يحتل الماء موقعاً مركزياً في أي استراتيجية للاستثمار المناخي بالمغرب. وتشمل مجالات الاستثمار الممكنة تحلية مياه البحر، وإعادة استخدام المياه العادمة، وتقليل تسربات شبكات التوزيع، وتحسين كفاءة الري، وحصاد مياه الأمطار، وإعادة تغذية المياه الجوفية وحماية الأحواض المائية.
لكن الاستثمار في البنية التحتية المائية وحده لا يكفي. فالتجربة الدولية تؤكد أن حلول العرض، مثل السدود والتحلية، تحتاج إلى أن تترافق مع إدارة الطلب، والكفاءة، وإعادة الاستخدام، وإصلاح الحكامة المائية. ويؤكد البنك الدولي أن معالجة ندرة المياه في المغرب تتطلب الجمع بين الاستثمارات الهندسية وسياسات إدارة الطلب والإصلاحات المؤسساتية (World Bank, 2022). ومن هنا يمكن صياغة المعادلة الاستثمارية التالية:
طاقة نظيفة + تحلية + إعادة استخدام + كفاءة مائية = أمن مائي + صمود مناخي.
5-2 إعادة استخدام المياه والاقتصاد الدائري بالمغرب
تمثل المياه العادمة مورداً استراتيجياً يمكن أن يتحول من عبء بيئي إلى أصل اقتصادي. فمعالجة المياه وإعادة استخدامها في السقي المساحات الخضراء بالمدن المغربية (مثل الرباط – القنيطرة – مراكش – فاس – تطوان – طنجة وأكادير…) وبعض الصناعة وغسل السيارات وغيرها من الحرف والمهن التي يمكن استعمال فيها المياه المعالجة، هذه الاستعمالات من شأنها أن تقلل الضغط على الموارد التقليدية، وتخفض التكاليف طويلة الأجل، وتدعم الاقتصاد الدائري للمياه. وهذا المجال يفتح أيضاً فرصاً أمام القطاع الخاص والمقاولات الصغيرة والمتوسطة في مجالات المعالجة، والمراقبة الرقمية، وأجهزة الاستشعار، وإدارة الشبكات، وإعادة الاستخدام.
5-3 الزراعة والتمويل الأخضر
تعد الزراعة من أكثر القطاعات تعرضاً لتقلبات المناخ، خصوصاً في المناطق التي تعتمد على الأمطار. ولذلك فإن تمويل التكيف الزراعي ينبغي أن يتجه نحو الري بالتنقيط والري الذكي، والاستشعار عن بعد، وتحسين التربة، وحصاد مياه الأمطار، والأصناف المقاومة للجفاف، والزراعة الحافظة. كما يمكن للبنوك والمؤسسات المالية تطوير منتجات مخصصة لصغار ومتوسطي الفلاحين، تجمع بين التمويل الميسر والمساعدة التقنية وربط القروض بمؤشرات الكفاءة المائية أو الطاقة. ولا ينبغي أن ينظر إلى التمويل الزراعي المناخي باعتباره مجرد دعم للفلاح، وإنما كوسيلة لتقليل مخاطر الأمن الغذائي وتقلبات الإنتاج.
5-4 التأمين المناخي ونقل المخاطر
يمثل التأمين أحد الأدوات التي يمكن أن تنقل جزءاً من المخاطر المناخية من الأسر والدولة إلى آليات مالية متخصصة. ويمكن تصميم منتجات لتغطية الجفاف والفيضانات والحرائق وموجات الطقس المتطرف. ومن بين الأدوات المهمة التأمين القائم على مؤشرات الطقس، حيث يرتبط التعويض ببلوغ مؤشر محدد، مثل مستوى الأمطار أو درجة الحرارة أو مؤشر الجفاف، بدلاً من انتظار تقييم الضرر الميداني لكل حالة. ويكتسب هذا النموذج أهمية خاصة في المناطق الزراعية، لأنه قد يسرع صرف التعويضات ويخفض تكاليف التقييم.
6- البنية التحتية: التصميم وفق مناخ المستقبل على المستوى العالمي
تحتاج الطرق والجسور والموانئ وشبكات الصرف الصحي والمنشآت المائية إلى الانتقال من التصميم اعتماداً على المناخ التاريخي إلى التصميم وفق سيناريوهات المناخ المستقبلية. فإذا تغيرت شدة الأمطار القصوى أو تزايدت موجات الحرارة، فإن معايير التصميم السابقة قد تصبح غير كافية. وبالتالي فإن الاستثمار في البنية التحتية المرنة ينبغي أن يدمج نمذجة المخاطر المناخية منذ مرحلة التخطيط، وليس بعد إنجاز المشروع.
6-1 المدن الإسفنجية: تجربة الصين
تقدم الصين مثالاً مهماً على إدماج التكيف في التخطيط الحضري من خلال برنامج المدن الإسفنجية Sponge Cities الذي أطلق سنة 2014، وتوسع ليشمل 30 مدينة تجريبية. ويقوم المفهوم على استخدام البنية الخضراء والزرقاء، مثل الحدائق والأسطح النفوذة وأحواض التجميع والمساحات القابلة للغمر، لامتصاص مياه الأمطار وتخزينها وإعادة استخدامها بدلاً من الاعتماد الكامل على تصريفها خارج المدينة (World Bank, 2022).
ويستهدف البرنامج، وفق الإطار الذي طورته الصين، زيادة نسبة المناطق الحضرية ذات الخصائص الإسفنجية على نطاق واسع بحلول 2030. وتبرز أهمية هذه التجربة بالنسبة للمدن المغربية التي تواجه في الوقت نفسه مخاطر الفيضانات ونقص المساحات الخضراء وارتفاع درجات الحرارة.
6-2 هولندا: من مقاومة المياه إلى «إفساح المجال للنهر«
تقدم هولندا نموذجاً آخر في التحول من مواجهة المياه بالمنشآت الصلبة وحدها إلى إدارة المخاطر من خلال التخطيط المكاني. وتقوم فلسفة Room for the River على منح الأنهار مساحة أكبر أثناء الفيضانات من خلال إعادة تشكيل السهول الفيضية ونقل بعض السدود وتهيئة مناطق لاستيعاب المياه.
وتكمن أهمية التجربة في أن التكيف لم يعد ينظر إليه كمشروع هندسي منفصل، بل كسياسة متكاملة تجمع بين المياه والتخطيط الحضري واستخدام الأراضي والسلامة العامة. والدرس الأساسي بالنسبة للمغرب هو أن الاستثمار في الصمود لا يعني دائماً بناء جدران وحواجز أكثر، وإنما قد يعني أحياناً إعطاء الطبيعة مساحة أكبر للعمل.
6-3 بنغلاديش: الاستثمار في الإنذار المبكر
تقدم بنغلاديش نموذجاً مهماً في مجال الإنذار المبكر والاستعداد للكوارث. فبعد إعصار 1970 الذي أودى بحياة تقدر بنحو 300 ألف شخص، استثمرت الدولة على مدى عقود في ملاجئ الأعاصير وبرامج الإنذار والاستعداد المجتمعي. وتشير بيانات البنك الدولي إلى أن عدد الوفيات في إعصار Sidr سنة 2007 كان في حدود بضعة آلاف، رغم أن قوة العاصفة كانت كبيرة، مع مساهمة واسعة لنظام الإنذار والملاجئ في خفض الخسائر البشرية (World Bank, 2014).
وتظهر هذه التجربة أن أنظمة الإنذار المبكر قد تكون من أكثر الاستثمارات المناخية فعالية، خصوصاً عندما تجمع بين التكنولوجيا والمعلومة والمشاركة المجتمعية.
7- الحلول القائمة على الطبيعة: الاستثمار في رأس المال الطبيعي
تزداد أهمية الحلول القائمة على الطبيعة Nature-based Solutions في تمويل التكيف، لأنها تجمع في كثير من الحالات بين خفض المخاطر وتحسين التنوع البيولوجي وتوفير منافع اجتماعية واقتصادية. وتشمل هذه الحلول استعادة الأنهار والمناطق الرطبة، واستعادة الغابات، وحماية السواحل، وزراعة الأشجار داخل المدن، واستصلاح الأراضي المتدهورة.
وتظهر دراسات البنك الدولي أمثلة اقتصادية ملموسة؛ فقد قدرت مساهمة الأراضي الرطبة الطبيعية في الولايات المتحدة في الحد من أضرار إعصار ساندي بنحو 625 مليون دولار، بينما ساهم مشروع لاستعادة غابات المانغروف في فيتنام، ضمن منظومة حماية ساحلية، في تحقيق وفورات قدرت بنحو 215 مليون دولار (World Bank, 2019). وبذلك تتحول الطبيعة من «مساحة غير مستغلة» في الحسابات التقليدية إلى رأس مال طبيعي يوفر خدمات اقتصادية قابلة للقياس.
8- تمويل التصدي لتداعيات تغر المناخ
8-1 السندات الخضراء والتمويل المستدام
تعد السندات الخضراء من الأدوات الرئيسية لتعبئة رأس المال لمشاريع ذات فوائد بيئية ومناخية، بينما تسمح السندات المرتبطة بالاستدامة بربط شروط التمويل بتحقيق مؤشرات أداء بيئي محددة. وتكمن أهمية هذه الأدوات بالنسبة للدول والجماعات والمؤسسات في إمكانية تحويل الأهداف المناخية إلى محافظ استثمارية قابلة للتمويل، شرط وجود معايير واضحة لتحديد المشاريع الخضراء، وأنظمة شفافة لتتبع الأموال وقياس النتائج.
8-2 التمويل المختلط: جسر بين الدولة والقطاع الخاص
تتميز العديد من مشاريع التكيف بارتفاع تكلفتها الأولية أو عدم وضوح العائد المالي المباشر. ولذلك يمكن استخدام التمويل المختلط Blended Finance من خلال الجمع بين المنح والتمويل العام والقروض الميسرة ورأس المال الخاص.
وتشير منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية إلى أن توسيع تمويل التكيف يحتاج إلى تحسين البيئة التمكينية، وتطوير قدرات الدول، وزيادة استخدام التمويل المختلط وأدوات تعبئة رأس المال الخاص (OECD, 2023, 2025).
وتكتسب هذه الآلية أهمية خاصة في المغرب بالنسبة لمشاريع الماء والاقتصاد الدائري والزراعة الذكية والبنية التحتية المرنة.
8-3 التمويل الدولي: المال وحده لا يكفي
لا تكمن المشكلة في كمية التمويل الدولي فقط، وإنما أيضاً في قدرة الدول والمنظمات والجماعات على تحويل الأفكار إلى مشاريع قابلة للتمويل Bankable Projects. ويحتاج المشروع المناخي إلى تشخيص دقيق، ودراسة جدوى، وتقدير للتكاليف، وتحليل للمخاطر، ونظرية للتغيير، ومؤشرات قابلة للقياس، وخطة للاستدامة المالية والمؤسساتية. وهنا يصبح الاستثمار في القدرات البشرية وإعداد المشاريع جزءاً من الاستثمار المناخي نفسه.
8-4 الموازنة المناخية وتتبع الإنفاق
تحتاج الحكومات والجماعات الترابية إلى معرفة حجم الموارد التي يتم توجيهها فعلياً إلى التكيف والتخفيف. ولهذا يمكن اعتماد Climate Budget Tagging أو وسم الموازنة المناخية، بحيث يتم تصنيف المشاريع حسب القطاع ونوع التدخل ومصدر التمويل والهدف المناخي. ويمكن، مثلاً، تصنيف مشروع إعادة استخدام المياه باعتباره مشروع تكيف، ومشروع الحافلات الكهربائية باعتباره مشروع تخفيف، ومشروع استعادة الأراضي باعتباره مشروعاً يجمع بين التكيف والتخفيف.
ويساعد هذا النظام على الانتقال من الخطاب المناخي العام إلى حسابات مالية قابلة للتتبع والمساءلة.
8-5 الاستثمار المناخي والوظائف الخضراء
لا يقتصر أثر التكيف على تقليل الخسائر، بل يمكن أن يصبح مصدراً لفرص اقتصادية جديدة في قطاعات البناء الأخضر، والمياه، والزراعة، والطاقة، والغابات، والهندسة، والرقمنة.
ويشير البنك الدولي، في تحليل حديث لتقارير المناخ والتنمية، إلى أن الاستثمارات التي تعزز القدرة على الصمود يمكن أن تسهم في توليد ما يعادل 25 مليون وظيفة إضافية وأفضل أجراً في 49 اقتصاداً تمت دراستها، مع تقدير يصل إلى نحو 150 مليون وظيفة عند التعميم على البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل (World Bank, 2026).
وبالتالي فإن تمويل التكيف يمكن أن يكون جزءاً من سياسة التشغيل، وليس مجرد سياسة بيئية.
8-6 العدالة المناخية في توزيع الاستثمار
تفرض العدالة المناخية ألا تذهب الاستثمارات فقط إلى المشاريع ذات العائد المالي الأعلى، وإنما أيضاً إلى المناطق والفئات الأكثر تعرضاً للمخاطر. ويشمل ذلك صغار الفلاحين، والمناطق القروية، والأحياء الهشة، والنساء، والشباب، والسكان الموجودين في مناطق الفيضانات والجفاف والحرائق.
وتزداد أهمية هذا البعد في المغرب بالنظر إلى أن جزءاً كبيراً من السكان الأكثر هشاشة يعيش في المناطق القروية ويعتمد على قطاعات شديدة الحساسية للمناخ، مثل الزراعة المطرية (World Bank, 2022).
8-7 تجنب «التكيف غير الملائم«
لا يعني الاستثمار في التكيف أن كل مشروع يحمل هذه الصفة سيكون إيجابياً بالضرورة. فهناك خطر Maladaptation، عندما يؤدي مشروع التكيف إلى نقل المخاطر إلى منطقة أخرى، أو زيادة الضغط على الموارد الطبيعية، أو الإضرار بالتنوع البيولوجي، أو زيادة التفاوت الاجتماعي.
ومن الأمثلة المحتملة استخدام منشآت ساحلية صلبة قد تقلل المخاطر في موقع معين لكنها تزيد التعرية في موقع مجاور.
لذلك يجب أن يخضع كل مشروع تكيف إلى تقييم متعدد الأبعاد يشمل المناخ والبيئة والمجتمع والاقتصاد والنظم البيئية.
8-8 مكافحة «الغسل الأخضر«
يمثل Greenwashing تحدياً آخر أمام التمويل المستدام، عندما يوصف مشروع بأنه أخضر دون أن تكون له نتائج بيئية ذات معنى. ولذلك تحتاج الأسواق المالية إلى معايير تصنيف واضحة Taxonomy تحدد ما يعتبر مشروعاً أخضر أو مشروع تكيف أو مشروع تخفيف، وما ينبغي استبعاده بسبب مخاطره البيئية.
ويؤدي هذا التصنيف وظيفة مزدوجة: حماية المستثمرين من الادعاءات غير الدقيقة، وتحسين توجيه رأس المال نحو المشاريع ذات الأثر الحقيقي.
9- المتدخلين لإيجاد الحلول الأكثر مرونة للتصدي لتغير المناخ
9-1 المجتمع المدني من منفذ للمشروع إلى مطور للحلول
يمكن للمجتمع المدني أن يلعب دوراً أكبر من مجرد تنفيذ أنشطة صغيرة ممولة من المنح. فالجمعيات المحلية توجد في قلب المجتمعات الأكثر تعرضاً للمخاطر، ويمكنها تحديد المشكلات وتطوير مشاريع صغيرة قابلة للتكرار والتوسع. ومن أمثلة ذلك: حصاد مياه الأمطار في المدارس، الحدائق المقاومة للحرارة، التشجير بالأنواع المحلية، استعادة الأراضي المتدهورة، أنظمة الإنذار المجتمعية، وبرامج التكيف الزراعي.
ويمكن تجميع هذه المبادرات في محافظ محلية أو جهوية لمشاريع التكيف، بما يزيد قابليتها للوصول إلى التمويل الدولي.
9-2 الاستثمار في البيانات والذكاء الاصطناعي
لا يمكن توجيه التمويل المناخي بكفاءة من دون معرفة مكان المخاطر وحجمها والفئات المتضررة. ولذلك فإن الاستثمار في محطات الأرصاد والخرائط المناخية والأقمار الصناعية وقواعد البيانات والنمذجة يمثل جزءاً أساسياً من البنية التحتية للمرونة. ويمكن للذكاء الاصطناعي أن يدعم هذه المنظومة من خلال تحليل البيانات، وتحديد المناطق المعرضة للفيضانات، وتحسين توقعات الجفاف، وتقييم مخاطر الأصول والبنية التحتية، وتقدير الخسائر المحتملة.
لكن استخدام الذكاء الاصطناعي يجب أن يرتبط بجودة البيانات وشفافية النماذج والتحقق البشري من النتائج، حتى لا تتحول التكنولوجيا إلى مصدر جديد للأخطاء في اتخاذ القرار.
9-3 قياس الأثر: من «مشروع أخضر» إلى نتائج قابلة للتحقق
لا يكفي أن يحمل المشروع صفة «أخضر». فالتمويل المناخي الحديث يتطلب مؤشرات كمية تسمح بقياس الأثر. ومن المؤشرات المقترحة: عدد السكان المحميين من الفيضانات، كمية المياه التي تم توفيرها سنوياً، عدد الهكتارات المستعادة، كمية الانبعاثات المخفضة، عدد الوظائف الخضراء التي تم خلقها، حجم الاستثمار الخاص الذي تم تعبئته، وقيمة الخسائر الاقتصادية التي تم تجنبها.
ويصبح المشروع أكثر قابلية للتمويل كلما أمكن تحويل أهدافه البيئية والاجتماعية إلى مؤشرات قابلة للتحقق والمقارنة.
10- المغرب نحو منظومة وطنية لتمويل التكيف
يمكن بناء منظومة مغربية متكاملة لتمويل التكيف انطلاقاً من خمس مجالات استراتيجية مترابطة:
• أولاً: الماء من خلال التحلية وإعادة الاستخدام والكفاءة وحماية الأحواض.
• ثانياً: الزراعة عبر الري الذكي، وإدارة التربة، والتأمين المناخي والأصناف المقاومة للجفاف.
• ثالثاً: المدن من خلال تصريف مياه الأمطار، والبنية التحتية المرنة، والتشجير، والتبريد الحضري، والحلول الإسفنجية.
• رابعاً: الطبيعة من خلال استعادة الغابات والمناطق الرطبة والأراضي المتدهورة.
• خامساً: الاقتصاد عبر الصناعة النظيفة والاقتصاد الدائري والوظائف الخضراء.
ويتوافق هذا الاتجاه مع تشخيص البنك الدولي الذي حدد للمغرب ثلاثة مجالات رئيسية للعمل المناخي: ندرة المياه والجفاف، والمرونة أمام الفيضانات، وإزالة الكربون، مع اعتبار التمويل والحكامة والعدالة عناصر تمكينية مشتركة (World Bank, 2022).
11- نحو «بنك وطني لمشاريع التكيف«
من بين الآليات العملية التي يمكن تطويرها إنشاء منصة وطنية لمشاريع التكيف المناخي، تضم مشاريع جاهزة للتمويل في الماء والزراعة والمدن والصحة والطبيعة والبنية التحتية. ويتم تصنيف المشاريع وفق مجموعة من المعايير، مثل: التكلفة، مستوى المخاطر، عدد المستفيدين، قابلية التوسع، الأثر المناخي، المردودية الاقتصادية، والقدرة على تعبئة التمويل الخاص. ويمكن لهذه المنصة أن تقلل المسافة بين الفكرة والتمويل، وهي إحدى أكبر العقبات التي تواجه المشاريع المناخية المحلية.
12- نحو محفظة وطنية لمشاريع التكيف المحلي
يمكن للمجتمع المدني والجماعات والمؤسسات التعليمية تطوير مشاريع صغيرة، ثم تجميعها في محفظة وطنية قابلة للتمويل. فبدلاً من البحث عن تمويل منفصل لمشروع مدرسة لحصاد مياه الأمطار، أو حديقة حضرية مقاومة للحرارة، أو مشروع تشجير، يمكن تجميع مئات المشاريع الصغيرة في برنامج وطني أو جهوي كبير، مما يرفع جاذبيته أمام المؤسسات المالية والمانحين. وهذا النموذج يسمح بتحويل المبادرات المحلية المتفرقة إلى استثمار مناخي قابل للتوسع.
الخلاصة: من تمويل الكوارث إلى تمويل الصمود
يكشف التحول المناخي العالمي أن النموذج التقليدي القائم على وقوع الكارثة ثم التدخل لإصلاح الأضرار لم يعد كافياً. فالمنطق الأكثر كفاءة اقتصادياً هو الانتقال إلى نموذج يقوم على تحديد الخطر، والاستثمار في الوقاية، وبناء الصمود، وتقليل الخسائر. وتؤكد التجارب الدولية أن التكيف يمكن أن يتحول إلى استثمار منتج عندما تتوافر ثلاثة شروط: أولها وجود بيانات ومعلومات تسمح بتحديد المخاطر؛ وثانيها تطوير مشاريع قابلة للتمويل وذات مؤشرات واضحة؛ وثالثها وجود أدوات مالية قادرة على توزيع المخاطر بين الدولة والقطاع الخاص والمؤسسات المالية والمجتمع.
وفي المغرب، تتزايد أهمية هذا التحول بفعل الإجهاد المائي والجفاف والفيضانات وتغير أنماط الحرارة. وتؤكد تقديرات البنك الدولي أن الانتقال إلى اقتصاد منخفض الكربون وقادر على الصمود سيتطلب استثمارات ضخمة، لكنها في الوقت نفسه تمثل فرصة لإعادة توجيه الاقتصاد نحو قطاعات جديدة وخلق وظائف وتعزيز الأمن المائي والغذائي (World Bank, 2022). وعليه، فإن الاستثمار الأخضر لا ينبغي أن يحصر في الطاقة الشمسية والرياح، وإنما يجب أن يشمل الماء والزراعة والغابات والمناطق الرطبة والمدن والصحة والبنية التحتية والبيانات والمهارات والإنسان.
ويمكن تلخيص التحول المطلوب في المعادلة التالية:
تحديد المخاطر إعداد مشاريع قابلة للتمويل تعبئة التمويل العام والخاص تنفيذ الاستثمارات قياس الأثر إعادة الاستثمار في الصمود.
إن التحدي بالنسبة للمغرب والعالم النامي ليس فقط في زيادة حجم التمويل المناخي، وإنما في تحويل التمويل إلى استثمارات عادلة وقابلة للقياس وقادرة على تقليل المخاطر وبناء اقتصاد أكثر مرونة. ومن هنا يصبح الاستثمار في التكيف استثماراً في الأمن المائي والغذائي والاقتصادي والاجتماعي، وفي قدرة الأجيال الحالية والقادمة على مواجهة مناخ أكثر تقلباً.
المراجع
1. Global Commission on Adaptation. (2019). Adapt now: A global call for leadership on climate resilience. World Resources Institute.
2. Intergovernmental Panel on Climate Change. (2022). Climate change 2022: Impacts, adaptation and vulnerability. Cambridge University Press.
3. Intergovernmental Panel on Climate Change. (2023). Climate change 2023: Synthesis report. IPCC.
4. Organisation for Economic Co-operation and Development. (2023). Scaling up adaptation finance in developing countries: Challenges and opportunities for international providers. OECD Publishing.
5. Organisation for Economic Co-operation and Development. (2024). Climate finance provided and mobilised by developed countries in 2013–2022. OECD Publishing.
6. Organisation for Economic Co-operation and Development. (2025). Scaling up finance and investment for climate change adaptation. OECD Publishing. https://doi.org/10.1787/b8d425a2-en
7. United Nations Environment Programme. (2024). Adaptation gap report 2024: Come hell and high water. UNEP.
8. United Nations Environment Programme. (2025). Adaptation gap report 2025: Running on empty. UNEP.
9. United Nations Framework Convention on Climate Change. (2025). Morocco NDC 3.0. UNFCCC.
10. World Bank. (2022). Morocco country climate and development report. World Bank Group.
11. World Bank. (2023). Morocco country climate and development report: An example in parliamentary engagement. World Bank Group.
12. World Bank. (2026). Country Climate and Development Reports: Jobs in a changing climate. World Bank Group.
13. World Meteorological Organization. (2023). Early warnings for all: Executive action plan 2023–2027. WMO.
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز