التمور المغربية.. من زيادة الإنتاج إلى صناعة القيمة

 

الدكتور محمد عزيز الهميزي: تقليص فاقد ما بعد الحصاد وتطوير التصنيع والتسويق والتتبع مفاتيح رفع دخل المزارع وتعزيز تنافسية التمور المغربية في الأسواق

حوار خاص أجرته شبكة بيئة أبوظبي، بصفتها شريك إعلامي لكونجرس نخيل التمر بالمملكة المغربية، 19 سبتمبر 2026
تمثل عمليات الحصاد وما بعد الحصاد واحدة من أكثر الحلقات تأثيراً في جودة التمور وقيمتها الاقتصادية، كما أن تطوير سلسلة القيمة لم يعد مرتبطاً بزيادة الإنتاج وحدها، بل بقدرة القطاع على المحافظة على الجودة، وتقليص الفاقد، وتحسين التخزين والتعبئة والتصنيع، والوصول بكفاءة إلى الأسواق.
وفي هذا الحوار، يسلط الدكتور محمد عزيز الهميزي الضوء على أبرز فرص تطوير عمليات الحصاد وما بعد الحصاد، والمسارات التي يمكن أن تساعد المغرب على الانتقال من التركيز على الإنتاج إلى بناء سلسلة قيمة متكاملة وأكثر تنافسية.

السؤال الأول:
تشكل عمليات الحصاد وما بعد الحصاد حلقة حاسمة في جودة التمور وقيمتها الاقتصادية. أين تكمن أبرز فرص التحسين التي يستطيع المزارع والمنتج المغربي تطبيقها للحد من الفاقد ورفع جودة المنتج وقيمته المضافة؟

تتطلب إدارة سلسلة قيمة التمور في المغرب الانتقال التدريجي من بعض الممارسات التقليدية إلى تطبيق بروتوكولات أكثر دقة خلال مرحلتي الجني وما بعد الجني، خصوصاً في ظل ما يسجل من فاقد في الواحات نتيجة الأضرار الميكانيكية والإصابات الحشرية ومشكلات التداول والتخزين.

وتبدأ فرص التحسين من تحديد التوقيت الأمثل للجني وفق مرحلة النضج المناسبة لكل صنف، سواء عند مرحلة الرطب أو التمر، بما يساعد على المحافظة على الخصائص النوعية للثمار والحد من التلف أو التخمر.
كما يمثل تطوير وسائل الجني جانباً مهماً، من خلال استخدام الرافعات الهيدروليكية أو وسائل التسلق الآمنة، بما يحقق هدفين متلازمين: سلامة العامل والمحافظة على الثمار. ومن الضروري أيضاً الحد من إسقاط العراجين أو الثمار مباشرة على الأرض، والاستعاضة عن ذلك باستخدام الحبال والشباك الواقية والصناديق البلاستيكية المهواة التي تقلل الانضغاط والصدمات الميكانيكية.

أما بعد الجني، فينبغي أن يبدأ الفرز والتدريج في مرحلة مبكرة لعزل الثمار المصابة بالحشرات، ومنها عثة التمور (Ephestia cautella)، أو المصابة بالفطريات، ثم تصنيف المنتج وفق الحجم واللون والرطوبة وغيرها من خصائص الجودة.

ومن العمليات المهمة أيضاً تطبيق معاملات مناسبة لمكافحة الآفات بعد الحصاد، بما في ذلك التقنيات التي تحد من استخدام المبيدات الكيميائية وتحافظ على متطلبات سلامة الغذاء، إلى جانب ضبط ظروف التبريد والتخزين بما يتناسب مع الصنف ومرحلة النضج والسوق المستهدفة.

ولا تنتهي عملية المحافظة على الجودة عند التخزين؛ إذ تستطيع تقنيات التعبئة الحديثة، مثل التعبئة تحت التفريغ (Vacuum Packaging) أو التعبئة في جو معدل (Modified Atmosphere Packaging – MAP)، أن تسهم في المحافظة على خصائص المنتج وإطالة مدة صلاحيته ورفع جاهزيته للأسواق ذات المتطلبات المرتفعة.

من تقليل الفاقد إلى صناعة القيمة
توجد كذلك فرصة اقتصادية مهمة في التمور التي لا تدخل أسواق الاستهلاك المباشر بالدرجة الممتازة. فبدلاً من اعتبارها منتجاً منخفض القيمة، يمكن توجيهها نحو التصنيع لإنتاج عجينة التمر، والدبس أو الشراب، ومكونات غذائية ومنتجات أخرى ذات قيمة مضافة.

ويضاف إلى ذلك دور الشهادات وأنظمة الجودة والتعريف بالمنشأ في تعزيز ثقة المستهلك ورفع القدرة التنافسية، خاصة في الأسواق التي تعطي أهمية متزايدة للإنتاج العضوي، وسلامة الغذاء، وقابلية التتبع، والهوية الجغرافية للمنتج.
وبذلك تصبح إدارة ما بعد الحصاد جزءاً من المعادلة الاقتصادية للقطاع، وليس مجرد مرحلة فنية تلي الإنتاج.

السؤال الثاني:
عملتم على سلسلة قيمة التمور من الإنتاج حتى التسويق. ما الذي يحتاجه المغرب للانتقال من التركيز على زيادة الإنتاج إلى بناء سلسلة قيمة متكاملة تحقق دخلاً أفضل للمزارع وتفتح أمام التمور المغربية فرصاً أكبر في الأسواق المحلية والدولية؟

الانتقال من منطق «زيادة الإنتاج» إلى منطق «صناعة القيمة» يتطلب التعامل مع قطاع التمور باعتباره سلسلة مترابطة تبدأ من النخلة ولا تنتهي إلا عند المستهلك.
وأولى حلقات هذه السلسلة هي تطوير إدارة الجودة وما بعد الحصاد. فوجود إنتاج جيد لا يكفي إذا فقد جزء من قيمته خلال الجمع أو النقل أو التخزين. ومن هنا تبرز الحاجة إلى تعزيز البنية اللوجستية، بما فيها مرافق التبريد والتخزين القريبة من مناطق الإنتاج، إلى جانب تطبيق معايير أكثر دقة للفرز والتدريج والتعبئة والتغليف بما يتوافق مع احتياجات الأسواق المحلية ومتطلبات التصدير.

المحور الثاني هو التصنيع ورفع القيمة المضافة. فالتمور ذات الجودة المتوسطة أو غير المطابقة لمواصفات سوق المائدة يمكن أن تتحول إلى مدخلات اقتصادية لإنتاج عجائن التمور والدبس والسكريات والمكونات الغذائية وغيرها من المنتجات. كما يمكن تطوير مسارات للاستفادة من النوى وبعض المخلفات في الأعلاف أو المواد الحيوية، بما يعزز مبادئ الاقتصاد الدائري داخل سلسلة القيمة.

أما المحور الثالث فيتمثل في بناء الهوية التسويقية للتمور المغربية. فالمنافسة في الأسواق الدولية لا تعتمد على الجودة الفيزيائية للثمرة وحدها، وإنما تشمل العلامة التجارية، والتعبئة، والهوية الجغرافية، وسلامة المنتج، وقصته، وقابلية تتبعه. ومن هنا تبرز أهمية تطوير وحماية مؤشرات المنشأ والجودة، إلى جانب تمكين المنتجين والتعاونيات والشركات من الوصول بصورة أكثر مباشرة إلى قنوات البيع والتوزيع والأسواق الخارجية.

الواحات جزء من سلسلة القيمة
ولا يمكن فصل مستقبل قطاع التمور عن مستقبل الواحات نفسها. ولذلك فإن المحور الرابع يتمثل في تعزيز مرونة الواحات أمام الضغوط المناخية والبيئية، وفي مقدمتها ندرة المياه وارتفاع درجات الحرارة والآفات والأمراض.
ويتطلب ذلك تحسين كفاءة الري والتوسع في الإدارة الذكية للمياه، بالتوازي مع تعزيز برامج الوقاية ومكافحة الأمراض، ولا سيما مرض البيوض (Bayoud)، الناجم عن فطر Fusarium oxysporum f. sp. albedinis، وتوفير مواد نباتية سليمة وأصناف ملائمة للظروف المحلية.

ويبقى العنصر البشري والمؤسسي محوراً خامساً لا يقل أهمية. فالتعاونيات والتنظيمات المهنية تحتاج إلى تطوير قدراتها في الإدارة والتسويق والجودة والتدبير المالي، حتى تنتقل من مجرد تجميع الإنتاج إلى كيانات اقتصادية قادرة على التفاوض والابتكار والوصول إلى الأسواق.

وفي قلب هذه المنظومة يأتي التتبع (Traceability)، من خلال بناء نظام يتيح معرفة رحلة المنتج من المزرعة وعمليات الجني والمعالجة والتخزين والتعبئة وصولاً إلى المستهلك. فالتتبع لم يعد مطلباً تقنياً فقط، بل أصبح جزءاً من الثقة التجارية وسلامة الغذاء والقدرة على النفاذ إلى الأسواق المتقدمة.

من النخلة إلى السوق
يمكن تلخيص التحول المطلوب في قطاع التمور المغربي في الانتقال من النظر إلى الثمرة بوصفها نهاية العملية الزراعية إلى النظر إليها باعتبارها بداية سلسلة اقتصادية.
فكلما نجح القطاع في تقليص الفاقد، وتحسين الجودة، وتطوير التخزين والتعبئة والتصنيع، والاستفادة من المنتجات الثانوية، وتعزيز التتبع والهوية التسويقية، ارتفعت القيمة التي يمكن الاحتفاظ بها داخل مناطق الإنتاج وتحسن العائد الاقتصادي للمزارع والمنتج.

وبذلك فإن مستقبل تنافسية التمور المغربية لن تحدده كمية الإنتاج وحدها، وإنما مقدار القيمة التي تستطيع سلسلة التمور أن تصنعها وتحافظ عليها من النخلة إلى المستهلك.

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

الأردن يعزز استدامة نخيل التمر بالبحث والابتكار وكفاءة استخدام المياه

الأردن يبحث مستقبل استدامة قطاع نخيل التمر في ظل شح المياه والتحديات المناخية، مع 850 ألف شجرة وإنتاج 37 ألف طن وصادرات تتجاوز 60 مليون دينار.

اترك تعليقاً