لا مكان للعشوائية في مزارع النخيل.. كل عملية فنية تحتاج إلى برنامج دقيق

المهندس حبيب التميمي:
• المعرفة التي تقدمها المؤتمرات لا تحقق أثرها الحقيقي إلا عندما تتحول إلى ممارسات بسيطة قابلة للتطبيق داخل المزرعة
• جودة التمور تبدأ من اختيار الموقع والتربة والصنف وتمتد إلى الري والتسميد وكفاءة العمالة

حوار خاص بشبكة بيئة أبوظبي، بصفتها شريك إعلامي لكونجرس نخيل التمر بالمملكة المغربية، 26 سبتمبر 2026
أكد المهندس حبيب التميمي، المتخصص في زراعة النخيل وصاحب خبرة ميدانية وعملية تمتد لنحو 25 عاماً، أن رفع إنتاجية مزارع النخيل وتحسين جودة التمور لا يرتبطان بإجراء زراعي واحد، وإنما بمنظومة متكاملة من العمليات الفنية التي يجب تنفيذها وفق برامج مدروسة ودقيقة، بدءاً من اختيار موقع المزرعة وفحص التربة وانتقاء الأصناف الملائمة، وصولاً إلى إدارة الري والتسميد وتدريب العمالة ومراقبة جودة التنفيذ.

وأوضح، في حوار خاص بمناسبة مشاركته في كونغرس نخيل التمر بالمغرب، أن أحد التحديات المهمة يتمثل في تحويل المعرفة العلمية التي تقدمها المؤتمرات والفعاليات المتخصصة إلى إجراءات حقلية مبسطة يستطيع المزارع والعامل تطبيقها، مؤكداً أن التكنولوجيا لا تعني بالضرورة المعدات المعقدة والمكلفة، إذ يمكن لأدوات وتقنيات بسيطة أن ترفع كفاءة العمل وتختصر الوقت وتخفض تكاليف العمالة.

السؤال الأول:
بعد نحو 25 عاماً من الخبرة الميدانية والعملية في زراعة النخيل وحمايته، ما أبرز الأخطاء التي يقع فيها المزارعون في إدارة بساتين النخيل، وما الممارسات التي يمكن للمزارع المغربي تحسينها لرفع الإنتاجية وجودة التمور؟

المهندس حبيب التميمي:
جميع عمليات خدمة النخلة مترابطة، ويمكن القول إن كل عملية فنية هي بحد ذاتها برنامج يجب إتقانه وتنفيذه بصورة مهنية وعملية في الحقل. لذلك فإن الإدارة الناجحة لمزرعة النخيل تبدأ قبل زراعة أول نخلة.
البداية تكون من اختيار موقع المزرعة ودراسته بصورة صحيحة، خصوصاً بالنسبة للمشروعات الكبيرة، ثم فحص التربة قبل الزراعة لمعرفة نوعيتها ومدى ملاءمتها لزراعة النخيل.

بعد ذلك تأتي أهمية اختيار الأصناف الملائمة للبيئة الجغرافية، لأن الاختيار غير المناسب قد يكلف المستثمر الكثير من الوقت والجهد والأموال، قبل أن يكتشف أن الأصناف التي زرعها غير ملائمة بالشكل المطلوب للمنطقة.
ومن المشكلات التي نلاحظها أيضاً استمرار بعض الممارسات التقليدية لدى المزارعين والعمال لمجرد أنهم اعتادوا عليها سنوات طويلة، رغم إمكانية وجود إجراءات أفضل منها وأكثر استناداً إلى المعرفة العلمية والخبرة الحقلية.

وتحتاج عمليات مثل التسميد والري إلى برامج واضحة ومحسوبة؛ فمواعيد إضافة الأسمدة وكمياتها وطريقة إضافتها يجب أن تكون مدروسة، وكذلك مياه الري ينبغي إدارتها وفق برنامج يتناسب مع طبيعة التربة والموقع وظروف المزرعة.
وباختصار، لا ينبغي أن تكون هناك عشوائية في مزرعة النخيل. كل عملية يجب أن تكون مدروسة ومحددة بدقة، سواء تعلقت بخدمة رأس النخلة، أو بحوض الري، أو بالتسميد، أو بغيرها من العمليات الفنية.

ومن العناصر التي أعتبرها بالغة الأهمية أيضاً تدريب الكادر العمالي ومراقبة جودة التنفيذ. فقد تكون التعليمات الفنية صحيحة تماماً، لكن العامل قد ينفذ منها 60% فقط بالشكل المطلوب، لأسباب مرتبطة بالخبرة أو عدم التدقيق في التفاصيل أو مستوى المهارة.
ولهذا لا يكفي أن يعرف المهندس أو مدير المزرعة الطريقة الصحيحة؛ بل يجب التأكد من أن العامل الذي سينفذها في الحقل قد فهمها وأتقنها بالفعل.

وبالنسبة للمزارع المغربي، فإن الاستفادة من الخبرات العلمية والميدانية، وتنظيم الدورات التدريبية، والاستعانة بالمتخصصين لتطوير مهارات العمالة الموجودة في المزرعة، كلها عوامل يمكن أن تساعد على تحسين جودة العمليات، وبالتالي تحسين الإنتاج من حيث الكمية والنوعية.

السؤال الثاني:
ما الذي يحتاجه المزارع المغربي اليوم للاستفادة بصورة أكبر من الخبرات العلمية والتقنيات الحديثة التي يقدمها مؤتمر نخيل التمر، وكيف يمكن تحويل ما يطرح في جلسات المؤتمر إلى ممارسات بسيطة وقابلة للتطبيق داخل المزرعة؟

المهندس حبيب التميمي:
القضية الأساسية هي تحويل المعرفة العلمية والنظرية إلى إجراءات عملية يستطيع العامل والمزارع فهمها وتنفيذها داخل الحقل.
فالمعارف الأكاديمية والخبرات العلمية التي تقدم خلال المؤتمرات تحتاج إلى التبسيط وترجمتها إلى خطوات وممارسات واضحة، ثم متابعة تنفيذها عملياً للتأكد من أن المعرفة انتقلت فعلاً من قاعة المؤتمر إلى المزرعة.

ولا تعني التكنولوجيا دائماً استخدام معدات معقدة أو مرتفعة التكلفة. هناك معدات وتقنيات يدوية بسيطة يمكن أن تساعد على اختصار الوقت وتحسين طريقة تنفيذ العمل وتقليل كلفة العمالة، التي أصبحت تمثل أحد البنود المهمة في تكاليف إدارة المزارع.

لكن نقل الممارسات الحديثة يرتبط أيضاً بالعنصر البشري. فالعامل الذي أمضى سنوات طويلة في تنفيذ عملية معينة بطريقة اعتاد عليها قد لا يتقبل تغييرها بسهولة، ولذلك يحتاج الأمر إلى مهارة في التدريب والتواصل والإقناع.
لا ينبغي أن نقول للعامل ببساطة إن ما كان يقوم به طوال السنوات الماضية خطأ، أو أن نفرض عليه ممارسة جديدة بالقوة، وإنما يجب أن نساعده على الاقتناع بأن هناك طريقة أو إجراءً حقلياً أفضل يمكن أن يعطي نتائج أكثر جودة وكفاءة.
وهذه القناعة مهمة جداً؛ لأن صاحب المزرعة أو المهندس لا يستطيع أن يكون موجوداً طوال الوقت إلى جانب كل عامل لمراقبة جميع العمليات.

لذلك يجب عند نقل المهارات الحقلية تدريب العامل عملياً والتأكد من أنه فهم الممارسة الجديدة واقتنع بها وأصبح قادراً على تنفيذها بصورة صحيحة، سواء كان المهندس أو صاحب المزرعة موجوداً أم لا.
وفي النهاية، فإن جودة الإنتاج هي حصيلة جودة جميع العمليات الفنية. وأشبه ذلك بالطالب الذي يريد الحصول على معدل مرتفع؛ فهو لا يستطيع تحقيق ذلك بالتفوق في مادة واحدة وإهمال بقية المواد، وإنما يحتاج إلى مستوى جيد في جميع المواد.

والأمر نفسه ينطبق على مزرعة النخيل. يجب أن تنفذ مختلف العمليات الفنية والحقلية بأعلى درجة ممكنة من الجودة، لأن تكامل جودة هذه العمليات هو الذي ينعكس في النهاية على كمية الإنتاج وجودة التمور.
وأتمنى أن تتضمن المؤتمرات المتخصصة في نخيل التمر، إلى جانب المحاضرات العلمية، مساحة أكبر للجلسات الحوارية والنقاشات التطبيقية؛ لأنها تساعد على نقل الخبرات وتحديث الممارسات الحقلية بصورة أفضل للمزارعين والمشرفين على المزارع.

فالنجاح الحقيقي للمؤتمر لا يتوقف عند تقديم المعرفة العلمية، بل يبدأ عندما تنتقل هذه المعرفة من قاعة المؤتمر إلى المزرعة، وتتحول إلى ممارسة أفضل ونتيجة يمكن قياسها في الحقل والمحصول.

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

موسم تمور العلا يدعو الزوار لاكتشاف تقليد زراعي حي متجذّر في إرثها

شبكة بيئة ابوظبي، العلا، المملكة العربية السعودية 16 سبتمبر 2026 يعود موسم تمور العلا خلال …

اترك تعليقاً