التسميد عبر الري يرفع كفاءة المياه والأسمدة في مزارع النخيل

 

المهندس رائد شاهين
• نجاح التسميد بالري لا يتحقق بمجرد حقن الأسمدة في شبكة الري.. بل يبدأ بتحليل التربة والمياه وتحديد احتياجات النخيل
• قطاع النخيل بحاجة إلى الانتقال من بيع المدخلات الزراعية إلى حلول متكاملة قائمة على التشخيص والبيانات والمتابعة والنتائج

حوار خاص بشبكة بيئة أبوظبي، بصفتها شريك إعلامي لكونجرس نخيل التمر بالمملكة المغربية، 26 سبتمبر 2026
أكد المهندس رائد شاهين أن مواجهة تحديات ندرة المياه وارتفاع كلفة المدخلات في مزارع النخيل تتطلب الانتقال إلى إدارة أكثر دقة للمياه والعناصر الغذائية، مشيراً إلى أن تقنية التسميد عبر الري (Fertigation) تتيح إيصال العناصر الغذائية مباشرة إلى منطقة انتشار الجذور بالكميات والتوقيت المناسبين لاحتياجات النخلة.
وأوضح، في حوار خاص بمناسبة مشاركته في كونغرس نخيل التمر بالمغرب، أن القيمة الحقيقية لهذه التقنية لا تكمن في مجرد إضافة الأسمدة إلى مياه الري، وإنما في بناء برنامج متكامل يستند إلى تحليل التربة والمياه، وخصائص شبكة الري، واحتياجات النخيل خلال مراحل النمو المختلفة.
ودعا في الوقت نفسه إلى تحول أوسع في قطاع مستلزمات الإنتاج الزراعي، من نموذج يقوم على بيع الأسمدة والمبيدات والمدخلات بصورة منفردة إلى نموذج يقدم للمزارع حلولاً متكاملة قائمة على التشخيص والبيانات والمتابعة وقياس النتائج، بما يسهم في تحسين ربحية المزرعة واستدامتها وتعزيز تنافسية التمور المغربية.

السؤال الأول:
في ظل ندرة المياه والضغوط المناخية التي تواجه المناطق الواحية في المغرب، ما الدور الذي يمكن أن تؤديه تقنيات التسميد عبر الري Fertigation في تحسين كفاءة استخدام المياه والعناصر الغذائية في مزارع النخيل؟ وما الذي يحتاجه المزارع لتطبيق هذه التقنيات بصورة علمية واقتصادية؟

المهندس رائد شاهين:
يُعد التسميد عن طريق شبكة الري (Fertigation) من التقنيات الحديثة التي تساهم في تحسين كفاءة استخدام المياه والأسمدة في زراعة النخيل. وتعتمد هذه التقنية على حقن الأسمدة القابلة للذوبان في مياه الري، بما يسمح بإيصال العناصر الغذائية مباشرة إلى منطقة انتشار الجذور، وبالكميات والتوقيت المناسبين وفقاً لاحتياجات النخيل.
ومن أهم مزايا هذه التقنية إمكانية تقسيم الجرعات السمادية على مراحل النمو بدلاً من إضافة كميات كبيرة من الأسمدة دفعة واحدة. ويساعد ذلك على تحسين امتصاص العناصر الغذائية والحد من فقدانها نتيجة الغسيل أو التثبيت في التربة، وبالتالي رفع كفاءة استخدام الأسمدة والمياه.

كما تتيح تقنية الـFertigation تكييف برنامج التغذية وفق مراحل نمو النخلة المختلفة، بدءاً من النمو الخضري، مروراً بالإزهار والعقد، وصولاً إلى نمو الثمار ونضجها.
ويمكن من خلال ذلك ضبط كميات العناصر الكبرى مثل الآزوت والفوسفور والبوتاسيوم، إلى جانب العناصر الصغرى، وفق الاحتياجات الفعلية للمحصول.
لكن نجاح التسميد عبر الري لا يتحقق بمجرد إضافة الأسمدة إلى شبكة الري. المطلوب هو برنامج متكامل يأخذ في الاعتبار تحليل التربة والمياه، وجودة مياه الري، وخصائص شبكة الري ومعدل التصريف، إلى جانب احتياجات النخيل في كل مرحلة من مراحل الإنتاج.

وتكتسب المتابعة المستمرة أهمية كبيرة، لأن مراقبة مؤشرات التربة والمياه والنبات تتيح تعديل البرنامج السمادي وفق الظروف الفعلية للمزرعة، بدلاً من الاعتماد على برنامج ثابت قد لا يعكس احتياجات المحصول الحقيقية.
ومن خلال الإدارة العلمية الصحيحة يمكن لهذه التقنية أن تساهم في تقليل هدر المياه والأسمدة، وتحسين نمو النخيل، ورفع إنتاجية التمور وجودتها، وتحسين المردودية الاقتصادية للمزرعة.
من بيع الأسمدة إلى بيع الحلول

السؤال الثاني:
بحكم خبرتكم الإقليمية في تطوير الأعمال الزراعية وتقديم الحلول الموجهة للمزارعين، هل يحتاج قطاع نخيل التمر اليوم إلى الانتقال من نموذج بيع الأسمدة والمبيدات والمنتجات الزراعية إلى نموذج يقدم للمزارع حلولاً متكاملة قائمة على التشخيص والبيانات والمتابعة والنتائج؟ وكيف يمكن لهذا التحول أن ينعكس على ربحية المزرعة وتنافسية التمور المغربية؟

المهندس رائد شاهين:
يتجه قطاع إنتاج النخيل اليوم نحو نموذج أكثر تكاملاً في إدارة المزرعة، فلم يعد التركيز منصباً فقط على بيع منتج أو مدخل زراعي منفرد، وإنما على تقديم حلول متكاملة مبنية على التشخيص والبيانات والمتابعة وقياس النتائج.
ويقوم مفهوم الإدارة المتكاملة للمحصول (Integrated Crop Management – ICM) على الجمع بين مختلف مكونات الإنتاج ضمن برنامج واحد، يشمل إدارة الري والتغذية والحماية الصحية للنبات، ومراقبة الآفات والأمراض، وتحسين العمليات الزراعية وتتبع أداء المحصول.

وبالنسبة إلى مزارع النخيل، فإن ذلك يعني الانتقال من التعامل مع كل مشكلة بصورة منفصلة إلى رؤية شاملة للمزرعة.
فعلى سبيل المثال، لا يمكن تحسين برنامج التسميد بصورة فعالة دون معرفة جودة مياه الري وخصائص التربة، كما ترتبط فعالية الحماية النباتية بظروف الري والتغذية والحالة العامة للنخيل. وبالتالي فإن القرارات الزراعية المختلفة لا ينبغي التعامل معها باعتبارها قرارات منفصلة.
ويعتمد هذا النموذج على جمع وتحليل المعلومات المتعلقة بالمزرعة، ومنها تحاليل التربة والمياه، والحالة الغذائية للنخيل، واستهلاك المياه، والظروف المناخية، وظهور الآفات والأمراض، ومؤشرات الإنتاج والجودة.
ومن خلال هذه البيانات يمكن اتخاذ قرارات أكثر دقة وتكييف التدخلات الزراعية مع الاحتياجات الحقيقية للمحصول.

الجرعة المناسبة في الوقت والطريقة المناسبين
ومن أهم فوائد هذا النهج أنه يسمح بتقليل الاستخدام غير الضروري للمدخلات، من خلال تطبيق الجرعة المناسبة، في الوقت المناسب، وبالطريقة المناسبة.
وهذا يمكن أن يساهم في خفض تكاليف الإنتاج، وتحسين كفاءة استخدام المياه والأسمدة، وتقليل الخسائر، مع المحافظة في الوقت نفسه على جودة وسلامة الإنتاج.
فالهدف النهائي من الإدارة المتكاملة للمحصول ليس مجرد زيادة كمية الإنتاج، وإنما تحسين ربحية المزرعة واستدامتها على المدى الطويل.

ومن هنا يمكن للقطاع الخاص أن يؤدي دوراً أكبر في مواكبة المزارعين من خلال الانتقال من بيع المنتجات والمدخلات فقط إلى تقديم حزمة متكاملة تبدأ بتشخيص حالة المزرعة، ثم وضع البرامج المناسبة، وتوفير التقنيات والمدخلات المطلوبة، وصولاً إلى المتابعة والتقييم وقياس النتائج.
وبهذه الطريقة تتغير طبيعة العلاقة بين المزارع ومقدم الحلول الزراعية، لتصبح شراكة قائمة على الأداء والنتائج بدلاً من أن تنتهي العلاقة بمجرد بيع المنتج.
وهذا النموذج يمكن أن يسهم في تعزيز تنافسية سلسلة إنتاج التمور المغربية، ومواكبة تطور القطاع باتجاه زراعة أكثر كفاءة واستدامة.

البيانات تقود القرار.. والنتائج تقيس النجاح
وتكشف هذه الرؤية عن تحول مهم في مفهوم الإدارة الحديثة لمزارع النخيل؛ فالسؤال لم يعد فقط: ما السماد أو المنتج الذي يحتاجه المزارع؟ وإنما: ما المشكلة التي تواجه المزرعة؟ وما البيانات التي نحتاج إليها لتشخيصها؟ وما الحل الأنسب؟ وكيف نقيس النتيجة بعد التطبيق؟
وعندما تصبح تحاليل التربة والمياه، والحالة الغذائية للنبات، واستهلاك المياه، والظروف المناخية، ومؤشرات الآفات والإنتاج والجودة جزءاً من عملية اتخاذ القرار، يصبح بالإمكان توجيه المدخلات الزراعية بصورة أكثر دقة، وتقليل الهدر وتحسين المردودية.

فالتحول الحقيقي في مزارع النخيل لا يكمن في استخدام المزيد من المدخلات، وإنما في استخدام ما تحتاجه النخلة بالفعل، بالكمية المناسبة، وفي الوقت المناسب، وبناء القرار الزراعي على التشخيص والبيانات والنتائج.
أرى أن هذه النسخة تحقق أيضاً تكاملاً جيداً مع الحوار الأول: حبيب التميمي يركز على إتقان الممارسات الحقلية وكفاءة العامل والتنفيذ، بينما رائد شاهين ينقل السلسلة إلى الإدارة الدقيقة للمدخلات والبيانات والحلول المتكاملة. وهذا التنوع مهم جداً؛ لأنه يجعل حوارات الكونغرس تبني في مجموعها رؤية متكاملة لقطاع النخيل بدلاً من تكرار الموضوعات نفسها.

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

موسم تمور العلا يدعو الزوار لاكتشاف تقليد زراعي حي متجذّر في إرثها

شبكة بيئة ابوظبي، العلا، المملكة العربية السعودية 16 سبتمبر 2026 يعود موسم تمور العلا خلال …

اترك تعليقاً