المهندس عماد سعد:
• المياه يجب أن تكون في قلب معادلة تطوير الواحات.. والهدف إنتاج تمور أكثر بكفاءة أعلى وضغط أقل على الموارد الطبيعية
• نجاح مؤتمرات النخيل لا يقاس بعدد المحاضرات.. بل بما يغيّره المزارع في مزرعته وما يحققه من نتائج قابلة للقياس
حوار خاص بشبكة بيئة أبوظبي، بصفتها شريك إعلامي لكونجرس نخيل التمر بالمملكة المغربية، 26 سبتمبر 2026
أكد المهندس عماد سعد، خبير الاستدامة والمسؤولية المجتمعية والتغير المناخي ورئيس شبكة بيئة أبوظبي، أن مستقبل قطاع نخيل التمر في المغرب والمنطقة العربية يتطلب الانتقال من إدارة المخاطر المناخية بصورة منفصلة إلى بناء منظومة متكاملة للمرونة المناخية، تستطيع التكيف مع شح المياه وارتفاع درجات الحرارة وتدهور الأراضي والآفات واضطراب سلاسل القيمة، وفي الوقت نفسه تحافظ على الإنتاج والموارد الطبيعية واستدامة المجتمعات الواحية.
وأوضح، في حوار خاص بمناسبة مشاركته في كونغرس نخيل التمر بالمغرب، أن التحدي لم يعد مقتصراً على زيادة كمية التمور المنتجة، وإنما يتمثل في كيفية تحقيق إنتاجية أفضل باستخدام الموارد بكفاءة أعلى، خصوصاً المياه والتربة، مع توظيف التكنولوجيا والزراعة الدقيقة والذكاء الاصطناعي والاقتصاد الدائري في بناء قطاع أكثر قدرة على الصمود.
وشدد سعد على أن القيمة الحقيقية للمؤتمرات العلمية لا تتحقق بمجرد تبادل المعرفة والخبرات، وإنما عندما تنتقل المعرفة من قاعة المؤتمر إلى المزرعة وتتحول إلى ممارسة ونتائج قابلة للقياس، قائلاً: «لا تسألوا فقط ماذا تعلم المزارع في المؤتمر، بل اسألوا بعد ستة أشهر: ماذا غيّر في مزرعته؟»
وتنطلق هذه الرؤية من الورقة العلمية التي يقدمها سعد حول تعزيز مرونة قطاع نخيل التمر في مواجهة التغير المناخي، والتي تطرح الانتقال من إدارة المخاطر إلى بناء المرونة باعتباره مساراً نحو قطاع أكثر استدامة وقدرة على مواجهة المستقبل.
زيادة الإنتاج وحماية الموارد.. ليستا هدفين متعارضين
السؤال الأول:
في ظل تصاعد آثار تغير المناخ وشح المياه وتدهور الأراضي، كيف يمكن للمغرب تطوير قطاع نخيل التمر بحيث يجمع بين زيادة الإنتاج وحماية الموارد الطبيعية وتعزيز قدرة الواحات على الصمود؟
المهندس عماد سعد:
أعتقد أن نقطة البداية هي تغيير طريقة النظر إلى التحديات التي تواجه قطاع نخيل التمر. فالتغير المناخي لم يعد خطراً منفرداً يمكن التعامل معه بإجراء واحد، وإنما أصبح منظومة من المخاطر المترابطة، تبدأ من ارتفاع درجات الحرارة والجفاف وندرة المياه وتدهور التربة، وتمتد إلى الآفات والأمراض وتذبذب الإنتاج والجودة وارتفاع تكاليف المدخلات واضطراب سلاسل القيمة.
وهذا ما يجعل التحدي أمام المغرب أكبر من مجرد الإجابة عن سؤال: كيف ننتج تموراً أكثر؟
السؤال الأهم هو: كيف ننتج بصورة أكثر كفاءة واستدامة ومرونة، مع المحافظة على المياه والتربة والنظام الواحي الذي يحتضن هذا النشاط الزراعي والاقتصادي والاجتماعي؟
فالورقة تبيّن أن تأثير تغير المناخ لا يتوقف عند الطقس أو المياه، وإنما يمتد عبر حلقات القطاع من التربة والمياه والنخلة والآفات والإنتاج والجودة إلى الاقتصاد وسلسلة القيمة.
ولهذا طرحت في الورقة إطاراً متكاملاً لتعزيز مرونة قطاع نخيل التمر يقوم على سبعة محاور مترابطة، تشمل الحوكمة والسياسات، والإدارة الذكية للمياه، والأصناف المقاومة للمناخ، والزراعة الدقيقة والذكاء الاصطناعي، والإدارة المتكاملة للآفات، والاقتصاد الدائري، والتمويل المناخي والتأمين.
المياه في قلب معادلة المرونة
وفي الحالة المغربية، أرى أن المياه يجب أن تكون في قلب هذه المعادلة.
ولا يتعلق الأمر فقط بتوفير مياه الري، وإنما بتعظيم الاستفادة من كل متر مكعب من المياه، من خلال رفع كفاءة الري، ومراقبة رطوبة التربة، واستخدام البيانات والتقنيات الحديثة في تحديد توقيت الري وكمياته، بالتوازي مع حماية التربة وتحسين قدرتها على الاحتفاظ بالمياه.
كما ينبغي الاهتمام بالأصناف والمواد النباتية الأكثر قدرة على تحمل الحرارة والجفاف والملوحة، والتوسع التدريجي في الزراعة الدقيقة واستخدام المستشعرات والبيانات والذكاء الاصطناعي في إدارة المزارع.
وأنا أنظر إلى الذكاء الاصطناعي هنا ليس باعتباره تقنية إضافية نضعها في المزرعة، وإنما شريكاً في صناعة القرار الزراعي عندما نوفر له البيانات الدقيقة التي تساعد على اتخاذ القرار الصحيح في الوقت المناسب. وهذا أحد الأدوار التي تبرزها الورقة لتطبيقات الذكاء الاصطناعي في التنبؤ بالإنتاج، والري الذكي، والإنذار المبكر للآفات والأمراض ودعم سلاسل القيمة.
مخلفات النخيل مورد اقتصادي وليس عبئاً
هناك أيضاً فرصة مهمة أمام المناطق الواحية تتمثل في الاقتصاد الدائري والاستفادة من مخلفات نخيل التمر.
فبدلاً من النظر إلى هذه المخلفات باعتبارها عبئاً ينبغي التخلص منه، يمكن تحويلها إلى مورد اقتصادي من خلال إنتاج السماد العضوي والأعلاف والطاقة الحيوية ومواد البناء والمنتجات الصناعية، بما يساهم في خفض الهدر وخلق قيمة اقتصادية وفرص جديدة داخل المناطق المنتجة. وهذه المسارات تشكل جزءاً واضحاً من رؤية الورقة للاقتصاد الدائري في القطاع.
لذلك لا أرى تعارضاً بين زيادة الإنتاج وحماية الموارد الطبيعية. إذا استطعنا إدارة المياه والتربة والمدخلات بكفاءة، واستخدمنا التكنولوجيا بصورة صحيحة، واستفدنا من المخلفات، وطورنا سلسلة القيمة، يمكننا تحقيق إنتاجية أفضل مع ضغط أقل على الموارد.
فالمرونة الحقيقية للواحات لا تعني فقط قدرتها على تحمل الصدمة المناخية، وإنما قدرتها على التكيف معها والتعافي منها والاستمرار في الإنتاج والتطور رغم تغير الظروف.
ماذا سيغيّر المزارع بعد عودته من المؤتمر؟
السؤال الثاني:
من وجهة نظركم، ما الذي ينبغي أن يعود به المزارع المغربي من هذا المؤتمر حتى نستطيع القول إن المؤتمر حقق أثراً حقيقياً ومستداماً، وليس مجرد تبادل للخبرات والمعرفة؟
المهندس عماد سعد:
بالنسبة لي، نجاح أي مؤتمر متخصص لا يقاس فقط بعدد الخبراء المشاركين أو الأوراق العلمية والمحاضرات التي يقدمها، رغم أهمية كل ذلك، وإنما بما يحدث بعد انتهاء المؤتمر.
المزارع المغربي لا يحتاج أن يعود إلى مزرعته محملاً بالمعلومات فقط؛ بل يجب أن يعود وهو يعرف بوضوح: ما الذي سأغيره غداً في مزرعتي؟
قد يكون التغيير في إدارة مياه الري، أو مراقبة التربة، أو اختيار الأصناف، أو إدارة الآفات، أو الاستفادة من المخلفات الزراعية، أو إدخال تقنية بسيطة تساعده على خفض التكلفة وتحسين الإنتاج والجودة.
وهنا نحتاج إلى الانتقال من نقل المعرفة إلى بناء القدرة على التطبيق، لأن المعلومة العلمية مهما كانت مهمة لن تحقق أثراً مستداماً إذا لم تتحول إلى ممارسة يستطيع المزارع تنفيذها ومتابعة نتائجها.
من المؤتمر إلى الحقل التجريبي
وأرى أن المؤتمرات المتخصصة يمكن أن تؤدي دوراً أكبر في ربط الباحث والمزارع والقطاع الخاص والجهات الحكومية ومقدمي التكنولوجيا والتمويل ضمن منظومة واحدة.
فبناء مرونة قطاع نخيل التمر ليس مسؤولية المزارع وحده، ولا الباحث أو الحكومة أو القطاع الخاص منفردين، وإنما هو مسؤولية مشتركة تتطلب تكامل السياسات والبحث العلمي والاستثمار والابتكار والممارسات الزراعية والشراكات. وهذا البعد التشاركي يظهر أيضاً في التوصيات الاستراتيجية للورقة.
ومن المفيد أن تتحول بعض مخرجات المؤتمرات إلى مزارع أو حقول نموذجية وتجارب تطبيقية، يتم فيها اختبار الممارسات والتقنيات في الظروف المحلية وقياس أثرها على استهلاك المياه والإنتاجية والجودة والتكلفة، ثم نقل الممارسات التي أثبتت نجاحها إلى نطاق أوسع.
فالتحول الحقيقي يبدأ بالبيانات، ولهذا تقترح الورقة خارطة طريق تبدأ ببناء الأساس والبيانات، ثم الانتقال إلى التحول الرقمي، وصولاً إلى قطاع أكثر ذكاءً ومرونة واستدامة.
ولا ينبغي أيضاً أن يعتقد المزارع أن التكنولوجيا تعني دائماً حلولاً معقدة ومكلفة؛ فقد تكون البداية من معلومة صحيحة في الوقت المناسب، أو تحسين جدولة الري، أو مستشعر بسيط، أو استخدام أكثر كفاءة للمدخلات والمخلفات.
من مؤتمر ينقل المعرفة إلى مؤتمر يصنع الأثر
إذا أردنا في النهاية معياراً واضحاً لقياس نجاح المؤتمر، فأقترح ألا نسأل فقط:
ماذا تعلم المزارع خلال المؤتمر؟
بل أن نعود إليه بعد ستة أشهر ونسأل:
ماذا غيّر في مزرعته؟ وكم وفّر من المياه والمدخلات؟ وهل تحسنت إنتاجيته وجودة تموره ودخله؟
عندما نستطيع الإجابة عن هذه الأسئلة بنتائج قابلة للقياس، نكون قد انتقلنا بالفعل من مؤتمر ينقل المعرفة إلى مؤتمر يصنع الأثر.
فمستقبل نخيل التمر لن تصنعه المعرفة وحدها، بل قدرتنا على تحويل المعرفة إلى ممارسة، والممارسة إلى نتائج، والنتائج إلى قطاع أكثر مرونة واستدامة.
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز