فهم جديد للعلاقة بين الوراثة والبيئة
شبكة بيئة ابوظبي، د. طارق قابيل (*)، القاهرة، جمهورية مصر العربية، 22 أغسطس 2025
لطالما اعتقد العلماء أن الصفات المكتسبة خلال حياة الكائن الحي لا يمكن توريثها للأجيال القادمة. ولطالما سادت فكرة أن مصيرنا البيولوجي محكوم بالكامل بما ورثناه من أسلافنا. وقد رسم علم الوراثة الكلاسيكي صورة صارمة: أن الصفات تنتقل عبر قوانين مندل، وأن التغيرات العشوائية في الحمض النووي هي المحرك الوحيد للتطور. لكن هل هذه هي القصة الكاملة؟ ماذا لو كانت حياتنا، بما فيها من خبرات، وتحديات، وعادات، تترك بصمتها البيولوجية لتورثها للأجيال القادمة؟ إن هذه الفكرة، التي ارتبطت بالعالم جان بابتيست لامارك، كانت مرفوضة لعقود طويلة، واعتُبرت نظرية منتهية في علم الأحياء. والآن لم تعد نظرية لامارك مجرد نظرية تاريخية عفا عليها الزمن، بل عادت إلى الواجهة مرة أخرى وأصبحت موضوعاً لأبحاث مثيرة للاهتمام في طليعة علم الأحياء.
فمع التطورات المذهلة في علم فوق الجينات (Epigenetics)، بدأ العلماء يكتشفون أن بيئتنا وسلوكياتنا يمكن أن تُعيد كتابة “لغة” جيناتنا، لتورثها إلى أبنائنا، مؤكدين أننا لسنا مجرد نتاج جيناتنا، بل نتاج تفاعلها العميق مع محيطنا. فهل يمكن حقاً للصفات التي يكتسبها الأفراد، مثل اللياقة البدنية أو الآثار الصحية الناتجة عن سوء التغذية، أن تنتقل إلى أبنائهم وأحفادهم؟ هذا ما يكشف عنه العلماء اليوم، مقدمين أدلة جديدة ومثيرة للاهتمام تُجبر المجتمع العلمي على إعادة النظر في أحد أقدم النقاشات في تاريخ علم التطور.
مفتاح اللغز: فوق الجينات
في عالم الجينات، كانت نظرية لامارك، التي تقول بتوريث الصفات المكتسبة، مرفوضة لعقود طويلة. وكان يُنظر إلى التطور على أنه عملية تحدث عبر الطفرات العشوائية (Random Mutations) في الحمض النووي، حيث تُورَّث هذه الطفرات وتنتشر عبر الأجيال إذا كانت مفيدة للكائن الحي. لكن، مع ظهور أدلة من دراسات تاريخية، بدأ العلماء يشككون في كون هذا هو المسار الوحيد للتوريث. لكن علم فوق الجينات قدم آلية محتملة لذلك. فالتغيرات فوق الجينية هي تعديلات كيميائية على الحمض النووي أو البروتينات التي تلتف حوله، لا تغير تسلسل الجينات نفسه، بل تتحكم في كيفية عملها (تفعيلها أو إيقافها). تخيل الجين ككتاب مغلق، والتغيرات فوق الجينية كـ”إشارات مرجعية” تحدد الصفحات التي يجب قراءتها. هذه الإشارات يمكن أن تتغير استجابتنا للبيئة.
تأتي أقوى الأدلة على التوريث فوق الجيني من دراسات تاريخية على المجاعات. ففي بلدة أوفركاليكس (Överkalix) السويدية النائية، عاش الأطفال الذين نجوا من مجاعة عام 1867 حتى أصبح لديهم أحفاد عاشوا لست سنوات إضافية مقارنة بمتوسط العمر المتوقع، وعاش الأحفاد الذين تعرض آباؤهم للمجاعة في سن مبكرة عمراً أطول. وعلى النقيض، واجهت النساء الحوامل في هولندا والصين مجاعات تاريخية، وأنجبن أطفالاً يعانون من مشاكل صحية مثل زيادة الوزن وداء السكري من النوع الثاني وأمراض الكلى. المثير للدهشة هو أن هؤلاء الأبناء ورثوا هذه المشاكل الصحية لأحفادهم، بالرغم من أن المجاعات كانت قد انتهت منذ زمن بعيد. هذه الظواهر تُشير إلى أن الجسم قد “يتذكر” الظروف البيئية الصعبة ويجهز الأجيال القادمة للتعامل معها، سواء بتعزيز آليات البقاء أو بتوريث قابلية للإصابة بالأمراض.
كيف تنتقل الصفات؟
لا يزال العلماء يحاولون فهم الآلية الدقيقة لهذا التوريث. إحدى الفرضيات الرائدة تركز على الحمض النووي الريبوزي غير المشفِّر (Noncoding RNA)، وهي جزيئات يمكنها أن تحمل معلومات فوق جينية من الجسم إلى الخلايا الجنسية، وبالتالي إلى الأجيال القادمة. هناك أيضاً فرضية جديدة تقترح أن الخلايا الجذعية قد تلعب دوراً في نقل هذه الصفات، حيث تكتسب تغييرات فوق جينية في أنسجة الجسم ثم تعود لتنقلها إلى الخلايا الجنسية.
مع تطور البيولوجيا الجزيئية (Molecular Biology)، اكتشف الباحثون أن التعديلات على الحمض النووي (DNA) التي لا تغير تسلسل الجينات يمكن أن تؤثر على تعبيرها الجيني (Gene Expression)، وبالتالي على صفات الكائن الحي. تُعرف هذه التغييرات باسم التغيرات فوق الجينية (Epigenetic Changes).
من الأمثلة على ذلك، إضافة مجموعات الميثيل (Methyl Groups) إلى الحمض النووي (DNA)، أو التعديلات على بروتينات الهيستون (Histones) التي يلتف حولها الحمض النووي. يمكن أن تحدث هذه التغييرات استجابةً للمؤثرات البيئية، وتنتقل إلى الخلايا الابنة، مما يشير إلى أن فوق الجينات قد توفر آلية لتوريث الصفات المكتسبة.
دور جزيئات الحمض النووي الريبوزي غير المشفِّر (Noncoding RNA) :
يعتقد العلماء اليوم أن جزيئات الحمض النووي الريبوزي غير المشفِّر (Noncoding RNA) قد تلعب دوراً محورياً في هذا التوريث. هذه الجزيئات لا تُترجم إلى بروتينات، لكنها يمكن أن تؤثر على التعبير الجيني. بعض أنواعها يمكن أن ترتبط بـالحمض النووي الريبوزي الرسول (mRNA) وتمنع إنتاج البروتينات.
وقد أظهرت الأبحاث أن هذه الجزيئات يمكن أن تنتقل إلى الخلايا الجنسية، مثل الحيوانات المنوية، مما يذكرنا بفرضية “الجميول” التي اقترحها داروين و”البلاستيدول “التي اقترحها هيكل. وفي دراسة أجريت في سبتمبر 2024، وجد باحثون أن بعض جزيئات الحمض النووي الريبوزي (RNA) في الفئران ونبات الأرابيدوبسيس تخضع لتعديلات كيميائية تجعلها أكثر مقاومة للتحلل، مما يسمح لها بالبقاء والتأثير على الأجيال المستقبلية.
فرضية الخلايا الجذعية الجديدة:
اقترح الباحث أرشاليك أليكسانيان في عام 2024 فرضية جديدة لم تُختبر بعد، تفيد بأن الخلايا الجذعية (Stem Cells) في الحيوانات المنوية قد تهاجر إلى أنسجة الجسم المختلفة، تكتسب تغييرات فوق جينية استجابة للمؤثرات البيئية، ثم تعود إلى الخصيتين، وتتحول مرة أخرى إلى خلايا جذعية مع الاحتفاظ بهذه التغييرات، لتنتج خلايا جنسية تحمل هذه “الذاكرة” وتمررها إلى الأجيال القادمة.
إرثنا المكتسب
ارتبطت نظرية توريث الصفات المكتسبة بشكل كبير بالعالم الفرنسي جان بابتيست دي لامارك، الذي اقترح في كتابه “فلسفة علم الحيوان” عام 1809 أن الكائنات الحية تُعدِّل من صفاتها لتتكيف مع بيئتها، وتمرر هذه التغييرات إلى نسلها. وضرب مثالاً على ذلك بالطيور المائية التي تطيل سيقانها تدريجياً لتتجنب الغوص في الطين.
لكن هذه النظرية قوبلت برفض قاطع، خاصة بعد ظهور علم الوراثة المندلية، وتجربة العالم الألماني أوغست فايسمان الذي قطع ذيول الفئران لمعرفة ما إذا كانت ستُورّث هذه الصفة، والتي تعتبر فيي الكلاسيكيات العلمية دليلاً قاطعاً على بطلان نظرية لامارك. وبالمثل، فشلت تجربة فرانسيس غالتون، ابن عم داروين، الذي نقل دماً بين أرانب مختلفة الألوان، في إثبات توريث لون الفراء.
وبالرغم من هذه الأدلة، يوضح المؤرخ العلمي لوران لويسون (Laurent Loison) أن التوريث فوق الجيني يختلف عن التوريث اللاماركي الذي كان لامارك يتصوره. فلامارك اعتبر أن توريث الصفات المكتسبة هو الطريقة الرئيسية للتوريث، بينما الأدلة الحالية تشير إلى أن التوريث فوق الجيني “ضعيف ومحدود”. ويرى الباحثون المعاصرون، مثل أرشاليك أليكسانيان، الباحث في علم فوق الجينات، أن هذه التجارب كانت “بدائية للغاية” ولا يمكن استخدامها لرفض نظرية لامارك بشكل قاطع. ففي ذلك الوقت، لم يكن العلماء يملكون أي فكرة عن تنظيم الجينات (Gene Regulation) أو علم فوق الجينات. ولهذا فمن المهم التمييز بين التوريث فوق الجيني والتطور اللاماركي. التوريث فوق الجيني محدود، وتأثيراته أضعف بكثير من الطفرات الجينية، كما أن آليات الجسم تميل إلى “مسح” هذه العلامات في الأجيال اللاحقة. ومع ذلك، فإن وجودها يفتح الباب أمام فهم جديد للعلاقة بين الوراثة والبيئة، ويؤكد أن ما يفعله الفرد قد لا يخصه وحده، بل يمكن أن يكون له أثر على أبنائه.
ففي الثدييات، هناك آليات طبيعية تعمل على “مسح” العلامات فوق الجينية في مراحل مختلفة من النمو، سواء أثناء تكوين الخلايا الجنسية أو في المراحل المبكرة من تطور الجنين. هذا المسح ضروري لضمان النمو السليم، ولكنه ليس فعالاً بنسبة 100%، مما يسمح لبعض العلامات بالانتقال.
إعادة كتابة قواعد الوراثة… ولكن بحذر
في نهاية المطاف، يمكن القول إن نظرية لامارك لم تكن خاطئة بالكامل، بل كانت سابقة لعصرها. ففي ظل علم فوق الجينات، أصبحت فكرته عن توريث الصفات المكتسبة حقيقة علمية، وإن كانت جزئية ومحدودة. فالتوريث ليس حكراً على التغيرات في تسلسل الحمض النووي (DNA) وحدها، بل يشمل أيضاً “الذاكرة” فوق الجينية التي يكتسبها الكائن الحي من بيئته. ورغم أن هذا التوريث لا يمثل القاعدة الأساسية للتطور كما كان يعتقد لامارك، إلا أنه يضيف بعداً جديداً ومثيراً للاهتمام لفهمنا لكيفية انتقال الصفات عبر الأجيال.
ولم يعد من الممكن رفض فكرة توريث الصفات المكتسبة بشكل مطلق. فعلى الرغم من أن لامارك كان مخطئاً في اعتقاده بأنها المصدر الرئيسي للتطور، فإن علم فوق الجينات قدم أدلة على أن هذه الصفات يمكن أن تنتقل أحياناً إلى الأجيال القادمة. هذا التوريث قد يكون محدوداً وضعيفاً، لكنه لا يمكن تجاهله، خاصةً عندما يتعلق الأمر بالصحة.
فالآثار الصحية السلبية والإيجابية للمجاعات، كما في دراسات هولندا والسويد، تظهر أن التغيرات فوق الجينية يمكن أن تؤثر على صحة الأجيال القادمة. ولهذا، يرى العلماء أن من الضروري دراسة هذا النوع من التوريث بشكل أعمق، خاصة في ظل المجاعات والأزمات التي تواجهها مناطق مثل غزة وجنوب السودان والسودان، لفهم كيف يمكن أن تؤثر الظروف الحالية على صحة الأجيال المستقبلية.
هذه الاكتشافات ليست مجرد إنجاز أكاديمي، بل لها تداعيات عميقة على فهمنا للصحة والأمراض. فإذا كان سوء التغذية في جيل الأجداد يمكن أن يؤثر على صحة الأحفاد، فإن ذلك يبرز أهمية الظروف البيئية والغذائية، ويؤكد على أن صحتنا ليست مجرد محصلة لصفات وراثية ثابتة، بل هي نتيجة لتفاعل معقد بين الماضي والحاضر. إننا نتحمل مسؤولية أكبر تجاه الأجيال القادمة، ليست فقط عبر جيناتنا، بل أيضاً عبر “إرثنا المكتسب” من الحياة.
إن البحث في هذا المجال لا يزال في بداياته، وقد يفتح آفاقاً جديدة في فهم الأمراض والتنبؤ بالآثار الصحية طويلة المدى للظروف البيئية والغذائية، مما يجعلنا نكتشف أن ما نكتسبه في حياتنا قد لا يخصنا وحدنا، بل قد يكون إرثاً نتركه للأجيال القادمة.
الكاتب: د. طارق قابيل
– أكاديمي، خبير التقنية الحيوية، كاتب ومحرر ومترجم علمي، ومستشار في الصحافة العلمية والتواصل العلمي.
– أستاذ جامعي متفرغ، وعضو هيئة التدريس بقسم التقنية الحيوية – كلية العلوم – جامعة القاهرة.
– مقرر لجنة الآداب والفنون والعلوم الاجتماعية والثقافة العلمية والدراسات الاستراتيجية ومؤشرات العلوم والتكنولوجي، وزميل أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، وزارة التعليم العالي – مصر.
– أمين مجلس بحوث الثقافة والمعرفة، أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، وزارة التعليم العالي – مصر.
– الباحث الرئيسي لمشروع خارطة طريق “مستقبل التواصل العلمي في مصر ودوره في الاعلام العلمي”، أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، مصر.
– السفير الإقليمي للاقتصاد الدائري والمواد المستدامة لمنظمة “سستينابلتي جلوبال” (Sustainability Global)، فينا، النمسا.
– عضو المجموعة الاستشارية العربية للعلوم والتكنولوجيا، التابعة للمكتب الإقليمي للأمم المتحدة للحد من مخاطر الكوارث للدول العربية.
https://orcid.org/0000-0002-2213-8911
http://scholar.cu.edu.eg/tkapiel
tkapiel@sci.cu.edu.eg
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز