الطحالب والحشائش البحرية في الخليج العربي

ثروة بيئية مهددة وفرص للحفاظ على النظم الساحلية

شبكة بيئة ابوظبي، بقلم د. محمد جمعة موسى (*)، زميل ما بعد الدكتوراة بالمركز الدولي للزراعة الملحية (ICBA)، دبي، الإمارات العربية المتحدة، 26 أغسطس 2025
الخليج العربي يمثل أحد أهم النظم البيئية البحرية في العالم نظرًا لموقعه الجغرافي الفريد وتنوعه البيولوجي، على الرغم من كونه بيئة شديدة القسوة من حيث الملوحة ودرجات الحرارة. وبين مختلف الكائنات البحرية التي تسهم في استدامة هذا النظام البيئي، تلعب الطحالب البحرية (Macroalgae) دورا محوريا باعتبارها “المهندسين البيئيين” للسواحل. فهي لا تُعد فقط مصدراً أساسياً للأكسجين والمواد العضوية، بل توفر كذلك موائل للكائنات البحرية الأخرى وتعمل كدرع طبيعي ضد التعرية الساحلية. لذلك الحفاظ عليها يعني حماية الثروة السمكية، تعزيز الاقتصاد الأزرق، وتحقيق التوازن البيئي في واحدة من أكثر البيئات البحرية هشاشة على مستوى العالم. بالرغم من ذلك يمثل التنوع البيولوجي للطحالب البحرية في الخليج العربي رغم ظروفه القاسية ويضم أنواعا عديدة من الطحالب الحمراء والخضراء والبنية، ومن أبرزها:

– الطحالب الحمراء (Rhodophyta): مثل Gracilaria وHypnea، وهي ذات قيمة اقتصادية عالية نظرا لاستخدامها في استخراج الأجار والكاراجينان.
– الطحالب البنية (Phaeophyceae): مثل Sargassum، والتي تشكل موائل غنية بالأسماك واللافقاريات.
– الطحالب الخضراء (Chlorophyta): مثل Ulva وCodium، وتتميز بقدرتها العالية على التكيف مع الملوحة المرتفعة.
هذه الأنواع لا تُغني فقط عنصري التنوع والإنتاجية في الخليج، بل تمثل أيضًا موردا اقتصاديا غير مستغل بشكل كامل، سواء في الصناعات الدوائية أو الزراعية أو الغذائية.

الأهمية البيئية للطحالب البحرية
1- تثبيت الكربون ومكافحة التغير المناخي: حيث تعمل الطحالب البحرية كخزانات طبيعية للكربون، حيث تمتص كميات كبيرة من ثاني أكسيد الكربون وتساعد في التخفيف من حدة الاحتباس الحراري.
2- حماية السواحل من التعرية: حيث تعمل مجاميع الطحالب كحواجز طبيعية تقلل من تأثير الأمواج والتيارات المائية، مما يحافظ على استقرار الشواطئ ويمنع فقدان التربة الساحلية.
3- دعم السلاسل الغذائية: تعد الطحالب الأساس في السلسلة الغذائية البحرية، حيث توفر الغذاء المباشر للعديد من الكائنات البحرية مثل الرخويات والأسماك العاشبة.
4- تحسين جودة المياه: من خلال امتصاص العناصر الغذائية الزائدة (النيتروجين والفوسفور)، تساعد الطحالب على الحد من ظاهرة الإثراء الغذائي التي تسبب أزهار الطحالب الضارة.

من ناحية أخرى تمثل التهديدات التي تواجه الطحالب في الخليج العربي خطرا متزايدا وهي كالتالي:
– التلوث النفطي: تسرب النفط المتكرر في الخليج يؤدي إلى تغطية سطوح الطحالب ومنعها من القيام بعملية التمثيل الضوئي.

– التوسع العمراني والمشاريع الساحلية: مثل عمليات الردم والإنشاءات البحرية تدمر موائل الطحالب وتقلص مساحتها.

– التغير المناخي: مثل ارتفاع درجات الحرارة وزيادة الملوحة والتلوث يؤثران على معدلات نمو الطحالب وتوزيعها.

– الرعي الجائر: لمجتمعات الطحالب بعض الكائنات البحرية مثل الأسماك العاشبة والقواقع تستهلك الطحالب بشكل يفوق قدرتها على التجدد.

تعزيز الأمن الغذائي: حيث تبدأ السلسلة الغذائية وتنضج المصايد
– تمثل الطحالب المصانع الأولية للطاقة الحيوية: تعتبر المنتج الأولي في النظام البحري؛ تُحوِّل ضوء الشمس وثاني أكسيد الكربون إلى كتلة حية تغذي الهائمات، التي تغذي بدورها الأسماك والروبيان والمحار. أي تراجع في غطاء الطحالب ينعكس سريعاً على مخزون المصايد وجودتها.

– درع ضد سمّية المعادن الثقيلة: الأبحاث الحديثة تظهر قدرة طحالب عديدة (مثل Ulva وGracilaria والطحالب البنية Sargassum) على امتزاز وتراكم عناصر كالكادميوم والرصاص والنحاس. عندما تُلتقط هذه المعادن عند مستوى القاعدة الغذائية، ينخفض عبء التلوّث الصاعد نحو الأسماك الصالحة للاستهلاك البشري.

– مؤشرات حيوية لإدارة المصايد: لأن استجابة الطحالب للتلوث والملوحة والحرارة دقيقة وسريعة، يمكن رصدها دوريا كـ حسّاسات بيولوجية تُنبّه مبكرا إلى الضغوط التي قد تُضعِف المخزون السمكي قبل أن تتفاقم.

الاستدامة البيئية للطحالب ككربون أزرق، مياه أنقى، وسواحل أكثر صمودا
– كربون أزرق فعّال الطحالب البحرية تمتص ثاني أكسيد الكربون بسرعة وتحوّله لكتلة حيوية قابلة للحصاد أو للدفن في الرواسب. هذا يجعلها مكملًا ذكيا لغابات القرم والأعشاب البحرية في ميزانية الكربون الوطنية.
– تحسين جودة المياه عبر الامتزاز الحيوي للمعادن الثقيلة وامتصاص المغذيات الزائدة (النيتروجين/الفسفور)، تساعد الطحالب على منع الإثراء الغذائي والاختناقات من الاكسجين الذائب، وتحافظ على صفاء المياه الضروري للشعاب المرجانية.
– هندسة بيئية طبيعية: بعض الأنواع الخيطية والملتصقة تُثبّت الرواسب الدقيقة وتُقلّل تعكّر الماء، ما يدعم مقاومة السواحل للتآكل ويرفع صمود النظم أمام العواصف ودرجات الحرارة المرتفعة.

الاقتصاد الأزرق من تنقية البيئة إلى سلاسل قيمة واعدة
– تعمل الطحالب كموارد حيوية عالية القيمة حيث انها مصدر لمركّبات فيكوكيميائية (الجينات، كاراجينان، فوكويدان، فيكوبيلينات) تُستخدم في الصناعات الدوائية والتجميلية والغذائية.
– وقود حيوي ومنتجات دائرية: الكتلة الطحلبية المزروعة في أنظمة المعالجة (بعد ضبط محتوى المعادن) يمكن تحويلها إلى بيوديزل أو بيوجاز أو أسمدة حيوية وكربون مثل الفحم الحيوي لاستصلاح التربة.
– وظائف خضراء وتقنيات محلية: الزراعة البحرية للطحالب (Seaweed Farming) تخلق سلاسل توريد جديدة وتدفع الابتكار في الاستزراع المتكامل متعدد التغذية (IMTA) مع الأسماك والمحاريات لخفض البصمة البيئية وتعظيم العائد.
الحشائش والطحالب البحرية كآليات طبيعية لتقليل تراكم المعادن الثقيلة في الخليج العربي
تناولنا في دراستنا الحديثة المنشورة الحديثة في مجلةMarine Pollution Bulletin، إلى أن تقلبات الملوحة الناتجة عن التغير المناخي والتصريف الصناعي تؤثر بشكل مباشر على مدى توافر المعادن الثقيلة في البيئة الساحلية، ومدى امتصاصها من قِبَل الطحالب البحرية. هذه النتائج تُعد مفتاحا لفهم قدرة الحشائش والطحالب على أداء دور تضامني فعّال في التنقية الحيوية البحرية.

أبرز النقاط التي توصّلنا إليها:
1- تأثير الملوحة على التوافر الحيوي للمعادن: تغيّرات الملوحة تغير من صيغ المعادن الكيميائية في الماء، ما يؤثر على قابلية امتصاصها من قبل الطحالب. فكلما انخفضت الملوحة، قد تزداد قابلية طحالب مثل Ulva lactuca وFucus vesiculosus على امتصاص معادن مثل الكادميوم والزنك.
2- التنوع النوعي في الامتصاص: تختلف قدرة أنواع الطحالب البحرية على امتصاص المعادن حسب نوعها، وبيئتها (درجة الحرارة، الحموضة)، مما يقتضي إجراء دراسات ميدانية محلية لتقييم الأداء الحقيقي.

كيف تدعم الحشائش البحرية هذا الدور؟
الحشائش البحرية، مثل Cymodoceaceae في الخليج العربي، تلعب أدواراً مشابهة، بل متكاملة:
1. امتصاص الثقيل والعزل البيئي: جدران وأوراق الحشائش تحتجز المعادن الثقيلة، وتمنع نقلها إلى السلسلة الغذائية.
2. ترسيب الرواسب الملوثة: شبكة الجذور تقلل من جريان الرواسب، مما يقلّل من انبعاث المعادن في عمود الماء.
3. تثبيت النشاط البيولوجي الداخلي: تعمل كبيئات دقيقة تساعد على وجود ميكروبات تفكك أو تحول المعادن بطرق أقل سمية.

الخاتمة
تمثل الطحالب البحرية والحشائش المائية في الخليج العربي خط الدفاع البيولوجي الأول أمام التهديدات البيئية المتزايدة التي تواجه المنطقة الساحلية. فهي ليست مجرد كائنات أولية في السلسلة الغذائية، بل مكوّنات استراتيجية للنظام البيئي تعمل على تثبيت الكربون، تنقية المياه، حماية الشواطئ، والتقليل من تراكم الملوثات الثقيلة. وفي ضوء التحديات المتفاقمة المرتبطة بالتغير المناخي، التلوث النفطي، والأنشطة البشرية الساحلية، يصبح الاستثمار في حماية هذه الموارد الطبيعية ضرورة قصوى لتحقيق الأمن الغذائي والاستدامة البيئية والاقتصاد الأزرق.

التوصيات:
1. إنشاء برامج رصد طويلة المدى:
وضع برامج متخصصة لرصد حالة الطحالب البحرية والحشائش المائية في الخليج، مع التركيز على تأثير الملوحة والملوثات المعدنية، وذلك اعتمادًا على النتائج التي أبرزتها دراستنا الحديثة.

2. تطوير حلول طبيعية لمعالجة التلوث:
استغلال قدرة الطحالب والحشائش على امتصاص وتثبيت المعادن الثقيلة كأدوات طبيعية (Biofilters) لمعالجة المياه الساحلية الملوثة قبل وصولها إلى مناطق الشعاب المرجانية ومصايد الأسماك.

3. إدماج الطحالب في الاقتصاد الأزرق:
تشجيع الاستثمار في مزارع الطحالب البحرية في الخليج، ليس فقط كغذاء أو مصدر للمواد الدوائية، بل أيضًا كمدخلات للوقود الحيوي والأسمدة الحيوية، بما يفتح مسارات جديدة للتنمية المستدامة.

4. تعزيز التعاون الإقليمي:
إقامة برامج مشتركة بين دول الخليج لرصد التغيرات البيئية وحماية النظم الساحلية، حيث إن التلوث البحري لا يعترف بالحدود السياسية.

5. رفع الوعي المجتمعي:
نشر ثقافة حماية الطحالب البحرية باعتبارها ثروة بيئية واقتصادية، من خلال حملات توعية ومناهج تعليمية، بما يضمن مشاركة المجتمع المحلي في جهود الحماية.

6. البحث التطبيقي المستقبلي:
-تقييم التكامل بين الحشائش البحرية والطحالب كمصفاة مزدوجة تقلل التلوث وتزيد من مرونة النظام البيئي.
-اختبار جدوى استخدام الكتلة الحيوية الطحلبية المجمعة في الصناعات الصديقة للبيئة.

(*) الدكتور محمد جمعة موسى
متخصص في علوم التربة والبيئة، مع اهتمام خاص ببحوث إعادة تأهيل الأراضي الهامشية، التلوث البيئي، المعالجة الحيوية، وإدارة النظم البيئية في مواجهة التغيرات المناخية. شارك في العديد من المشاريع الدولية المتعلقة بتحسين خصوبة التربة، استخدام الموارد غير التقليدية، وإيجاد حلول مستدامة للتحديات البيئية في المناطق الجافة والهامشية. له أكثر من 30 بحثاً منشوراً في مجلات علمية محكمة، إضافة إلى إسهاماته في المؤتمرات الدولية حول خصوبة الأراضي وتغذية النبات، التلوث بالعناصر الثقيلة، واستراتيجيات الاستصلاح البيئي، وحماية النظم البيئية.

المراجع العلمية:
1- Syaifudin, M., Moussa, M. G., Li, T., & Du, H. (2025). The impact of salinity on heavy metal accumulation in seaweed. Marine Pollution Bulletin, 214, 117819.
2- Al-Homaidan, A. A., Al-Ghanayem, A. A., Al-Qahtani, H. S., Al-Abbad, A. F., Alabdullatif, J. A., Alwakeel, S. S., & Ameen, F. (2021). Effect of sampling time on the heavy metal concentrations of brown algae: A bioindicator study on the Arabian Gulf coast. Chemosphere, 263, 127998.
3- Ameen, F., Al-Homaidan, A. A., Almahasheer, H., Dawoud, T., Alwakeel, S., & AlMaarofi, S. (2022). Biomonitoring coastal pollution on the Arabian Gulf and the Gulf of Aden using macroalgae: A review. Marine Pollution Bulletin, 175, 113156.
4- Syaifudin, M., Xu, J., Fan, W., Moussa, M. G., Zhong, C., Li, T., & Du, H. (2025). Valorization of Macroalgal Biomass into Biostimulants and Biofertilizers for Sustainable Agriculture.
5- Al-Mansoori, N., & Das, H. S. (2023). Seagrasses of the United Arab Emirates. In A Natural History of the Emirates (pp. 267-285). Cham: Springer Nature Switzerland.

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

مشروع تسلسل الجينوم النباتي بهدف دعم حماية الأنواع المحلية

تنفذه هيئة البيئة – أبوظبي بالتعاون مع M42 ضمن برامج مركز المصادر الوراثية النباتية شبكة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *