شبكة بيئة ابوظبي، بقلم د. حسام حاضري مستشار تطوير إستراتيجي، 18 سبتمبر 2016
تعرَّض المجتمع البشري – ومازال – للعديد من الكوارث والأحداث والأزمات التي أثرت فيه ودفعته لاتخاذ إجراءات وتعديل سلوك وتصرفات للتكيف مع الوضع الجديد الذي أفرزته تلك الأحداث أي العمل بمبدأ رد الفعل والأمثلة على ذلك كثيرة كالزلازل والهزات والبراكين والأعاصير والأزمات والحوادث بأنواعها، وأحدث شاهد على ذلك ما حدث منذ أيام قليلة في حادثة الهبوط الاضطراري للطائرة التابعة لشركة طيران الإمارات واندلاع النار في قسم كبير منها علماً أنها كانت تقل ما يقارب الثلاثمائة راكب والذين تم ولله الحمد إجلاؤهم بالكامل والسيطرة على حريق الطائرة وإخماده بأقل الأضرار، والسؤال الذي يمكن أن يتبادر إلى الأذهان : ما الغرض من هذا التقديم، وما علاقة ذلك بالاستشراف؟
في الحقيقة يمثل هذا التقديم جوهر القول ومحور الحديث عن الاستشراف لأنه يمثل تجربة ناجحة في الاستعداد للفعل. والمسألة، الإيجابية المضيئة والملفتة للنظر هو قدرة الحكومة بأجهزتها المختلفة على إدارة الأزمة بشكل مميز، وتمكنها من إجلاء جميع ركاب الطائرة دون وفيات، وإخماد الحريق الذي ضرب معظم أرجائها، وإعادة الحركة والنشاط للمطار في زمن قياسي لم يتجاوز سويعات قليلة؛ الأمر الذي حظي بإعجاب القاصي والداني، ونالت بفضله الحكومة العلامة الكاملة في سرعة الإنجاز والتعامل بحرفية عالية مع الحادثة والسيطرة عليها. وهذا إن دلَّ على شيء فإنما يدل على الاستعداد المسبق والتدرب المستمر على كل الحالات والاحتمالات. ورغم اتفاقنا جميعاً على حتمية القدر – وهذا من المسلمات – فإنّ عملية الحد من الأضرار، والتكيف مع المعطيات الجديدة، واستعراض السيناريوهات لا يمكن أن تتحقق لولا الاستشراف الصحيح للمستقبل ورسم خارطة طريق له.
وإن كانت هذه التجربة تبين بما لا يدعو مجالاً للشك نجاح الحكومة في إدارة الأزمة فما هي إلا خطوة في مشوار الألف ميل، ومازال في الانتظار الكثير من العمل الجاد والمسؤول، لأن المستقبل يطير بجناحي الفرص والتحديات، وإذا تأملنا في الفرص وضرورتها فلابدَّ أن نولي اهتماماً مناسباً للتحديات، تلك التي ينبغي التأهب لها بشكل استباقي بما يمكن من خوض غمارها والوصول إلى الوجهة المنشودة، وهذه الرسالة بمفهومها تأتي متناغمة مع التوجهات العامة لدولة الإمارات العربية المتحدة في تبنيها للرؤية المستقبلية نهجاً استراتيجيا ثابتاً في السياسات والخطط والبرامج والمشاريع، وثقافة يتم ترسيخها في البنية المجتمعية، وقيمة أولية في سلم القيم العليا للمجتمع، تقوم مؤسسات الدولة بدعمها وتشجيعها والاحتفاء بها وتنظيم مسابقات للأفكار الإبداعية والمنجزات المبتكرة وتكريم المبدعين والمبتكرين وأصحاب الأفكار الخلاقة وتبني مشاريعهم المستقبلية وتقديم الجوائز التقديرية لهم، ولا أدل على سريان روح وثقافة المستقبل في البنية المجتمعية من أنّ دولة الإمارات أصبحت اليوم إحدى أهم حاضنات الابتكار وتكنولوجيا المستقبل حول العالم، بل وصناعة المستقبل.
وأخيراً لابدَّ من التنويه إلى أن “الحاضر هو غرس الماضي وأن المستقبل جني الحاضر” ومعنى هذا المعادلة أن أي استشراف للمستقبل لا يكون له معنى إلا بعد الفراغ من “فرز الماضي” لإحكام الصلة بما يفيد الحاضر الذي يصنع المستقبل، وللتحرر مما يعوق حركة هذا الحاضر، وبتعبير عصري نقول إن “الإقلاع الحضاري” يتطلب النظر في “المرآة العاكسة للخلف” لأن توحيد النظرة إلى المستقبل يستوجب توحيد النظرة إلى الماضي وعندما نقول “الماضي” فإننا نعني القضايا الفكرية المختلفة التي لم تحسم حسماً علميا نهائياً ولم يُتخذ منها موقفا موحداً شاملاً.
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز