استنساخ المستنسَخ: هل يمكن تكرار النسخة إلى ما لا نهاية؟

تجربة امتدت عشرين عامًا على الفئران تكشف حدود الاستنساخ المتكرر

من سلسلة «خواطر وراثية» (الجينات والوعي الإنساني)، حلقة (52)

شبكة بيئة أبوظبي، بقلم الدكتور قاسم زكي، أستاذ الوراثة المتفرغ، كلية الزراعة، جامعة المنيا، جمهورية مصر العربية، 01 سبتمبر 2026
منذ أن وُلدت النعجة «دوللي» عام 1996، تحول الاستنساخ من فكرة أقرب إلى الخيال العلمي إلى تقنية حقيقية تثير آمال العلماء ومخاوف المجتمع في آن واحد. فقد أثبتت دوللي أن نواة خلية جسدية متخصصة ما زالت تحتفظ بالمعلومات الوراثية اللازمة لتكوين كائن كامل، إذا أُعيدت برمجتها ووُضعت داخل بويضة منزوعة النواة. لكن سؤالًا ظل بلا إجابة واضحة: هل يمكن استنساخ الحيوان، ثم استنساخ نسخته، ثم استنساخ النسخة الجديدة، والاستمرار على هذا النحو إلى ما لا نهاية؟
دراسة يابانية استمرت عشرين عامًا قدّمت أخيرًا إجابة مثيرة: يمكن تكرار الاستنساخ عشرات الأجيال، لكنه لا يستطيع الاستمرار إلى الأبد؛ لأن الأخطاء الوراثية تتراكم تدريجيًا حتى تصل السلالة المستنسخة إلى طريق مسدود.

نسخة من نسخة من نسخة
بدأ فريق علمي بقيادة باحثين من جامعة “ياماناشي” اليابانية تجربته في يناير 2005، مستخدمًا فأرة واحدة بوصفها المصدر الأصلي للخلايا. أخذ العلماء نواة خلية جسدية من الخلايا المحيطة بالبويضة، ثم نقلوها إلى بويضة أزيلت نواتها. وبعد تنشيط البويضة بدأت في الانقسام وتكوين جنين، نُقل إلى رحم أم بديلة حتى وُلدت الفأرة المستنسخة الأولى.

وعندما بلغت هذه الفأرة ثلاثة أشهر، أُخذت منها خلايا جديدة لإنتاج الجيل الثاني. ثم تكررت العملية مع الجيل الثالث والرابع، حتى وصل العلماء إلى الجيل الثامن والخمسين. وخلال عشرين عامًا أجرى الفريق 30,947 عملية لنقل النواة، ونجح في إنتاج أكثر من 1,200 فأرة مستنسخة تنتمي جميعها إلى أصل وراثي واحد. وتُعد هذه أطول تجربة معروفة للاستنساخ المتسلسل في الثدييات.

في الأجيال الأولى بدت النتائج مشجعة؛ إذ ارتفعت كفاءة الاستنساخ تدريجيًا حتى بلغت 15.5% في الجيل السادس والعشرين. كما بدت الفئران طبيعية، وعاشت معظمها أعمارًا قريبة من العمر المعتاد للفئران غير المستنسخة. ولهذا ظن الباحثون في مرحلة مبكرة أن الاستنساخ المتكرر قد يستمر بلا حدود.

لكن ابتداءً من الجيل السابع والعشرين بدأت الصورة تتغير؛ فقد أخذ معدل نجاح الاستنساخ في الانخفاض، حتى وصل إلى نحو 0.6% في الأجيال الأخيرة. أما فئران الجيل الثامن والخمسين، فقد ماتت جميعها في اليوم التالي لولادتها، فتوقفت السلسلة بعد عشرين عامًا من بدايتها.

النسخة ليست مطابقة تمامًا
يُقال عادة إن الحيوان المستنسخ نسخة وراثية مطابقة للحيوان الذي أُخذت منه النواة، لكن هذا الوصف يحتاج إلى تدقيق. فالحمض النووي ليس كتابًا جامدًا لا يتغير؛ إذ تتعرض خلايا الجسم طوال حياة الكائن لطفرات وأخطاء تنشأ أثناء انقسام الخلايا أو نتيجة عوامل بيئية وعمليات حيوية داخلية.

وعندما تُستخدم خلية جسدية من حيوان مستنسخ لإنتاج الجيل التالي، تنتقل بعض الطفرات التي تحملها تلك الخلية إلى النسخة الجديدة، ثم تنشأ طفرات إضافية. ومع استمرار الاستنساخ جيلًا بعد جيل، تتراكم الأخطاء كما تتراجع جودة صورة تُنسخ مرارًا من نسخة سابقة بدلًا من الرجوع إلى الأصل.

أظهر تحليل الجينوم أن كل جيل مستنسخ اكتسب في المتوسط نحو سبعين طفرة نقطية وقرابة 1.5 تغير بنيوي كبير في الكروموسومات. وشملت هذه التغيرات عمليات حذف وإضافة وانقلاب وانتقال لأجزاء من المادة الوراثية. كما كان معدل تراكم الطفرات في الفئران المستنسخة أعلى بنحو ثلاثة أضعاف من نظيره في سلالات الفئران المتكاثرة جنسيًا.

ولم تكن المشكلة الرئيسية، كما توقع البعض، مجرد تراكم اضطرابات «فوق جينية» تؤثر في تشغيل الجينات وإسكاتها؛ إذ لم يجد الباحثون دليلًا على زيادة منتظمة لهذه الاضطرابات عبر الأجيال. وإنما تمثلت المشكلة الأشد في طفرات حقيقية أصابت تسلسل الحمض النووي وبنية الكروموسومات، وتراكمت حتى أثرت في قدرة الأجنة على النمو والبقاء.

لماذا اختارت الثدييات التكاثر الجنسي؟
تكشف التجربة إحدى الحكم العميقة الكامنة في التكاثر الجنسي. ففي هذا النوع من التكاثر تتكون البويضات والحيوانات المنوية عن طريق الانقسام الاختزالي، ثم يجتمع نصف المادة الوراثية من الأم مع نصفها من الأب. وخلال هذه العملية تحدث إعادة تركيب للمادة الوراثية، فتظهر توليفات جديدة من الجينات، وتتاح للطبيعة فرصة التخلص من بعض الطفرات الضارة عبر الانتخاب.

أما في الاستنساخ المتسلسل، فتنتقل المادة الوراثية من نسخة إلى أخرى من دون هذا الخلط والتجديد. وإذا ظهرت طفرة ضارة، فإنها قد تبقى داخل السلالة وتتراكم فوقها طفرات أخرى. وتتفق هذه النتيجة مع مفهوم وراثي معروف باسم «سقاطة مولر»، الذي يفسر كيف تتجمع الطفرات الضارة تدريجيًا في الجماعات التي تتكاثر لاجنسيًا، بصورة يصعب عكسها.

وقد وجد الباحثون أن العودة إلى التكاثر الجنسي استطاعت إنقاذ جزء من السلالة؛ فعندما زُوجت بعض الإناث المستنسخة بذكور طبيعية أمكن إنتاج عدد محدود من الأجنة والمواليد السليمة. ويشير ذلك إلى أن الانقسام الاختزالي والإخصاب قد يساعدان في فرز بعض الاختلالات الوراثية وإعادة بناء تراكيب جينية أكثر قدرة على الحياة.

هل انتهى مستقبل الاستنساخ؟
لا تعني الدراسة أن الاستنساخ عديم الفائدة، بل تضع حدودًا علمية واضحة لاستخدامه. فمن الممكن أن يساعد الاستنساخ في إكثار حيوانات المزرعة ذات الصفات الممتازة، أو حفظ الموارد الوراثية، أو دعم برامج حماية بعض الأنواع المهددة بالانقراض. لكنه لا ينبغي أن يعتمد على استنساخ نسخة من نسخة عبر أجيال كثيرة.

يمكن تقليل المخاطر بالاحتفاظ بخلايا مجمدة من الحيوان الأصلي، والعودة إليها عند الحاجة بدلًا من استعمال خلايا مأخوذة من أجيال مستنسخة متأخرة. كما يمكن فحص الجينوم قبل اختيار الخلايا المانحة، لاستبعاد الخلايا التي تحمل طفرات خطرة. ومع ذلك تبقى كفاءة التقنية منخفضة، وتظل مشكلات الأجنة غير المكتملة النمو، وتضخم المشيمة، ونفوق المواليد، ورفاهية الحيوانات أسبابًا تفرض الحذر والرقابة الأخلاقية.

أما استنساخ الإنسان، فلا تمنحه هذه الدراسة أي مبرر علمي؛ بل تضيف دليلًا جديدًا على مخاطره. فالنجاح الظاهري في ولادة كائن مستنسخ لا يعني بالضرورة سلامة جينومه، كما أن النتائج الممتدة عبر الأجيال قد لا تظهر فورًا.
لقد أراد الإنسان من الاستنساخ أن يصنع نسخة مطابقة، لكن الطبيعة أجابته بأن الحياة ليست آلة تصوير. فكل خلية تحمل تاريخها، وكل عملية نسخ تترك أثرًا، وكل جيل يحتاج إلى آليات للتنقية والتجديد. وبعد عشرين عامًا وثمانية وخمسين جيلًا، تذكرنا الفئران المستنسخة بأن التنوع الوراثي ليس عيبًا في نظام الحياة، بل إحدى أهم الوسائل التي تحفظ استمرارها.

المراجع:
1. . الدراسة الأصلية المنشورة في Nature Communications
2. Wakayama, S., Ito, D., Inoue, R. et al. Limitations of serial cloning in mammals. Nat Commun 17, 2495 (2026). https://doi.org/10.1038/s41467-026-69765-7
3. . تقرير Nature عن التجربة
4. Heidi Ledford. Can a mouse be cloned indefinitely? Decades-long experiment has answers. Nature 652, 14-15 (2026) doi: https://doi.org/10.1038/d41586-026-00945-7

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

التحليل الجينومي في زمن الميتافيرس

الهوية بين الواقع الحقيقي والعالم الافتراضي من سلسلة «خواطر وراثية» (الجينات والوعي الإنساني)، حلقة (50) …

اترك تعليقاً