الاقتصاد الأخضر يبدأ من مكتب المهندس (04 – 07)

كيف أصبحت الهندسة محركاً للنمو المستدام؟

شبكة بيئة ابوظبي، بقلم: المهندس عماد سعد، خبير الاستدامة والمسؤولية المجتمعية والتغير المناخي، 23 أغسطس 2026
شهد مفهوم التنمية الاقتصادية خلال العقود الماضية تحولاً جذرياً. فبعد أن كان النمو يقاس بزيادة الناتج المحلي الإجمالي والتوسع الصناعي والاستهلاك، أصبح يقاس أيضاً بقدرة الاقتصاد على تحقيق الازدهار مع الحفاظ على الموارد الطبيعية وخفض الانبعاثات وتعزيز العدالة الاجتماعية. ومن هنا برز مفهوم الاقتصاد الأخضر باعتباره نموذجاً تنموياً يوازن بين النمو الاقتصادي وحماية البيئة وتحسين جودة الحياة.
ورغم أن هذا المفهوم غالباً ما يُناقش من منظور السياسات الاقتصادية أو التشريعات البيئية، فإن الحقيقة أقل تداولاً هي أن الاقتصاد الأخضر يبدأ عملياً من القرار الهندسي. فقبل أن تتحول الاستدامة إلى سياسة حكومية أو استثمار مالي، تكون قد بدأت بالفعل على طاولة المهندس، عند اختيار المواد، وتصميم العمليات، وتحديد مصادر الطاقة، وإدارة المياه، وتقييم دورة حياة المنتج.
وبعبارة أخرى، فإن المهندس لا يشارك في الاقتصاد الأخضر فحسب، بل يسهم في تشكيل بنيته الأساسية.

من اقتصاد يعتمد على الموارد إلى اقتصاد يعتمد على الكفاءة
قامت النماذج الاقتصادية التقليدية على افتراض أن الموارد الطبيعية متوافرة إلى حد كبير، وأن زيادة الإنتاج والاستهلاك هي الطريق الرئيس للنمو. إلا أن هذا النموذج بدأ يواجه تحديات متزايدة نتيجة شح المياه، وارتفاع تكاليف الطاقة، وتغير المناخ، وتراجع التنوع البيولوجي، وتزايد الضغوط على سلاسل الإمداد العالمية.
في المقابل، يقوم الاقتصاد الأخضر على فلسفة مختلفة؛ فهو لا يركز على إنتاج المزيد باستخدام المزيد من الموارد، بل على تحقيق قيمة اقتصادية أكبر باستخدام موارد أقل. وهنا تظهر الهندسة بوصفها العلم الذي يحول هذا المفهوم إلى واقع.
فعندما يعيد المهندس تصميم خط إنتاج ليستهلك طاقة أقل، أو يطور نظاماً لإعادة استخدام المياه، أو يبتكر منتجاً أخف وزناً وأكثر كفاءة، فإنه لا يحسن الأداء الفني فحسب، بل يرفع الإنتاجية الاقتصادية ويخفض الكلفة التشغيلية ويقلل الأثر البيئي في آن واحد.
وهذا يوضح أن الكفاءة الهندسية أصبحت أحد أهم محركات التنافسية الاقتصادية.

الاقتصاد الدائري… إعادة تصميم دورة القيمة
من أبرز المفاهيم التي أعادت تشكيل التفكير الهندسي خلال العقد الأخير مفهوم الاقتصاد الدائري، الذي يقوم على الانتقال من نموذج “الاستخراج–الاستخدام–التخلص” إلى نموذج يعتمد على تقليل الهدر، وإطالة عمر المنتجات، وإعادة الاستخدام، وإعادة التصنيع، وإعادة التدوير.
غير أن تطبيق هذا النموذج لا يبدأ في مصانع إعادة التدوير، كما يعتقد كثيرون، بل يبدأ في مرحلة التصميم.
فالمنتج الذي صُمم منذ البداية ليكون قابلاً للفك، وسهل الصيانة، وقابلاً لإعادة التدوير، يحقق قيمة اقتصادية وبيئية أعلى بكثير من منتج لم تؤخذ هذه الاعتبارات في الحسبان عند تصميمه.
ومن هنا ظهر مفهوم التصميم من أجل الاستدامة، الذي يدعو إلى دمج مبادئ الاقتصاد الدائري في جميع مراحل تطوير المنتجات والمشروعات، بحيث يصبح الهدر استثناءً لا قاعدة.
وهذا التحول جعل المهندس شريكاً رئيسياً في بناء اقتصاد أكثر كفاءة وأقل اعتماداً على الموارد الأولية.

الهندسة والتمويل المستدام… علاقة جديدة
من التحولات اللافتة في الاقتصاد العالمي أن المستثمرين لم يعودوا ينظرون إلى المشروعات من زاوية العائد المالي وحده، بل أصبحوا يقيّمون أداءها البيئي والاجتماعي والحوكمي وفق معايير ESG.
وهذا يعني أن جودة التصميم الهندسي لم تعد تؤثر في كفاءة المشروع التشغيلية فقط، بل أصبحت تؤثر أيضاً في قدرته على جذب التمويل.
فالمبنى الذي يستهلك طاقة أقل، أو المصنع الذي يخفض انبعاثاته، أو المشروع الذي يستخدم المياه بكفاءة أعلى، يمتلك فرصاً أكبر للحصول على التمويل الأخضر، والسندات المستدامة، والقروض المرتبطة بالاستدامة.
ولذلك أصبح المهندس شريكاً في صناعة القرار الاستثماري، لأن تصميمه يؤثر في التصنيف البيئي للمشروع، وفي قدرته على استقطاب رؤوس الأموال التي أصبحت تبحث عن استثمارات منخفضة المخاطر وعالية الاستدامة.

أسواق الكربون… قيمة اقتصادية للقرار الهندسي
حتى وقت قريب، كان ينظر إلى الانبعاثات الكربونية باعتبارها تكلفة بيئية، أما اليوم فقد أصبحت عنصراً اقتصادياً يدخل في حسابات الاستثمار والتنافسية.
ففي ظل توسع أسواق الكربون وآليات تسعير الانبعاثات، أصبح لكل طن من ثاني أكسيد الكربون قيمة مالية يمكن أن تمثل تكلفة إضافية أو فرصة اقتصادية.
وهذا التطور يضع المهندس في موقع استراتيجي، لأن القرارات التي يتخذها في تصميم العمليات الصناعية أو المباني أو وسائل النقل تؤثر مباشرة في حجم الانبعاثات، وبالتالي في الكلفة الاقتصادية للمشروع.
ومن هنا، لم يعد تحسين الكفاءة البيئية مجرد التزام أخلاقي، بل أصبح قراراً اقتصادياً يعزز القدرة التنافسية للمؤسسات.

الهيدروجين الأخضر… نموذج للهندسة التي تصنع اقتصاد المستقبل
إذا كان النفط قد شكّل اقتصاد القرن العشرين، فإن الهيدروجين الأخضر يعد أحد المرشحين ليكون من أعمدة اقتصاد الطاقة في العقود المقبلة.
لكن إنتاج الهيدروجين الأخضر لا يعتمد على مورد طبيعي جديد، بل على منظومة هندسية متكاملة تشمل الطاقة المتجددة، والتحليل الكهربائي، وإدارة المياه، والتخزين، والنقل، وسلاسل الإمداد.
وهذا يوضح أن الاقتصاد الجديد لا يُبنى على اكتشاف الموارد فحسب، بل على القدرة الهندسية على تطوير التقنيات وإدارتها بكفاءة.
وينطبق الأمر نفسه على تقنيات التقاط الكربون، والبطاريات المتقدمة، والشبكات الذكية، وتحلية المياه منخفضة الانبعاثات، وكلها مجالات يقودها الابتكار الهندسي.

من خفض التكاليف إلى خلق القيمة
ظل الفكر الهندسي لعقود طويلة يركز على تقليل التكاليف وتحسين الكفاءة التشغيلية، وهو هدف لا يزال مهماً. لكن الاقتصاد الأخضر أضاف بعداً جديداً يتمثل في خلق القيمة المشتركة.
فالقرار الهندسي الناجح اليوم لا يحقق وفورات مالية للمؤسسة فقط، بل يمكن أن يخلق وظائف جديدة، ويخفض الانبعاثات، ويحسن صحة المجتمع، ويعزز الأمن المائي والغذائي، ويرفع القدرة التنافسية للاقتصاد الوطني.
وهذا يعني أن المهندس أصبح يشارك في صناعة القيمة الاقتصادية والاجتماعية والبيئية في الوقت نفسه، وهو ما يجعل أثره يتجاوز حدود المشروع ليصل إلى المجتمع بأكمله.

رؤية نقدية: هل ما زالت كليات الهندسة تخرّج مهندسي الاقتصاد الأخضر؟
رغم التحولات المتسارعة في الاقتصاد العالمي، ما زالت كثير من برامج التعليم الهندسي في العالم العربي تركز على المهارات التقنية التقليدية، بينما تخصص حيزاً محدوداً لموضوعات الاقتصاد الأخضر، والاقتصاد الدائري، وتحليل دورة الحياة، والتمويل المستدام، وإدارة الكربون، وقياس الأثر.
إن تخريج مهندس قادر على قيادة اقتصاد المستقبل يتطلب إعادة تصميم المناهج الجامعية بحيث تدمج المعرفة الهندسية بالاقتصاد والبيئة والإدارة والبيانات والذكاء الاصطناعي. فالمهندس الذي يفهم لغة المستثمرين وصناع السياسات إلى جانب إتقانه للتصميم سيكون أكثر قدرة على قيادة التحول الاقتصادي الذي يشهده العالم.

خلاصة مفيدة
لم يعد الاقتصاد الأخضر قطاعاً مستقلاً عن الهندسة، بل أصبحت الهندسة هي البنية التحتية الفكرية والتقنية لهذا الاقتصاد. فكل قرار يتعلق باختيار مادة، أو تصميم منتج، أو بناء مصنع، أو إنشاء مدينة، أو إدارة شبكة طاقة، يحمل في داخله أثراً اقتصادياً وبيئياً يمتد لعقود. ولهذا لم يعد المهندس مجرد منفذ لسياسات التنمية، بل أصبح أحد أبرز صناع الاقتصاد الجديد؛ اقتصاد يقوم على الكفاءة، والابتكار، والدائرية، وخفض الانبعاثات، وتعظيم القيمة طويلة الأجل.

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

القمح السوري من موسم حصاد استثنائي إلى رمز على العملة الوطنية

• قراءة في رسائل الأمن الغذائي والتنمية المستدامة في سورية الجديدة • رسالة تتجاوز الاقتصاد …

اترك تعليقاً