ضمن سلسلة «خواطر وراثية، تأملات في الجينات والحياة”، الحلقة رقم (01)
شبكة بيئة أبوظبي، بقلم الدكتور قاسم زكي (*)، جامعة المنيا، جمهورية مصر العربية 05 أكتوبر 2025
من بذرة البازلاء إلى سرّ الحياة
قبل أكثر من قرن ونصف، كان الراهب البسيط جريجور مندل يجلس في ديره بمدينة برنو التشيكية يراقب نباتات البازلاء. لم يكن يملك سوى دفتر ملاحظات وأدوات متواضعة، لكنه كان يضع الأسس لعلم جديد سيعيد صياغة فهم الإنسان للحياة. لقد لاحظ أن الصفات تنتقل من الآباء إلى الأبناء وفق أنماط يمكن التنبؤ بها، وأطلق عليها «عوامل وراثية». تلك العوامل تحوّلت لاحقًا إلى المصطلح الأشهر: الجينات.
من الغموض إلى الشفرة
ظلّت أفكار مندل حبيسة دفاتره لعقود، إلى أن جاء منتصف القرن العشرين، حين أُعلن اكتشاف البنية الحلزونية المزدوجة للحمض النووي DNA على يد واتسون وكريك عام 1953. عندها فقط أدرك العالم أن الجينات ليست فكرة مجرّدة، بل «نص مكتوب» بلغة كيميائية من أربعة حروف: A وT وC وG، وهي الأبجدية التي تُكتب بها قصيدة الحياة على اختلاف أشكالها.
الجين… ذاكرة الكون
كل خلية بشرية تحمل أكثر من 20 ألف جين، وهي ليست مجرد أوامر بيولوجية، بل سجلّ حيّ يحفظ قصة تطورنا منذ أقدم الكائنات الحية. إنها ذاكرة كونية عابرة للأجيال، تروي في صمتٍ مدهش كيف اجتاز الإنسان والأنواع الأخرى محطات البقاء والتكيّف.
بين القدر والاختيار
يطرح العلم والفلسفة سؤالًا أبديًا: هل نحن أسرى جيناتنا؟
اليوم نعلم أن الجينات لا تعمل وحدها، بل تتفاعل مع البيئة والغذاء والتجارب الحياتية. حتى الضغوط النفسية يمكن أن تترك بصمتها على الجينات فيما يعرف بـ الوراثة اللاجينية Epigenetics، حيث تُفتح بعض الجينات أو تُغلق حسب الظروف. بمعنى آخر: الجينات ترسم الخريطة، لكننا نحن من نحدد الطريق.
من المختبر إلى الحياة
خرجت الوراثة من جدران المختبر لتصبح جزءًا من حياتنا اليومية:
• في الطب: لفهم الأمراض الوراثية وتشخيصها وعلاجها.
• في الزراعة: لإنتاج محاصيل مقاومة للجفاف والملوحة والأمراض.
• في العدالة: عبر البصمة الوراثية التي تكشف الحقائق.
حتى في الأدب والفنون، باتت الوراثة مرآة فلسفية نتأمل فيها ذواتنا: من نحن؟ ولماذا جئنا بهذه الصفات دون غيرها؟
كلمة ختامية: حين يتكلم الجين
لو نطق الجين لقال: “أنا كلمة كتبها الخالق منذ ملايين السنين، أغيّر مظهري مع كل جيل، لكنني أبقى الجسر بين الماضي والمستقبل، وبين الطين والنور.”
هكذا، لا يكون «الجين» مجرد مصطلح علمي، بل رمزًا لرحلة الحياة ذاتها.
(*) دكتور قاسم زكي
أستاذ الوراثة المتفرغ بكلية الزراعة، جامعة المنيا؛ ورئيس اللجنة الوطنية للعلوم الوراثية بأكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، والرئيس الأسبق للجمعية الأفريقية لعلوم المحاصيل، عضو المجلس العالمي للنبات (GPC)؛ عضو اتحاد كتاب مصر، وعضو الرابطة العربية للإعلاميين العلميين.
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز