من أداة للتمويل المستدام إلى معيار لقياس الأثر البيئي للمشروعات
شبكة بيئة ابوظبي، بقلم د. م. شيماء الشرقاوي (*)، رئيس مجلس إدارة معهد فالكون للدراسات الاستراتيجية، جمهورية مصر العربية 25 أغسطس 2026
في ظل تصاعد التحديات المرتبطة بتغير المناخ، وتزايد الضغوط على الحكومات والشركات لتبني نماذج أكثر استدامة، برزت السندات الخضراء باعتبارها واحدة من أهم الأدوات المالية التي تربط بين التمويل والتنمية المستدامة.
ولا تقتصر أهمية هذه السندات على توفير الأموال للمشروعات البيئية، وإنما تمتد إلى توجيه رأس المال نحو مشروعات تسهم في خفض الانبعاثات، وتحسين كفاءة استخدام الموارد، وتعزيز القدرة على مواجهة التغيرات المناخية.
ويشير المقال إلى أن فكرة السندات الخضراء ظهرت لأول مرة عام 2007، عندما أصدرت مؤسسات مصرفية وتنموية، من بينها البنك الدولي، أولى السندات الخضراء، قبل أن تشهد هذه الأداة نمواً سريعاً وتصبح من القطاعات الأسرع نمواً في أسواق التمويل العالمية.
ما هي السندات الخضراء؟
السندات الخضراء هي أدوات دين تصدرها الحكومات أو الشركات أو المؤسسات المالية بهدف جمع رأس المال لتمويل مشروعات ذات أهداف بيئية ومستدامة. وتشمل هذه المشروعات مجالات متعددة، من بينها الطاقة المتجددة، وكفاءة استخدام الطاقة، وإدارة المياه والنفايات، والنقل المستدام، بما يسهم في الحد من التأثيرات البيئية السلبية ودعم التحول نحو اقتصاد منخفض الكربون.
وتختلف السندات الخضراء عن أدوات الدين التقليدية في أن الأموال التي يتم جمعها من خلالها تكون مرتبطة بمشروعات أو أنشطة ذات أهداف بيئية محددة، مع وجود متطلبات تتعلق بالشفافية والإفصاح عن كيفية استخدام العائدات.
لماذا تتزايد أهمية السندات الخضراء؟
تأتي أهمية السندات الخضراء من قدرتها على تحقيق مجموعة من الأهداف في الوقت نفسه.
فهي توفر التمويل للمشروعات التي تستهدف تقليل الانبعاثات الكربونية وتحسين كفاءة الموارد، كما تساعد على تحفيز التحول نحو الاقتصاد الأخضر، فضلاً عن تعزيز مستويات الشفافية والمساءلة من خلال التقارير المتعلقة باستخدام العائدات والأثر البيئي للمشروعات الممولة.
كما تمثل هذه السندات فرصة لجذب شريحة متزايدة من المستثمرين الذين يضعون الاعتبارات البيئية والاستدامة ضمن معايير اتخاذ القرار الاستثماري، إلى جانب إتاحة فرص أكبر لتنويع المحافظ الاستثمارية وتحسين الصورة البيئية والاجتماعية للمؤسسات المصدرة.
معايير تضمن توجيه الأموال إلى المشروعات الخضراء
ولضمان عدم استخدام عائدات السندات الخضراء في غير الأغراض المعلنة، تعتمد هذه الأدوات على أطر ومعايير محددة.
ومن أبرزها مبادئ السندات الخضراء (Green Bond Principles – GBP)، التي وضعتها جمعية أسواق رأس المال الدولية (ICMA)، والتي تحدد إطاراً عاماً لاستخدام العائدات، وآليات اختيار المشروعات، ومتطلبات إعداد التقارير.
كما يتعين على الجهة المصدرة وضع إطار عمل أخضر يوضح كيفية اختيار المشروعات المستفيدة من التمويل، وآليات تخصيص العائدات، وسبل تحقيق الشفافية والإفصاح.
مشروعات متعددة تحت مظلة التمويل الأخضر
تتنوع المشروعات التي يمكن تمويلها من خلال السندات الخضراء، لتشمل محطات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، ومشروعات تحسين كفاءة الطاقة في المباني والبنية التحتية، بالإضافة إلى مشروعات إدارة المياه والنفايات وتحسين جودة المياه.
كما يمكن أن يمتد التمويل إلى مشروعات النقل المستدام، مثل تطوير وسائل النقل العام الصديقة للبيئة، بما يعكس اتساع نطاق استخدام التمويل الأخضر في دعم التحول الاقتصادي والبيئي.
«Shades of Green»كيف نقيس مدى خضرة المشروع؟
من أبرز المفاهيم التي تناولتها المادة منهجية Shades of Green، وهي منهجية طُورت في مركز أبحاث المناخ الدولي في النرويج بهدف تقييم وتصنيف التأثير البيئي للسندات الخضراء وغيرها من الأدوات المالية.
وتستهدف المنهجية تقديم تقييم مستقل للمشروعات الممولة من خلال السندات الخضراء، بما يساعد على تحديد مدى مساهمتها في بناء مستقبل منخفض الكربون وأكثر قدرة على مواجهة تغير المناخ. وبحسب المادة، أصبحت هذه المنهجية مرتبطة حالياً بشركة S&P Global، ضمن خدمات الرأي المستقل التي تدعم زيادة الشفافية في سوق الديون المستدامة.
خمسة ألوان لتقييم المشروعات
تعتمد منهجية Shades of Green على تصنيف المشروعات وفق خمس درجات رئيسية تعكس مستوى تأثيرها البيئي ومدى توافقها مع التحول نحو اقتصاد منخفض الكربون.
الأخضر الداكن
يمثل أعلى مستويات التصنيف، ويشمل المشروعات والحلول التي تتوافق بصورة كبيرة مع الرؤية طويلة الأجل لمستقبل منخفض الكربون وقادر على مواجهة التغيرات المناخية.
ومن أمثلتها، وفق المادة، مشروعات محطات الطاقة الشمسية.
الأخضر المتوسط
يشمل المشروعات التي تمثل خطوات كبيرة نحو تحقيق الرؤية طويلة الأجل، لكنها لا تحقق التحول بصورة شاملة.
ومن الأمثلة التي تناولتها المادة المباني ذات الكفاءة العالية في استخدام الطاقة.
الأخضر الفاتح
يرتبط بالأنشطة الانتقالية التي لا توقف الانبعاثات بصورة كاملة، لكنها تعمل على خفضها أو تحقق فوائد بيئية أخرى على المدى القصير. ومن أمثلتها المشروعات التي تعتمد على حلول الطاقة الهجينة.
الأصفر
يشمل المشروعات والحلول التي لا تقدم مساهمة واضحة في الانتقال نحو مستقبل منخفض الكربون أو في مكافحة تغير المناخ، كما يضم أنشطة قد تكون صعبة التقييم من الناحية المعلوماتية وفق المنهجية، مثل بعض الخدمات المقدمة للمواطنين.
الأحمر
يمثل المشروعات والحلول التي لا تؤدي دوراً واضحاً في تحقيق مستقبل صديق للبيئة أو منخفض الكربون، ويرتبط بأصول ذات مستويات أعلى من الانبعاثات ومخاطر أكبر من حيث مساهمتها في ظاهرة الاحتباس الحراري، ومن الأمثلة الواردة في المادة استكشافات النفط.
لماذا يحتاج المستثمر إلى هذا التصنيف؟
تكمن أهمية منهجية Shades of Green في أنها تمنح المستثمر صورة أكثر وضوحاً حول الأثر البيئي للاستثمار، بدلاً من الاكتفاء بوصف المشروع بأنه «أخضر».
فالتصنيف يساعد على التمييز بين المشروعات التي تحقق تحولاً عميقاً وطويل الأجل، وتلك التي تمثل حلولاً انتقالية أو تحقق فوائد بيئية محدودة. وبذلك يصبح المستثمر أكثر قدرة على اتخاذ قرارات تتوافق مع أهدافه المتعلقة بالاستدامة والمناخ، وهو ما يعزز الشفافية في سوق التمويل المستدام.
لا يكفي الأثر البيئي وحده
ولا يتوقف تقييم المشروعات المستدامة عند البعد البيئي فقط؛ إذ تشير المادة إلى أهمية تقييم الأثر الاجتماعي والبيئي والاقتصادي للمشروعات.
فالمشروع المستدام بصورة حقيقية يحتاج إلى النظر إلى مجموعة أوسع من الآثار والنتائج، وليس فقط إلى حجم خفض الانبعاثات أو مقدار الوفر في الطاقة. وهنا تظهر أهمية أدوات تقييم الأثر الاجتماعي، وتقييم الأثر البيئي، وتقييم الأثر الاقتصادي، باعتبارها عناصر تساعد في تكوين رؤية أكثر شمولاً حول القيمة التي يحققها المشروع للمجتمع والاقتصاد والبيئة.
تحديات ما زالت تواجه سوق السندات الخضراء
رغم النمو المتزايد في سوق السندات الخضراء، فإن هذه السوق تواجه عدداً من التحديات، يأتي في مقدمتها التأكد من المصداقية، والتأكد من أن العائدات يتم توجيهها بالفعل إلى المشروعات الخضراء المعلنة، وليس إلى أغراض أخرى.
كما يمثل قياس الأثر البيئي الفعلي للمشروعات تحدياً مهماً، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمشروعات كبيرة ومتعددة الأبعاد يصعب قياس نتائجها بصورة مباشرة.
فرص واعدة أمام التمويل الأخضر
في المقابل، تفتح السندات الخضراء الباب أمام فرص واسعة للنمو، خاصة مع تزايد الوعي بقضايا المناخ والاستدامة.
ومن أبرز هذه الفرص النمو المتوقع لسوق التمويل الأخضر، وتشجيع الابتكار في المنتجات المالية المستدامة، وتعزيز التعاون الدولي بين الحكومات والمؤسسات المالية والشركات من أجل تحقيق أهداف التنمية المستدامة.
التمويل الأخضر.. عندما يصبح رأس المال جزءاً من الحل
لم تعد الاستدامة قضية بيئية منفصلة عن الاقتصاد والتمويل، بل أصبحت العلاقة بين المال والبيئة واحدة من أهم ملامح التحول الاقتصادي العالمي.
وفي هذا السياق، تمثل السندات الخضراء نموذجاً لمحاولة توجيه رأس المال نحو مشروعات تحقق قيمة اقتصادية وفي الوقت نفسه تستجيب للتحديات البيئية والمناخية.
لكن نجاح هذه الأدوات لا يعتمد فقط على حجم الأموال التي يتم جمعها، وإنما على جودة المشروعات، وشفافية استخدام العائدات، ووضوح قياس الأثر، وقدرة المستثمر على معرفة القيمة البيئية والاجتماعية والاقتصادية الحقيقية لما يمولُه.
ومن هنا تبرز أهمية منهجيات مثل Shades of Green، التي تساعد على الانتقال من مجرد تسمية الاستثمار بأنه «أخضر» إلى تقييم أكثر دقة لمستوى مساهمته الفعلية في بناء مستقبل منخفض الكربون وأكثر استدامة.
(*) د. م. شيماء الشرقاوي
مهندس مدني – دكتوراة ادارة المشروعات الهندسية (فلسفة الانشاءات)، رئيس مجلس إدارة معهد فالكون للدراسات الإستراتيجية
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز