الغابة الطبيعية في مواجهة الحر

لماذا تصمد الغابات الطبيعية أمام الجفاف وموجات الحر أكثر من الغابات المزروعة؟
سلسلة “خواطر زراعية” الحلقة رقم (38)

شبكة بيئة أبوظبي، بقلم: د. قاسم زكي، أستاذ الوراثة المتفرغ بكلية الزراعة، جامعة المنيا، جمهورية مصر العربية، 01 سبتمبر 2026
حين ننظر إلى مساحة واسعة مكسوة بالأشجار، قد نتصور أن كل الغابات تؤدي الوظيفة نفسها، وأن زيادة عدد الأشجار تكفي لمواجهة تغير المناخ وحماية التربة والمياه. غير أن الغابة ليست مجرد مجموعة من الجذوع والأوراق، كما أن غرس مليون شجرة من نوع واحد لا يصنع بالضرورة نظامًا بيئيًا يماثل غابة طبيعية تشكلت عبر عقود أو قرون. وقد كشفت دراسة حديثة (يوليو 2026م) أن الغابات الطبيعية تتحمل موجات الحر والجفاف المركبة بصورة أفضل من الغابات التي أنشأها الإنسان، وإن كانت الأخيرة قد تتعافى بسرعة أكبر بعد انتهاء الأزمة.

اختبار قاسٍ في حوض اليانغتسي
قدمت موجة الجفاف والحرارة غير المسبوقة التي اجتاحت حوض نهر اليانغتسي في الصين عام 2022 فرصة نادرة لدراسة استجابة أنواع مختلفة من الغابات للظروف المناخية المتطرفة. فقد ارتفعت درجات الحرارة إلى مستويات قياسية، بينما تراجعت الأمطار ورطوبة التربة، وتعرض أكثر من 90% من المنطقة لظروف حارة وجافة على نحو غير معتاد.

ولا تقتصر أهمية غابات اليانغتسي على إنتاج الأخشاب أو تحسين المشهد الطبيعي؛ فهي تساعد في حماية التربة من الانجراف، وتنظيم جريان المياه، والحد من أخطار الفيضانات، وتخزين الكربون، وحفظ التنوع الحيوي. وبعد موجات واسعة من إزالة الغابات والفيضانات المدمرة التي شهدها الحوض، ولا سيما فيضان عام 1998، أطلقت الصين برامج ضخمة للتشجير واستعادة الغطاء النباتي.
لكن السؤال الذي فرضه تغير المناخ كان: هل تستطيع الغابات المزروعة حديثًا الصمود أمام اجتماع الجفاف الشديد والحرارة القياسية؟

مقاومتان مختلفتان
استخدم الباحثون صور الأقمار الاصطناعية وبيانات المناخ لمقارنة أداء الغابات الطبيعية بالغابات المزروعة. وقاسوا ثلاثة مؤشرات متكاملة: اخضرار الغطاء النباتي، والنشاط المرتبط بالتمثيل الضوئي، والإنتاجية الأولية الإجمالية، أي مقدار الكربون الذي تثبته النباتات وتحوله إلى مادة حية.

وأظهرت النتائج وجود مفاضلة واضحة بين خاصيتين من خصائص المرونة البيئية: المقاومة، وهي قدرة الغابة على الحد من الضرر في أثناء الحدث المناخي؛ والتعافي، وهو قدرتها على استعادة نشاطها بعد انتهائه.

خلال موجة عام 2022، تراجعت مؤشرات الغابات المزروعة بدرجة أكبر، بينما استطاعت الغابات الطبيعية المحافظة على قدر أكبر من اخضرارها ونشاطها وإنتاجيتها. وفي أكثر من 70% من الوحدات المكانية التي دُرست، أظهرت الغابات الطبيعية انخفاضًا أضعف في الاخضرار والإنتاجية من الغابات المزروعة. ولكن عند متابعة الوضع في عام 2023، تبين أن الغابات المزروعة كانت أسرع في استعادة نشاطها تحت الظروف المناخية المحسنة. وهذه النتيجة لا تعني تفوق نوع واحد في كل شيء، بل تكشف أن الصمود أثناء الأزمة يختلف عن سرعة النهوض بعدها.

التنوع ليس زينة
يكمن أحد أهم أسرار مقاومة الغابات الطبيعية في تنوعها. فهي تضم عادة أنواعًا شجرية متعددة، وأشجارًا مختلفة الأعمار والأحجام، وطبقات متدرجة من التيجان، فضلًا عن الشجيرات والأعشاب والكائنات الدقيقة والفطريات المرتبطة بالجذور. ولا تستجيب هذه المكونات كلها للجفاف والحرارة بالطريقة نفسها أو في الوقت نفسه.

قد يمتلك أحد الأنواع جذورًا عميقة تصل إلى الماء في طبقات التربة السفلى، بينما يستطيع نوع آخر تقليل فقد الماء بإغلاق الثغور أو إسقاط جزء من أوراقه. وقد تتحمل أشجار الظل الحرارة بفضل الحماية التي توفرها الطبقات الأعلى. وهكذا يؤدي اختلاف الصفات والوظائف إلى توزيع المخاطر؛ فإذا ضعف أحد المكونات، واصلت مكونات أخرى أداء بعض وظائف الغابة.
كذلك تصنع التيجان المتعددة الطبقات مناخًا محليًا أكثر اعتدالًا، فتحد من وصول الإشعاع المباشر إلى سطح التربة، وتقلل ارتفاع حرارتها وسرعة تبخر الماء منها. كما تسهم المادة العضوية المتراكمة والجذور المتنوعة والكائنات الحية في تحسين بناء التربة وقدرتها على الاحتفاظ بالماء.

أما الغابات المزروعة، فتتكون في كثير من الأحيان من نوع واحد أو عدد محدود من الأنواع، وتكون أشجارها متقاربة في العمر والارتفاع والصفات الوراثية. وتفيد هذه الصورة الموحدة في سهولة الإدارة والحصاد، لكنها قد تصبح نقطة ضعف؛ لأن الأشجار تتأثر بالإجهاد بصورة متشابهة، وقد تتنافس جذورها على الماء الموجود في الطبقة نفسها من التربة. وعندما تأتي موجة شديدة، يمكن أن يتراجع النشاط في مساحة واسعة في وقت واحد.

لماذا تتعافى الغابات المزروعة أسرع؟
قد يبدو غريبًا أن تكون الغابات المزروعة أكثر تضررًا أثناء موجة الحر، ثم أسرع تعافيًا بعدها. ويرتبط ذلك غالبًا بسيادة الأشجار الصغيرة سريعة النمو فيها. فعندما تعود الأمطار وتتحسن رطوبة التربة، تستطيع هذه الأشجار استئناف النمو وتكوين الأوراق بسرعة.

في المقابل، تحتوي الغابات الطبيعية على أشجار أكبر سنًا وكتلة حيوية أعلى وبناء أكثر تعقيدًا. وقد تمنحها هذه الصفات قدرة أكبر على تحمل الأزمة، لكنها تجعل استعادة كل وظائفها أكثر بطئًا. فتعافي اخضرار الأوراق الذي ترصده الأقمار الاصطناعية لا يعني بالضرورة أن امتصاص الكربون والجذور وعلاقات النبات بالتربة قد عادت تمامًا إلى حالتها السابقة.
وهنا تظهر ظاهرة تسمى «إرث الجفاف»، إذ قد تبقى آثار الإجهاد داخل الأوعية الناقلة والجذور والتربة ومخزون الكربون عدة أشهر أو سنوات. ومن ثم يجب ألا نقيس التعافي بلون الغطاء النباتي وحده.

التشجير لا يعوض الغابة الطبيعية
لا تقلل الدراسة من قيمة التشجير؛ فالغابات المزروعة تؤدي أدوارًا مهمة في استعادة الأراضي المتدهورة، وتثبيت التربة، وحماية أحواض المياه، وإنتاج الأخشاب وتخفيف الضغط عن الغابات الطبيعية. لكنها تحذر من الاعتقاد بأن زراعة الأشجار تبرر إزالة غابة طبيعية قديمة، أو أنها تعوضها بيئيًا بصورة كاملة.

فالدرس الأهم هو ضرورة الانتقال من مفهوم «عدد الأشجار» إلى مفهوم «جودة النظام البيئي». وينبغي أن تعتمد برامج التشجير على خلط أنواع محلية متعددة، وتنويع الأعمار والكثافات، وتجنب المساحات الشاسعة المتجانسة، والمحافظة على الغطاء الأرضي والتربة والكائنات المرتبطة بها. ويمكن بذلك الجمع بين بعض مقاومة الغابات الطبيعية وسرعة نمو الغابات المزروعة وتعافيها.

ومع توقع ازدياد موجات الجفاف والحرارة المتزامنة، تصبح حماية الغابات الطبيعية القائمة أولوية لا بديل عنها، بينما ينبغي تصميم الغابات الجديدة لتقترب في تنوعها وبنائها من منطق الطبيعة. فالطبيعة لا تضع أشجارها في صفوف متطابقة، بل تبني شبكة من الاختلاف والتكامل. وفي زمن المناخ المتطرف، يبدو أن هذا التنوع ليس ترفًا بيئيًا، وإنما وثيقة تأمين تكتبها الغابة لنفسها.

المرجع العلمي:
دراسة Su وزملائه، المنشورة في يوليو 2026 بدورية Water Resources Research: :
Su, Y., Wang, W., Zhao, W., Wu, Z., Luo, L., Li, J., et al. (2026). Higher vulnerability but faster recovery in planted than natural forests during the 2022 compound drought–heatwave in China’s Yangtze River Basin. Water Resources Research, 62, e2026WR044482. https://doi.org/10.1029/2026WR044482

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

الزراعة والعدالة بين الأجيال

من سلسلة “خواطر زراعية” الحلقة رقم (37) شبكة بيئة ابوظبي، بقلم: د. قاسم زكي، جامعة …

اترك تعليقاً