أكثر دول العالم زراعة للمحاصيل المعدلة وراثياً

ضمن سلسلة مقالات ثقافية علمية عن البيوتكنولوجيا الزراعية (11)

شبكة بيئة أبوظبي، بقلم الدكتور قاسم زكي (*)، جامعة المنيا، جمهورية مصر العربية، 31 أغسطس 2025م
شهد العالم منذ منتصف التسعينيات ثورة في الزراعة مع إدخال المحاصيل المعدلة وراثيًا (GM crops)، التي تم تطويرها باستخدام تقنيات الهندسة الوراثية بهدف تحسين صفات النباتات، مثل مقاومة الآفات، وزيادة الإنتاجية، وتحمل الجفاف أو الملوحة. ورغم الجدل الدائر حول آثار هذه المحاصيل على الصحة والبيئة، فقد توسعت مساحاتها المزروعة عامًا بعد عام، حتى أصبحت جزءًا رئيسيًا من الاقتصاد الزراعي في العديد من الدول.

الولايات المتحدة الأمريكية: الرائد العالمي
تتصدر الولايات المتحدة قائمة الدول الأكثر زراعة للمحاصيل المعدلة وراثيًا منذ انطلاق هذه التكنولوجيا. وفق بيانات المجلس الدولي للمعلومات حول التكنولوجيا الزراعية (ISAAA)، تزرع الولايات المتحدة سنويًا ما يزيد عن 70 مليون هكتار من المحاصيل المعدلة، أي ما يقارب ثلث المساحة العالمية لهذه المحاصيل.

أهم المحاصيل المعدلة في الولايات المتحدة تشمل:
• الذرة المقاومة للحشرات أو المتحملة لمبيدات الأعشاب.
• فول الصويا المعدل لتحسين الجودة الغذائية وتحمل مبيدات الأعشاب.
• القطن المقاوم للآفات.
السبب وراء هذا الانتشار هو اعتماد المزارعين على التكنولوجيا لزيادة الغلة وتقليل تكاليف المكافحة الكيميائية، إضافة إلى الدعم الكبير من الشركات الزراعية العملاقة.

البرازيل: القفزة السريعة نحو الصدارة
احتلت البرازيل المرتبة الثانية عالميًا، إذ زادت مساحتها المزروعة بالمحاصيل المعدلة وراثيًا إلى أكثر من 50 مليون هكتار، مستفيدة من الأراضي الزراعية الشاسعة والطلب القوي على فول الصويا في الأسواق العالمية، خاصة من الصين.
أهم المحاصيل المعدلة في البرازيل:
• فول الصويا المقاوم لمبيدات الأعشاب.
• الذرة المقاومة للآفات.
• القطن المعدل وراثيًا.
وقد سمح تبني التكنولوجيا للمزارعين البرازيليين بزراعة محاصيل متعددة في نفس العام (الزراعة المزدوجة)، ما رفع إنتاجية الهكتار الواحد وخفض خسائر الآفات.

الأرجنتين: نموذج الاقتصاد الزراعي المعدل
في الأرجنتين، التي تحتل المرتبة الثالثة عالميًا، تُزرع أكثر من 24 مليون هكتار من المحاصيل المعدلة، معظمها فول الصويا، وهو العمود الفقري لصادرات البلاد الزراعية. تبني التكنولوجيا منذ التسعينيات ساعد الأرجنتين على خفض تكاليف الإنتاج وزيادة صادراتها الزراعية، لكنها أثارت أيضًا جدلاً بيئيًا بسبب الاعتماد الواسع على مبيدات الأعشاب.

الهند: تجربة تركز على القطن
رغم أن الهند تسمح بزراعة محصول معدل وراثيًا واحد فقط على المستوى التجاري — وهو القطن Bt المقاوم لدودة اللوز — فإنها تحتل المرتبة الرابعة عالميًا، إذ تزرع أكثر من 11 مليون هكتار منه. وقد ساعد هذا المحصول على زيادة غلة القطن وتقليل استخدام المبيدات الحشرية، لكن النقاش حول آثاره الاجتماعية والاقتصادية ما زال قائمًا، خاصة فيما يتعلق بديون المزارعين وحقوق البذور.

كندا: فول الصويا والكانولا في الصدارة
تعد كندا من أوائل الدول التي اعتمدت المحاصيل المعدلة وراثيًا، وتزرع حاليًا نحو 12 مليون هكتار، معظمها من الكانولا المعدلة لتحمل مبيدات الأعشاب، إضافة إلى الذرة وفول الصويا. الكانولا المعدلة الكندية تُصدَّر بكميات ضخمة إلى الأسواق الآسيوية، ما يجعلها جزءًا مهمًا من الاقتصاد الوطني.

الصين: بين الحذر والتوسع
في الصين، تُزرع نحو 3 ملايين هكتار من المحاصيل المعدلة، معظمها قطن Bt، إضافة إلى تجارب ميدانية على الأرز والذرة. ورغم أن الصين متقدمة في الأبحاث، فإنها تتبنى سياسة حذرة في التوسع التجاري، إذ توازن بين الأمن الغذائي والمخاوف المجتمعية بشأن السلامة البيئية والصحية.

دول أخرى على الخريطة
تشمل قائمة الدول المزروعة بالمحاصيل المعدلة وراثيًا أيضًا:
• باراغواي: فول الصويا المعدل.
• باكستان: القطن Bt.
• جنوب أفريقيا: الذرة والقطن وفول الصويا المعدلة.
• أستراليا: القطن والكانولا.

العوامل المؤثرة في انتشار الزراعة المعدلة
انتشار المحاصيل المعدلة وراثيًا يعتمد على عدة عوامل:
1. الإطار القانوني: دول مثل الاتحاد الأوروبي تفرض قيودًا صارمة، مما يحد من انتشار هذه المحاصيل.
2. المردود الاقتصادي: في الدول المصدرة للمحاصيل مثل البرازيل والأرجنتين، كان العائد الاقتصادي محفزًا قويًا للتوسع.
3. القبول المجتمعي: في بعض الدول، مثل اليابان وكوريا الجنوبية، يبقى الرفض الشعبي عائقًا أمام الزراعة المعدلة رغم اعتماد الاستيراد.

خاتمة
تشير الأرقام إلى أن زراعة المحاصيل المعدلة وراثيًا تتركز في عدد محدود من الدول، بقيادة الولايات المتحدة والبرازيل والأرجنتين، التي تشكل معًا أكثر من 75% من المساحة العالمية المزروعة بهذه المحاصيل. وبينما توفر هذه التكنولوجيا فوائد واضحة في زيادة الإنتاج وخفض تكاليف الزراعة، فإن المخاوف البيئية والاجتماعية تفرض ضرورة وضع ضوابط واضحة، وتطوير استراتيجيات تضمن التوازن بين الابتكار والحفاظ على البيئة والتنوع البيولوجي.

فالسؤال لم يعد “أين تُزرع هذه المحاصيل؟” بل “كيف نزرعها دون أن ندفع ثمنًا بيئيًا واجتماعيًا باهظًا؟”.

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

البذرة التي تريد أن تعود إلى أصلها

نقاش رمزي حول البذور المحلية والتراثية مقابل الأصناف التجارية والهجين سلسلة “خواطر زراعية”، تأملات في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *