المحاصيل المعدلة وراثيًا الأكثر انتشارًا تجاريًا حول العالم

ضمن سلسلة مقالات ثقافية علمية عن (البيوتكنولوجيا الزراعية)؛ حلقة رقم (15)

شبكة بيئة أبوظبي، بقلم الدكتور قاسم زكي (*)، جامعة المنيا، جمهورية مصر العربية، 28 سبتمبر 2025م
منذ إدخال تقنيات الهندسة الوراثية في الزراعة في أوائل التسعينيات، أصبحت المحاصيل المعدلة وراثيًا (GM crops) جزءًا أساسيًا من الإنتاج الزراعي في العديد من دول العالم. هذه المحاصيل طُوِّرت بهدف تحسين صفات معينة، مثل مقاومة الآفات، وتحمل المبيدات، وزيادة الإنتاجية، وتحسين الجودة الغذائية. ومع توسع المساحات المزروعة بها، أصبح عدد قليل من المحاصيل يهيمن على المشهد العالمي، حيث تشكل نسبة كبيرة من إجمالي المحاصيل المعدلة المزروعة تجاريًا.

1. فول الصويا (Soybean)
يُعد فول الصويا أكثر المحاصيل المعدلة وراثيًا زراعة على مستوى العالم، إذ يمثل نحو 50% من المساحة العالمية المزروعة بالمحاصيل المعدلة.
الانتشار: يُزرع بشكل واسع في الولايات المتحدة، البرازيل، الأرجنتين، باراغواي، وكندا.
التعديلات الشائعة: تحمل مبيدات الأعشاب (مثل الجليفوسات)، وتحسين جودة الزيت والبروتين.
الأهمية: يدخل فول الصويا المعدل في إنتاج الأعلاف الحيوانية، وزيوت الطعام، وصناعات غذائية وصحية عديدة.
اعتماد المزارعين على فول الصويا المعدل جاء نتيجة لسهولة إدارته في الحقول، وانخفاض تكاليف المكافحة الحشائشية، وزيادة إنتاجيته مقارنة بالأصناف التقليدية.

2. الذرة (Maize/Corn)
تحتل الذرة المرتبة الثانية عالميًا من حيث المساحة المزروعة بالمحاصيل المعدلة وراثيًا.
الانتشار: تُزرع بكثافة في الولايات المتحدة، البرازيل، الأرجنتين، جنوب أفريقيا، والفلبين.
التعديلات الشائعة: مقاومة الحشرات (خاصة دودة الحشد الأوروبية)، وتحمل مبيدات الأعشاب، وتحسين جودة الحبوب.
الاستخدامات: الغذاء البشري، الأعلاف الحيوانية، وصناعة الإيثانول.
التعديلات الوراثية ساعدت الذرة المعدلة على تقليل خسائر الآفات، وزيادة الاستقرار الإنتاجي حتى في ظروف مناخية صعبة.

3. القطن (Cotton)
يأتي القطن Bt في المرتبة الثالثة، وهو محصول معدل وراثيًا لمقاومة ديدان اللوز والآفات الحشرية الرئيسية.
الانتشار: يزرع في الهند، الولايات المتحدة، الصين، باكستان، البرازيل، وأستراليا.
التعديلات الشائعة: إنتاج بروتينات سامة للآفات (مستمدة من بكتيريا Bacillus thuringiensis)، وتحمل مبيدات الأعشاب.
الأهمية: تحسين جودة الألياف وزيادة الغلة، مع تقليل استخدام المبيدات الحشرية بنسبة تصل إلى 50% في بعض الدول.
بالإضافة إلى ألياف النسيج، يستخدم القطن المعدل في إنتاج زيت بذرة القطن للأغذية والزيوت الصناعية.

4. الكانولا (Canola/Rapeseed)
الكانولا المعدلة وراثيًا، وهي أحد أصناف بذور اللفت الزيتية، تحتل موقعًا مهمًا في الأسواق الزراعية.
الانتشار: تُزرع بكثافة في كندا (أكبر منتج عالمي)، أستراليا، والولايات المتحدة.
التعديلات الشائعة: تحمل مبيدات الأعشاب، وتحسين جودة الزيت (زيادة محتوى الأحماض الدهنية المفيدة).
الاستخدامات: إنتاج زيت الطهي عالي الجودة، والأعلاف الحيوانية، وبعض الاستخدامات الصناعية.
ميزة الكانولا المعدلة أنها تقلل من الحاجة إلى حراثة التربة لمكافحة الحشائش، ما يحافظ على رطوبة التربة ويقلل من تآكلها.

5. البرسيم (Alfalfa)
رغم أن مساحته أقل من المحاصيل الأربعة السابقة، إلا أن البرسيم المعدل وراثيًا أصبح مهمًا خصوصًا في أمريكا الشمالية.
الانتشار: الولايات المتحدة وكندا.
التعديلات الشائعة: تحمل مبيدات الأعشاب، مما يسهل إدارة الحشائش في المراعي والمزارع.
الاستخدامات: علف أساسي للماشية والأغنام والخيول.

6. محاصيل أخرى
هناك محاصيل معدلة وراثيًا تُزرع على نطاق أصغر، لكنها تحمل أهمية خاصة في بعض الدول:
• البابايا في هاواي (مقاومة فيروس بقع البابايا).
• البطاطس في الولايات المتحدة وكندا (تحسين مقاومة الكدمات وتقليل إنتاج مادة الأكريلاميد عند القلي).
• الباذنجان Bt في بنغلاديش والفلبين (مقاومة حفار ساق الباذنجان).
• الشمندر السكري في الولايات المتحدة وكندا (تحمل مبيدات الأعشاب).

عوامل هيمنة هذه المحاصيل
هيمنة فول الصويا والذرة والقطن والكانولا على المشهد العالمي للمحاصيل المعدلة تعود لعدة أسباب:
1. الأهمية الاقتصادية: هذه المحاصيل تمثل جزءًا كبيرًا من التجارة الزراعية العالمية.
2. قابلية التعديل: تمتاز بخصائص بيولوجية تجعلها أكثر ملاءمة لتقنيات الهندسة الوراثية.
3. الطلب العالمي: تُستخدم في الأغذية، الأعلاف، والصناعات، ما يضمن سوقًا واسعة.
4. الدعم المؤسسي: تمويل واسع من الشركات الزراعية الكبرى، وبنية تحتية متطورة للأبحاث والإنتاج.

خاتمة
اليوم، يتركز إنتاج المحاصيل المعدلة وراثيًا على عدد محدود من الأنواع، بقيادة فول الصويا، والذرة، والقطن، والكانولا، التي تمثل أكثر من 99% من المساحة العالمية المزروعة بالمحاصيل المعدلة. هذا التركيز يعكس نجاح هذه المحاصيل في تحقيق أهداف المزارعين والشركات، لكنه في الوقت نفسه يثير مخاوف بشأن تراجع التنوع الزراعي واعتماد النظم الزراعية على أصناف محدودة.
المستقبل قد يشهد دخول محاصيل غذائية أساسية أخرى، مثل القمح والأرز، إلى دائرة الزراعة المعدلة تجاريًا، إذا تجاوزت الحواجز التنظيمية وحصلت على قبول المستهلكين، مما قد يغير خريطة الإنتاج الزراعي العالمي بشكل جذري.

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

البذرة التي تريد أن تعود إلى أصلها

نقاش رمزي حول البذور المحلية والتراثية مقابل الأصناف التجارية والهجين سلسلة “خواطر زراعية”، تأملات في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *