سلسلة مقالات ثقافية علمية عن البيوتكنولوجيا الزراعية (3)
شبكة بيئة ابوظبي، بقلم الدكتور قاسم زكي (*)، جامعة المنيا، جمهورية مصر العربية، 17 يوليو 2025
في عالم تتسارع فيه التغيرات المناخية، وتتضاعف فيه أعداد البشر، وتتناقص فيه الموارد الزراعية والمائية، تبرز الحاجة الملحة إلى حلول علمية مبتكرة تضمن إنتاجًا زراعيًا مستدامًا وآمنًا. لقد أصبح من الواضح أن الوسائل التقليدية لم تعد كافية لمواكبة هذا التسارع، وبرزت الهندسة الوراثية كأحد أعمدة “الثورة البيولوجية” التي يمكن أن تغيّر وجه الزراعة المعاصرة.
من الثورة الخضراء إلى الثورة الجزيئية:
شهدت الزراعة خلال القرن العشرين ما عُرف بـ”الثورة الخضراء”، التي اعتمدت على استخدام التقاوي المحسنة، والأسمدة الكيماوية، والمبيدات، والري الحديث. ورغم ما حققته من طفرة في الإنتاج، إلا أنها خلفت العديد من الآثار الجانبية، مثل استنزاف التربة وتلوث البيئة. واليوم، ومع التقدم في علم الوراثة الجزيئية، نشهد بزوغ “ثورة بيولوجية” تعتمد على تقنيات أكثر دقة وكفاءة، وعلى رأسها الهندسة الوراثية.
ما هي الهندسة الوراثية؟
الهندسة الوراثية هي تقنية تقوم على إدخال جينات معينة إلى الحمض النووي للنباتات بهدف تحسين خصائصها الوراثية. وتتميز هذه الطريقة بقدرتها على تعديل تركيب النبات الجيني بدقة متناهية، وذلك من خلال نقل جين واحد أو عدة جينات مسؤولة عن صفات محددة، مثل مقاومة الآفات، أو تحمل الجفاف، أو زيادة القيمة الغذائية.
بعكس الطرق التقليدية كالتهجين، فإن الهندسة الوراثية تتيح نقل صفات مرغوبة دون إدخال جينات غير مرغوب فيها، مما يجعل عملية التطوير أكثر أمانًا وسرعة. وتشمل خطواتها: تحديد الجين المستهدف، ثم عزله، وإدخاله في النبات باستخدام نواقل (مثل البكتيريا) أو تقنيات حديثة كالمسدس الجيني.
تطبيقات واعدة وفوائد ملموسة:
للهندسة الوراثية تطبيقات واسعة النطاق، أثبتت فعاليتها في كثير من المحاصيل الاقتصادية:
• مقاومة الآفات: الذرة المعدلة وراثيًا (Bt) تحتوي على جين مأخوذ من بكتيريا Bacillus thuringiensis، يسمح لها بإنتاج بروتين سام ليرقات الحشرات، مما يقلل من الحاجة إلى المبيدات.
• تحمل الجفاف والإجهاد: تُعدّ من السمات الحيوية في ظل شح المياه، إذ تسمح بزراعة محاصيل في بيئات قاحلة كانت غير صالحة للزراعة.
• تحسين القيمة الغذائية: مثال ذلك “الأرز الذهبي” الغني بفيتامين (أ)، الذي يسهم في مكافحة نقص الفيتامينات لدى الأطفال في الدول النامية.
• تحمل مبيدات الأعشاب: مثل فول الصويا المقاوم لبعض مبيدات الحشائش، مما يسهل مكافحة الأعشاب الضارة ويزيد من كفاءة الزراعة.
• تحسين صلاحية النقل والتخزين: كما في بعض أنواع الطماطم المعدلة لتتحمل النقل لمسافات طويلة دون أن تتلف.
تحديات ومخاوف مشروعة:
ورغم هذه الإنجازات، تثار حول الهندسة الوراثية تساؤلات ومخاوف بيئية واقتصادية وأخلاقية، لا يمكن تجاهلها:
• المخاوف البيئية: مثل احتمال انتقال الجينات المعدلة إلى النباتات البرية، أو تأثيراتها على الكائنات غير المستهدفة في البيئة.
• الجدل الأخلاقي: يرى البعض أن التلاعب في الجينات تدخل غير طبيعي في قوانين الطبيعة.
• القلق الصحي: رغم مئات الدراسات التي أكدت سلامة الأغذية المعدلة وراثيًا، لا يزال بعض المستهلكين مترددين في قبولها.
• الاحتكار والملكية الفكرية: حيث تثير براءات الاختراع الخاصة بالبذور المعدلة قلقًا بشأن احتكار الشركات الكبرى وحرمان صغار المزارعين من إعادة استخدام البذور.
الطريق نحو الاستخدام الآمن والمستدام:
تتطلب الاستفادة المثلى من هذه التكنولوجيا وضع أطر تشريعية وأخلاقية تضمن استخدامها الآمن والعادل. فالبحث العلمي يجب أن يُستكمل بتشريعات واضحة تضمن حق المزارعين وتحمي البيئة والمستهلك، كما يجب إشراك المجتمعات المحلية في مناقشة القضايا المرتبطة بهذه التكنولوجيا.
إن مستقبل الهندسة الوراثية في الزراعة واعد، بشرط الاستخدام المسؤول والشفاف. فهذه التقنية يمكن أن تكون وسيلة فعالة لتحقيق الأمن الغذائي العالمي، إذا ما وُظّفت في الاتجاه الصحيح، وضمن إطار علمي وأخلاقي متين.
خاتمة:
الهندسة الوراثية ليست مجرد أداة علمية، بل هي ثورة معرفية تحمل بين طياتها حلولًا لمشكلات ظلت تؤرق الزراعة لعقود طويلة. ومع أن بعض الأصوات لا تزال متشككة في نتائجها، إلا أن التجربة أثبتت أن العلم، حين يُستخدم بعقلانية، يمكن أن يصنع فارقًا حقيقيًا. ومن هنا، فإن مستقبل الزراعة قد يتحدد بما نختاره اليوم: إما الاستمرار في الأساليب القديمة، أو تبني أدوات المستقبل لتحقيق التنمية المستدامة.
الكاتب: الدكتور قاسم زكي:
(*) أستاذ الوراثة المتفرغ بكلية الزراعة، جامعة المنيا؛ ورئيس اللجنة الوطنية للعلوم الوراثية بأكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، والرئيس الأسبق للجمعية الأفريقية لعلوم المحاصيل، واحد مؤسسي المجلس العالمي للنبات (GPC)؛ عضو اتحاد كتاب مصر، وعضو اتحاد الآثريين المصريين، وعضو الرابطة العربية للإعلاميين العلميين.
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز