من سلسلة “خواطر وراثية” (الجينات والوعي الإنساني)، الحلقة رقم (40)
شبكة بيئة أبو ظبي، بقلم الدكتور قاسم زكي (*)، جامعة المنيا، جمهورية مصر العربية، الأحد 5 يوليو 2026
منذ أن عرف الإنسان نفسه، ظل يتساءل: أين تنتهي حدود الجسد، وأين تبدأ النفس؟ وهل يمكن أن تكون الروح مجرد شفرة بيولوجية، أو أن تكون الجينات مرآةً للروح؟ لقد تعلمنا في العلوم أن الوراثة تنقل الصفات الجسدية من الآباء إلى الأبناء، لكنّ الأبحاث الحديثة بدأت تفتح نافذة مذهلة على ما يمكن تسميته «علم النفس الوراثي»، حيث تتقاطع الخريطة الجينية مع أعمق طبقات الوجدان البشري.
الجينات التي تتحدث عن النفس
لا شك أن كل إحساس أو انفعال يبدأ بإشارة عصبية تنطلق في المخ، تتحكم فيها جينات مسؤولة عن مستقبلاتٍ وناقلاتٍ عصبية مثل السيروتونين والدوبامين والأوكسيتوسين. هذه الجينات ليست مجرد تعليمات كيميائية؛ إنها رموز بيولوجية تنسج المشاعر، وتُعبّر عن حالتنا الداخلية بلغة كيمياء دقيقة، تشبه لغة الموسيقى التي تعزفها الخلايا العصبية في سيمفونية الحياة.
وقد أثبتت دراسات التوائم أن الميل إلى القلق أو الهدوء أو التفاؤل له مكوّن وراثي واضح، لكنه لا يعمل بمعزل عن التجربة أو التربية أو المحيط الاجتماعي. إننا نحمل بذور شخصياتنا في الـDNA، لكن البيئة هي التي تسقيها أو تكبح نموّها.
حين يتكلم الجسد بلغة الروح
تبدو العلاقة بين الجسد والروح، في ضوء العلم الحديث، علاقة تبادلية مذهلة. فالجينات لا تصوغ فقط شكل الجسد ووظائفه، بل تمتد لتؤثر في الإحساس والوعي والانفعال. وفي المقابل، فإن الروح أو النفس – بما تحمله من مشاعر وإرادة وإيمان – قادرة على التأثير العكسي في الجينات، من خلال ما يعرف اليوم بـ الوراثة فوق الجينية (Epigenetics).
لقد ثبت أن التأمل، والإيمان، والحالة النفسية الإيجابية، يمكن أن تُغيّر فعليًا من نمط التعبير الجيني داخل الخلايا، فتقلل من نشاط الجينات المرتبطة بالالتهابات، وتُنشّط الجينات المسؤولة عن المناعة وتجديد الخلايا. وكأن الروح حين تهدأ، تتنفس الجينات بسلام!
من علم الأحياء إلى علم الحياة
ما كان يُعد في الماضي مجرّد تأمل فلسفي، صار اليوم ميدانًا للبحث العلمي. ففي مختبرات علم الأعصاب الوراثي، يدرس العلماء كيف تترجم الجينات الانفعالات إلى تفاعلات كيميائية، وكيف تترك الصدمات النفسية بصمات حقيقية على الشيفرة الوراثية. بل إن بعض التجارب على الحيوانات أظهرت أن الخوف يمكن أن يُورَّث: فعندما تُعرّض أجيال من الفئران لرائحة معينة مرتبطة بخطر، يبدأ الجيل التالي في الخوف من نفس الرائحة دون أن يمر بالتجربة! إنها ذاكرة وراثية تُخزَّن في الخلايا.وإذا صحّ هذا في الفئران، فكم من مخاوفنا أو حساسياتنا العاطفية ليست وليدة اللحظة، بل امتدادًا لتجارب أجدادنا؟ ربما نحمل في أعماقنا قصصًا لم نعشها، ولكنها مطبوعة في جيناتنا، تنتظر موقفًا يوقظها.
الجينات والشفاء الداخلي
علم النفس الحديث بدأ يكتشف أن الشفاء النفسي والجسدي وجهان لعملة واحدة. فعندما يعيش الإنسان في توتر مزمن، تتأثر جينات جهاز المناعة، ويزداد نشاط الجينات الالتهابية، مما يفتح الباب أمام أمراض عديدة. لكنّ العكس صحيح أيضًا: حين نزرع السكينة، يزهر الجسد. وقد أظهرت دراسات حديثة في جامعة هارفارد أن التأمل المنتظم لمدة ثمانية أسابيع يغيّر نشاط أكثر من 1500 جين مرتبط بالاستجابة للضغط، والمناعة، والتوازن الهرموني.
إنها دعوة علمية صريحة لأن نعيد اكتشاف قدرة النفس على شفاء الجسد، فالعلم لم يعد يفصل بينهما كما كان يفعل في القرون الماضية.
بين القدر والاختيار
إذا كانت الجينات تكتب ملامحنا الأولى، فإن الروح تكتب بقية القصة. لا أحد يختار جيناته، لكنّنا نملك الحرية في كيفية التعامل معها. نملك أن نغذّي جينات الأمل بالصبر، وجينات القوة بالإيمان، وجينات الشفاء بالمحبة والطمأنينة. الجسد لغة، والروح معناها، والعقل هو المترجم بينهما.
تُعلّمنا الوراثة أن الإنسان ليس مجرد جسدٍ من خلايا، بل كونٌ صغير تحكمه شيفرات الحياة، تنسجم فيها المادة والطاقة، والعقل والوجدان. وحين يتكلم الجسد بلغة الروح، تُصبح الوراثة أكثر من علم؛ تصبح رحلة في فهم الذات الإنسانية، تلك الذات التي تحمل في كل خلية منها رسالة خفية من الخالق: “وفي أنفسكم أفلا تبصرون.”
(*) دكتور قاسم زكي
أستاذ الوراثة المتفرغ بكلية الزراعة، جامعة المنيا؛ والرئيس السابق للجنة الوطنية للعلوم الوراثية بأكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، والرئيس الأسبق للجمعية الأفريقية لعلوم المحاصيل، وأحد مؤسسي المجلس العالمي للنبات (GPC)؛ عضو اتحاد كتاب مصر، وعضو اتحاد الآثاريين المصريين، وعضو الرابطة العربية للإعلاميين العلميين
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز