أين ثمار التكنولوجيا الحيوية في الحقول المصرية؟

سؤال مشروع… لكنه لا ينفي قيمة العلم، بل يكشف فجوة التطبيق
سلسلة “خواطر وراثية” (الجينات والوعي الإنساني)، الحلقة رقم (44)

شبكة بيئة أبوظبي، بقلم الدكتور قاسم زكي (*)، جامعة المنيا، جمهورية مصر العربية 23 يوليو 2026
طرح أحد الزملاء سؤالًا مباشرًا على المشتغلين بالتكنولوجيا الحيوية وعلاقتها بتربية النبات والحيوان، فقال: «أخبرونا عن سلالة تم تحسينها بهذه التكنولوجيا وانتشرت في مصر». والسؤال في ظاهره يبدو تحديًا لجدوى التكنولوجيا الحيوية، لكنه في الحقيقة يفتح بابًا مهمًا لمناقشة الفرق بين قيمة العلم في ذاته، وقدرة المجتمع على تحويله إلى منتج يصل إلى الفلاح والمربي والسوق.

والإجابة العلمية لا ينبغي أن تقوم على المبالغة أو استعراض المصطلحات، وإنما تبدأ بتصحيح مفهوم شائع: التكنولوجيا الحيوية ليست مرادفًا للهندسة الوراثية أو إنتاج الكائنات المعدلة وراثيًا فقط، كما أن دورها في برامج التربية لا يقتصر على إنتاج صنف جديد يحمل اسمًا تجاريًا. إنها منظومة واسعة تشمل زراعة الأنسجة، والتشخيص الجزيئي للأمراض، والبصمة الوراثية، والانتخاب بمساعدة الواسمات الجزيئية، وحفظ الموارد الوراثية، وإنتاج النباتات الخالية من الفيروسات، والتلقيح الاصطناعي، ونقل الأجنة، فضلًا عن الهندسة الوراثية والتحرير الجيني.

هل يوجد في مصر صنف انتشر بفضل التكنولوجيا الحيوية؟
أوضح مثال يراه المزارع المصري هو شتلات الموز المنتجة بزراعة الأنسجة، ولا سيما أصناف مثل «جراند نين». فقد انتشرت معامل زراعة الأنسجة الحكومية والخاصة في إنتاج أعداد كبيرة من الشتلات المتجانسة والسليمة ظاهريًا والقابلة للزراعة على نطاق تجاري. وساعد ذلك على سرعة إنشاء المزارع، والحصول على نباتات متقاربة في النمو والإثمار، وتقليل نقل بعض مسببات الأمراض التي قد تنتقل مع الخلفات التقليدية.

لكن الأمانة العلمية تفرض القول إن زراعة الأنسجة لم تُنشئ التركيب الوراثي لصنف «جراند نين»، ولم تحوّله من صنف رديء إلى صنف ممتاز؛ وإنما مكّنت من إكثار الصنف الجيد بسرعة وكفاءة وإمداد المزارعين بمادة إكثار أكثر تجانسًا ونظافة. وهذه وظيفة تطبيقية واقتصادية مهمة من وظائف التكنولوجيا الحيوية، وإن لم تكن «استنباط صنف جديد» بالمعنى الضيق.

وينطبق الأمر نفسه على نخيل التمر. فالإكثار التقليدي بالفسائل محدود العدد، وقد ينقل بعض الإصابات، بينما تسمح زراعة الأنسجة بإكثار الأصناف المتميزة بأعداد كبيرة، والحفاظ على النباتات المؤنثة المرغوبة، والمساهمة في التوسع في زراعة الأصناف ذات القيمة الاقتصادية. وقد دخلت النخيل المنتجة نسيجيًا إلى مزارع مصرية عديدة، خاصة مع مشروعات التوسع في زراعة النخيل. ومع ذلك، فالتقنية هنا تقوم أساسًا بالإكثار الدقيق للصنف، وليس بالضرورة بتحسين جيناته.

ومن التطبيقات الواضحة أيضًا إنتاج تقاوي وبذور البطاطس الخالية من الفيروسات، بالجمع بين زراعة القمم النامية، والفحص الفيروسي، والإكثار الدقيق داخل المعمل. والبطاطس محصول خضري تتراكم فيه الإصابات الفيروسية عبر الأجيال، فتتدهور إنتاجيته. لذلك فإن إنتاج نباتات سليمة وإكثارها ليس عملًا هامشيًا، بل حلقة أساسية في منظومة إنتاج التقاوي عالية الجودة وتقليل الاعتماد على استيرادها. وتُستخدم الأساليب نفسها، بدرجات متفاوتة، في الفراولة وبعض نباتات الفاكهة والزينة والمحاصيل التي تتكاثر خضريًا. هذه أمثلة لنباتات وصلت بالفعل إلى الحقول المصرية باستخدام أدوات التكنولوجيا الحيوية، حتى إن لم يكن من الدقة الادعاء بأنها جميعًا «أصناف استُنبطت بالتكنولوجيا الحيوية».

التحسين لا يبدأ دائمًا بصنف جديد
تساعد الواسمات الجزيئية مربّي النبات على التعرف إلى النباتات التي تحمل جينات أو مناطق وراثية مرتبطة بمقاومة مرض أو تحمل جفاف أو ملوحة، قبل انتظار اكتمال نمو النبات وظهور الصفة في الحقل. إنها أشبه بجهاز كشف يساعد المربي على اختيار الأفراد الواعدة مبكرًا، لكنه لا يلغي التهجين والانتخاب والتقييم الحقلي.
كما تُستخدم البصمة الوراثية للتحقق من نقاوة الأصناف، وكشف الخلط، ودراسة التنوع الوراثي، وتحديد مصادر المقاومة التي يمكن إدخالها في برامج التربية. وتدخل الاختبارات الجزيئية في تشخيص مسببات الأمراض النباتية والحيوانية بسرعة ودقة، بما يسمح بالتدخل قبل انتشار العدوى وحدوث خسائر جسيمة.

فهل نقول إن هذه الأدوات بلا جدوى لأنها لم تُكتب منفردة على بطاقة الصنف؟ بالطبع لا. لا يسأل أحد عن نوع المجهر الذي استُخدم في اكتشاف المرض، أو برنامج الحاسب الذي حلل نتائج التجربة، ثم ينكر فائدته لأنه لم يتحول إلى صنف مستقل. التكنولوجيا الحيوية أداة داخل برنامج متكامل، والمنتج النهائي ثمرة عمل يشترك فيه المربي، وعالم الوراثة الجزيئية، وعالم الأمراض، والمهندس الزراعي، ونظام تسجيل الأصناف وإنتاج التقاوي والإرشاد الزراعي.

وفي مجال الحيوان؟
تُعد تقنيات التلقيح الاصطناعي وحفظ السائل المنوي ونقل المادة الوراثية من الطلائق المنتخبة من أشهر تطبيقات التكنولوجيا الحيوية التناسلية. وقد استُخدمت في مصر لتحسين إنتاجية قطعان الأبقار من اللبن واللحم، من خلال نشر صفات طلائق عالية القيمة الوراثية بين عدد كبير من الإناث، بدلًا من اقتصار تأثير الذكر الممتاز على قطيع صغير.
ومع ذلك، فإن وصف الناتج بأنه «سلالة مصرية جديدة» قد يكون غير دقيق؛ لأن كثيرًا من هذه التطبيقات ينتج حيوانات خليطة أو قطعانًا محسّنة متفاوتة الدرجات، وليس سلالة ثابتة الصفات مسجلة رسميًا باسم محدد. كذلك فإن ضعف التسجيل الحقلي، وعدم انتظام برامج الانتخاب، وتباين نظم التغذية والرعاية، قد يحجب الأثر الوراثي المتوقع.

أين المشكلة إذن؟
إذا كان المقصود بالسؤال: «هل استنبطت المؤسسات المصرية صنفًا أو سلالة جديدة بالهندسة الوراثية أو التحرير الجيني، ثم سُجلت وانتشرت تجاريًا على نطاق واسع؟»، فالإجابة الأمينة هي أن الحصيلة المصرية في هذا المستوى لا تزال محدودة، ولا تتناسب مع عدد الأقسام والمراكز والمعامل والرسائل العلمية.
وتشير التقارير المتاحة إلى أن مصر لا تنتج حاليًا محاصيل غذائية مهندسة وراثيًا على نطاق تجاري، رغم وجود أبحاث وتجارب على القمح والذرة وغيرهما. ويعرض تقرير التكنولوجيا الحيوية الزراعية عن مصر هذا الفارق بين النشاط البحثي والوصول إلى الإنتاج التجاري.

وهذه الحقيقة لا تدين التكنولوجيا الحيوية، وإنما تدين فجوة الابتكار الممتدة بين المعمل والحقل. فقد ينجح الباحث في التعرف إلى جين مقاومة أو إنتاج نبات داخل أنبوبة، لكن تحويله إلى صنف يحتاج إلى سنوات من التجارب الحقلية، والتقييم في بيئات متعددة، ودراسات السلامة، والتسجيل، وحماية الملكية الفكرية، وإنتاج التقاوي، والتمويل، والإرشاد، وقبول المزارعين، والسوق.

ومن الإنصاف إذن ألا نرد على السؤال بقائمة إنجازات ورقية، ولا أن نقبل الاستنتاج القائل إن غياب المنتج التجاري الواسع دليل على أن العلم بلا جدوى. الرد الصحيح هو: نعم، دخلت التكنولوجيا الحيوية بالفعل إلى الزراعة المصرية، وأبرز نجاحاتها التجارية في زراعة الأنسجة وإنتاج شتلات الموز والنخيل والفراولة والبطاطس السليمة، والتشخيص الجزيئي والتكنولوجيا التناسلية الحيوانية. ولكن نعم أيضًا، ما زلنا بحاجة إلى أصناف وسلالات مصرية جديدة تحمل بصمة واضحة لهذه التقنيات وتصل إلى المزارع بأسماء مسجلة وأرقام إنتاج موثقة.

السؤال الحقيقي، إذن، ليس: «هل التكنولوجيا الحيوية مفيدة؟»، فقد حسم العالم ذلك منذ زمن، بل: لماذا لا يتحول ما ننتجه في رسائلنا ومعاملنا إلى أصناف وتقاوٍ ولقاحات وقطعان محسنة ومنتجات تنافسية؟
إن أفضل رد على المشككين ليس محاضرة عن عظمة التكنولوجيا الحيوية، وإنما شتلة سليمة في الحقل، وصنف مقاوم للمرض، وسلالة أعلى إنتاجًا، ومنتج مصري موثق يستطيع الفلاح شراءه. والعلم الذي لا يعبر الطريق من المعمل إلى المجتمع يظل معرفة محترمة، لكنه لم يكتمل بعد بوصفه تكنولوجيا.

(*) دكتور قاسم زكي

أستاذ الوراثة المتفرغ بكلية الزراعة، جامعة المنيا؛ والرئيس السابق للجنة الوطنية للعلوم الوراثية بأكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، والرئيس الأسبق للجمعية الأفريقية لعلوم المحاصيل، وأحد مؤسسي المجلس العالمي للنبات (GPC)؛ عضو اتحاد كتاب مصر، وعضو اتحاد الآثاريين المصريين، وعضو الرابطة العربية للإعلاميين العلميين

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

الجينات واللغة الداخلية… حديث الإنسان مع نفسه

من سلسلة “خواطر وراثية” (الجينات والوعي الإنساني)، الحلقة رقم (41) شبكة بيئة أبوظبي، بقلم الدكتور …

اترك تعليقاً